في البدء لا بد أن يعي المتلقي لأي رسالة، أن هناك علاقة جدلية بين المرسل كشخص والرسالة كمضمون، وأيضا لا بد من الوعي التام بأن عملية التلقي تعتمد على عدة مقومات كي تصح تلك العملية وتأتي بنتائجها المرجوه في بناء وعي الجمهور، فصحة الحواس ضرورة شرطية لصحة استقبال الرسائل، فالمصاب بالصمم لن يتعامل ولن يستفيد من الرسائل الاذاعية، كما أن المصاب بالعمى، لن يستقبل الأعمال التشكيلية، هذا بالاضافة الى المصابين بالعنت العقلي، الذي يدفعهم للتفكير في اتجاه أحادي إعمالا لعواطفهم، من دون النظر والتدقيق في مضامين الرسائل وشخصية وقيمة وتاريخ المرسل، في شكل من أشكال التراجع الفكري والكسل العقلي وتراخي الحواس في عملية الاستقبال. كما أن مرجعيات الجمهور الثقافية لها دور مهم في تلك العملية، علاوة على المرجعية الدينية السائدة في المجتمع، ثم الذوق الشخصي للأفراد والذوق العام للمجتمع، بالاضافة الى عنصر المران وممارسة التلقي كعملـــــية علمية منظمة، وليست عشوائية بأي حال من الأحوال، فالتعامل بهذا المنطق، يعني أن التلقي الايجابي عملية منظمة، على النقيض تماما من التلقي السلبي، الذي يعتبر تلقينا وليس تلقيا، لاستسهال عملية التلقي بعدم استخدام الميكانيزمات الحسية، والتكاسل العقلي في التفاعل مع المطروح، وانعدام طرح الأسئلة الداخلية وتكوين الصور الذهنية، فيكون النتاج تكوين فكرة هشة أو خاطئة أو استسلامية عن الموضوع محل الطرح، وغالبا لا يحدث ذلك التلقي السلبي عند جمهور الفنون والآداب، ذلك لارتباط جمهور هذه النوعية من الرسائل بالمثقفين، وقلما يهتم الجمهور العام بتلك الرسائل، ونعني بالمثقفين هنا، هؤلاء الذين يحملون قدرا معرفيا وإنسانيا حقيقيا عن حضارتهم وموروثهم، وحضارات وثقافات الآخر، ويمارسون فعل المثاقفة في آن واحد. هذه النوعية من الجمهور، يمكنها القيام بنقد وتمييز الرسائل المطروحة عليها بسهولة ويسر، وتكوين آراء صائبة أو أقربها الى الصواب، نظرا لقدرتها على إعمال ميكانيزماتها الحسية بشكل صحيح، بالاضافة الى وعيها بالثقافة الجماهيرية ومرانها المستمر على كيفية تلقي الرسائل المتنوعة، ذلك الفصيل الواعي من الجمهور يمكنه التعامل مع أخطر أنواع الرسائل الفنية في عصرنا الحديث، وهي الرسائل التلفزيونية والرسائل المصورة والمطروحة عبر الشبكة العنكبوتية. لكن الأمر يختلف مع الجمهور العام، الذي يحمل قدرا متواضعا من الثقافة البصرية والسمعية، أو الذي لا يحمل أيا من هذه الثقافات، فرسائل التلفزيون، تأتي على مستويين، الصوت ويتضمن بداخله مضمون الرسالة المطروحة للجمهور، ثم مستوى الصورة وترتبط بفنون متعدده كالفن التشكيلي والتطبيقي والفوتوغرافي، ولحل تلك المعادلة البصرية السمعية، لا يمكننا أن نوجه الجمهور الى متابعة تفاصيل الصورة، كالعلاقة بين الشكل والأرضية مــــثلا، أو حركة الكاميرا، او أسس اكتمال ‘الكادر’، فنخرج من ضرورة تطبيق نظرية التواصل والتفاعل مع الصورة، الى مجرد محاضرات نظرية في فصل دراسي، لكن يمكننا أن نهمس اليه: عزيزي المشاهد.. انتبه، البرامج التي تناقش قضايا الواقع، تلك القضايا التي تمس حياتك اليومية والمستقبلية، تختـــلف تماما عن برامج المنوعات والترفيه بأشكاله، لذا يجب أن تنــــتبه جيدا، الى أن النوعية الأولى من البرامج، اذا ما استخدمت إضاءة شديدة مبالغا فيها، وألوان الديكور أتت صارخة، كالأحمر والأزرق والأصفر، بالاضافة الى استخدام الضيوف ومقدمي البرامج لاكسسوار واضح ولافت للنظر، فاعلم جيدا أن مالك قناة الاتصال، أو المعد والمخرج يريدان أن يثنيـــاك عن المضمون الصوتي للرسالة، حيـــث تأخذ الصــورة الحيز الأكبر من الادراك، بفعل الابهار المصطنع، ولا يصل الى مسامعك سوى قشور الرسالة، فتخرج من المشاهدة بنتيجة مفادها جمال الحلقة لكن اذا سألك شخص ما، أو سألت نفسك بعد دقائق من انتهاء الحلقة، ماذا قدمت لك تلك الحلقة، ما موضوعها، ما أهم ما جاء فيها؟ على الفور ستدرك لعبة المخادعة بفعل الابهار في مكونات وعناصر ‘الكادر التلفزيوني’، فإذا ما اردت أن تخرج من مثل هذه المخادعات سالما، ما عليك إلا الاهتمام قليلا بالفن التشكيلي، كأحد أهم المداخل الى الصورة التلفزيونية، التي يمكن للمتلقي المتمرس أن يدرك لعبة المخادعة تلك بمجرد انطباع الصورة على شبكية العين، لمعرفته المسبقة بالفارق ما بين الشكل والأرضية، وعلم المنظور، ونظريات الاضاءة، والعمليات المنظمة لادراك الصورة … وما الى ذلك من علوم أتت بفعل المثافقة، فالتعرف الى الفن التشكيلي يسهل لك كل هذه الأمور التي تبدو صعبة للعيان، لكنها بسيطة للغاية وممتعة في آن واحد. ربما يظن البعض أن عملية التلقي بهذه الاشتراطات صعبة ومعقدة، الا أنها على العكس تماما، من السهولة واليسر بحيث يستطيع المتلقى العام، كشف مميزات وعيوب الرسائل المطروحة في برامج ‘نقد الواقع’، اذا ما تتبع الفكرة الرئيسية للموضوع محل المناقشة، وأتت تلك الأفكار واضحة، لا التباس فيها، ومتسلسلة ومتدفقة، بحيث يستفيد من كل لحظة بث، وفي نهاية الرسالة، يسأل سؤالا موضوعيا عن مدى اضافة الحلقة لأفكاره، أو مدى التثبيت أو التشكيك في قناعة سابقة، فالاضافة أو التثبيت أو التشكيك، كلها عوامل تدفع المتلقي الايجابي الى البحث عن صحة المرسل عبر الشاشة، بالقراءة والسؤال والتحري، فالبرامج التلفزيونية ليست مادة ثقافية، بقدر ما هي مقدمات دافعة الى الثقافة، وتعد عملية تكوين الثقافة عبر الوسيط التلفزيوني، بمثابة هدم للفعل الثقافي والقيم الانسانية والحضارية، إذا ما اعتمدها المتلقي السلبي كمسلمات غير قابلة للنقاش. على العكس تماما إذ ما كانت تلك البرامج دافعة بأفكارها التثبيتية أو التشكيكية الى بحث الجمهور الايجابي وتقصيه عن تفاصيل المطروح عبر البرنامج، ثم نأتي بعد ذلك الى نقطة في منتهى الخطورة، ألا وهي ‘شخصية المرسل’، سواء كان مرسلا كليا للرسالة ‘لقاء مباشرا، محاضرة مصورة’، أو مرسلا جزئيا كضيف في برنامج حواري، فربما يدعي البعض أن الرسائل الجيده تؤدي أغراضها، من دون النظر الى شخصية المرسل، لكن هذه الرؤية وعلى الرغم من مخالفاتها لأسس وقواعد البحث العلمي في تجميع المراجع الخاصة بشخوص مشهود لهم بالخبرة والكفاءة العلمية والشخصية، يمكن تجاوزها في البرامج الترفيهية، أما برامج الواقع، فلا يمكننا اغفال شخصية وتاريخ المرسل، كمحدد لخلو الرسالة من العوار الباطني، فربما يكون لبعض الأشخاص أغراض في تمرير رسالة منافية للقيم والأعراف المجتمعية، أو تمرير فكرة لهدم ثقافة أصيلة، كأن يكون الضيف مثلا ممن تعارف عليه الجمهور إعلاميا بـ’الداعية الاسلامي’، الذي يستمر طوال الحلقة في ترديد ما قاله ‘الله تعالى ورسوله الكريم صلى الله عليه وسلم’، ثم في عجالة وبعد حديث مطول مثلا عن فتح مكة، وخلال ثوان معدوده، يترك للمتلقي مقولة بعنوان ‘الحضارة الفرعونية حضارة عفنة’ والراصد الحقيقي للبرامج التلفزيونية يمكنه ادراك آلاف الرسائل اليومية على شاكلة تلك الرسائل الهادمة بوعي أو من دون وعي لقيم وثقافات وأعراف… بل وتتخطى أحيانا الى التحريض على الآخر والتحقير من شأنه، لذا وجب على المتلقي عمل جدول وهمي يتساءل خلاله، عن القيمة العلمية للمرسل: نتاجه الفكري والعلمي، انتماؤه المذهبي، مشاركاته المجتمعية، سلوكياته العامة والشخصية.. ويمكن اضافة ما يراه المتلقي مناسبا من هذه الأسئلة، كتاريخه السياسي والنضالي، ومقاومته للباطل. وتأتي هذه الأسئلة حسب الرسالة المطروحة، فهناك أسئلة بعينها عن مقدم البرامج الدينية، ونقصد هنا الواعظ وليس مقدم البرنامج، وربما يفيد السؤال عن كليهما، فاذا ما رأي أحد، أن السؤال عن السلوكيات أمر شخصي وتعد على الخصوصيات، يكون الرد: ان الثقافة كقول لابد أن توازيها ممارسة للفعل الثقافي، ‘كبر مقتا عند الله أن تقولوا ما لا تفعلون’، فحينما يتحدث الضيف العلماني عن قيمة الحضارة الفرعونية وأهمية الوعي بالجذور كمنطلق للنهضة، ثم نراه يرتمي في أحضان ثقافات أخرى مغايره تماما لما يدعو اليه، ويروج لها ويتبــــــناها بقوة، فـــمن الســهل علـــيك كمتلق كشف المخادعة، وعلى هذا الطـــريق يمكنك كشف المرسل للرسائل الدينية والتعرف على قيمة الصدق في رسائله، من خلال الاتساق الكامل ما بين رسائله الشفاهية وممارساته الحياتية، وتعد الأمثال العربية في هذا الشأن مهمة للغاية، حيث قال الأقدمون، ‘الأثر يدل على المســـير والبعرة تدل على البعير’، كواحد من أهم الطروحات اللفظية الداعية الى استخدام العقل والميكانيزمات الحسية وعدم الاعتداد بالعاطفة في حالة التلقي للواقع، وفي ظل هذا الجنون الفضائي الذي اجتاح العالم بشكل عام والعالم العربي بشكل خاص، كان لزاما على المتخصصين رصد هذا التشوه البرامجي الذي أصاب عالمنا، من خلال قراءة متخصصة فيما تطرحه الفضائيات العربية، نقدمها خلال الحلقات التالية من هذه الدراسة على مستوى المحطات الحكومية أو التجــــارية ‘ متحررة ودينية ‘ كي نلقي النظر بعقلانية على هذا المشهد الاعلامي العــــربي الداعي الى الرثاء، نظرا لانتكاسة الاعلام النهضوي من ناحية والتكاسل العقلي وتعطيل المتلقي لميكانيزماته الحسية من ناحية أخرى.