فضائيات في دور مرسال الغرام وصباح عبيد صاحب مشروع نهضوي!

حجم الخط
0

أنور بدر

لا يزال الأثير العربي يشهد المزيد من الفضائيات التي تتكاثر بطريقة الانشطار الذاتي والسريع، حتي أن عددها فاق الأربعمئة فضائية عربية، وهذا يكذب أي ادعاء بتخلفنا عن العصر الرقمي، فيما لو اكتفينا بالإحصائيات العددية، ولكن أي تدقيق في طبيعة هذه الفضائيات سيكشف نوعين من المؤسسات الإعلامية، الأولي ذات رسائل S.M.S واضحة التوجه والأهداف، والثانية ذات رسائل سياسية متباينة التوجه والأهداف. في الشق الأول تري فضائيات الأغاني والمنوعات التي تستهلك يومياً ساعات لا تحصي من الفيديو كليبات المكرورة والتي يعاد إنتاجها باستمرار دون إضافة أي لون أو طعم أو رائحة، وبعضها لا يمانع في استثمار تراث فيروز أو أغاني الزمن الجميل، طالما أن الهدف ليس في متن الشاشة بل في الهامش، أي أن محتوي هذه البرامج من الأغاني والمنوعات ليس هو ما يشكل الرسالة الإعلامية، بل الرسالة الإعلامية لهذه الفضائيات تكمن في رسائل S.M.S التي تبث علي شريط مقروء أسفل الشاشة الصغيرة، أو علي هامشها. وإن كان الكثيرون من متابعي هذه النوعية من الفضائيات يجهلون القيمة الإعلامية لهذه الرسائل، فقد أشار تقرير حديث إلي دور هذه الرسائل في صياغة توجهات واهتمامات سطحية تافهة عند شرائح واسعة من الشباب العربي تحديداً، تقود إلي أنماط من الانحراف السلوكي والأخلاقي، خاصة وأن القدرة الاستقطابية لهذه البرامج تتزايد مع قدرتها علي إشراك المشاهدين من خلال الرسائل القصيرة S.M.S بل جعلها محور اهتمامات هذه البرامج. ويضيف التقرير أن عائدات هذه القنوات تزيد عن 4.5 مليون دولار شهرياً، تُستنزف من مدخرات شبابنا في سبيل صناعة مستقبل مشوه وغير سليم لهم، واعتقد أنه رقم ليس بالقليل تتقاسمه تلك الفضائيات مع شركات الاتصال الخليوي التي فاقت الفضائيات سالفة الذكر في قدرتها علي الانتشار والإنشطار أيضاً. ويمكن التنويه أن هذه الرسائل التي تمول فضائيات عربية ليست بصناعة غربية، مع أنها قد تكون استفادت من العولمة الغربية التي حولت الإعلام إلي مجال خدماتي، وكنا نحن سباقين في مجال الاستثمار في حقل رسائل S.M.S الغرامية كوننا شعوبا مكبوتة ومقموعة، تحلم بالتعبير عن مشاعرها في تلك الرسائل المشفرة والتي تتضمن بعض الكلمات والإشارات، لكننا في مجال آخر بدأنا عولمة الخدمات الإعلامية عبر فضائيات مختصة: واحدة بالطبخ فتافيت وأخري للوساطة العقارية العقارية وثالثة سياحية مثل الفندقية ورابعة مهتمة بفرص العمل أربيان ترافل لكن مهمة ساعي البريد ومرسال الغرام هي الأكثر انتشاراً. في الشق الثاني من المؤسسات الإعلامية التي لا تقوم علي تمويل رسائل S.M.S نجد تلك المؤسسات التي تُمول من قبل رسائلها السياسية باعتبار المادة الإعلامية والبرامجية هي حاملة لرسالة سياسية مباشرة أو غير مباشرة، وفي هذا الحقل تتصارع تلك الفضائيات الناطقة باسم الأنظمة العربية والمدافعة عن سياساتها الداخلية والخارجية مهما وصلت إليه من حدود القمع في الداخل والارتهان للخارج، مع محطات فضائية تتبع للقوي والدول ذات التأثير في المنطقة، وهذه الفضائيات تمتد من الولايات المتحدة وإسرائيل إلي B.B.C اللندنية، وfranc 24 الفرنسية وحتي روسيا دون أن تخفي مراكز القرار فيها، وآلية التمويل، وصولاً إلي مراميها الهادفة إلي التأثير في أحداث المنطقة ومجريات الأمور فيها، من خلال قدرتها علي إعادة صياغة وتشكيل الرأي العام إزاء أي حدث. المشكلة أن الفضائيات الرسمية الناطقة باسم الأنظمة العربية غر معنية بردم الهوة التكنولوجية والإعلامية بينها وبين الفضائيات الناطقة باسم مراكز القوي العالمية. لأن أي إجراء كهذا يقتضي بالضرورة الانطلاق من حرية الإعلام وحرية الإعلامي في الدفاع عن آرائه الوطنية بأقل تعديل، وهذا غير مسموح في الإعلام الرسمي. إذ لا توجد وطنية غير رسمية. وبالتالي الإعلام الرسمي هو إعلام بيروقراطي ولن يتسع لأبعد من نظارات موظفيه في أفضل الحالات. نقيب الفنانين مجدداً الزوبعة التي أثارها نقيب الفنانين السوريين صباح عبيد بقراره منع هيفاء وهبي وأليسا وروبي من الغناء في سورية ما زالت تتفاعل في الأوساط الفنية والإعلامية وحتي الشعبية. فالغضنفر صباح عبيد الذي لجأ إلي تبرير قراره في لقاء صحفي مطول وقع في شرك أقواله ـ ان صح التعبير ـ إذ اعترف أنه كنقيب للفنانين اتخذ قراره دون استشارة مجلس النقابة بناء علي القانون ((13 الصادر عن السيد رئيس الجمهورية والمجلس ليس له علاقة بذلك. وان كان يضيف أنه استشار بعض الموسيقيين القائمين علي رأس عملهم، فلا يعتبر ذلك مبرراً لغياب لجنة فنية مختصة، إذا كنا سنبدأ بإصدار تقييم للسويات الفنية في سورية، ولا يكفي أن نذكر هادي بقدونس وعبد الفتاح سكر وأمين الخياط بشكل شخصي واعتباطي، فحتي هؤلاء بصفتهم الشخصية لا يحملون أية حجة علي تقرير سوية أي فنان، وأذكر في النصف الأول في ثمانينات القرن الماضي أن بعضاً من هذه الأسماء رفض أغنية من ألحان كوكب حمزة لرداءة اللحن مع أن هذا الملحن العراقي هو الذي أطلق الفنان العراقي سعدون الجابر في أغنيته الشهيرة يا طيور الطايرة وله العديد من الأغاني والألحان التي تضعه فوق السوية العلمية والمهنية لمن أُعطي صلاحية الحكم عليه. بالطبع نحن لا نقارن بين كوكب حمزة أو سعدون الجابر وبين هيفاء وهبي وأخواتها المطرودات من فردوس نقابة الفنانين في سوريا، لكننا نناقش في أهلية التقييم من حيث المبدأ. المسألة الثانية أننا نتفق مع نقيب الفنانين الذي وصف المرحلة بأنها عصر انحطاط كامل… إنه عصر انحطاط في السياسة والفن والأدب والشعر، في الصحافة… لكنني أختلف معه عندما يعتبر نفسه صاحب مشروع نهضوي أو تغييري في الفن، وأخشي أن لا تقف طموحاته عند التغيير في الفن، بل تمتد للتغيير في السياسة والأدب والشعر وحتي في الصحافة، فهو يقول يا أخي أنا لست وصياً، بل إنني أطبق القانون الذي يعطيني هذا الحق، وهو الحفاظ علي السوية الفنية والنهوض بالمستوي الفني للأمة… هذه هي مهامي. كما يتابع في مجال آخر أنه عصر انحطاط قد يبدأ الخلاص منه بشخص مثلي، قد تكون البداية من عندي، ما هي المشكلة… ! ؟ اعتقد يا نقيب الفنانين أن المشكلة كبيرة، والأكبر منها هو التصور الذي تبنيه حول أمجادك الفنية حين تقول أنا في وادي المسك مشي ورائي مئة مليون عربي، وبدور الغضنفر مشي ورائي الآلاف، وهكذا بدور الباشق وأبو علي في الخوالي مشي ورائي آلاف المحبين والمعجبين والعاشقين. وبغض النظر عن أهمية هذه الأعمال التي لعبتها يا صديقنا، إلا أنك تُقر بوجود خلافات داخل النقابة، وأنك هددت أكثر من مرة بالاستقالة دون أن تنفذ وعدك، وأنك اتهمت الصحافة بتعبير المسعورة وكنت تقصد صحيفة الثورة السورية لأنها شتمتك، وتعترف بأنك فتحت معركة مع الفنان حسين فهمي وصفته فيها بتعبير المسكين لأنه انتقد بعض الفنانين السوريين. ثم تأتي علينا بمشروع لمحاربة عصر الانحطاط في السياسة والفن والأدب والشعر من خلال منع هيفاء وهبي وأخواتها من الغناء في المرابع الليلية، وهل كانت الغجريات والعراقيات اللواتي ملأن تلك المرابع بأفضل حالاً ممن منعت؟! يقول الغضنفر في حواره المطول مسألة أخري مهمة ونتفق معه في توصيفها الآن نسمع الأغنية العراقية فنكتشف أنها عراقية، والأغنية اللبنانية تعرف فوراً أنها لبنانية، ولكن أين الأغنية السورية؟ لقد اندثرت تماماً… وسوف اعتبر هذه النتيجة صائبة مئة بالمئة، ولكن ذلك ألا يدعونا للسؤال عن دور نقابة الفنانين خلال تلك العقود التي أدت إلي اندثار الأغنية السورية؟ خاصة وأنك موكل إليك مهمة الحفاظ علي السوية الفنية للأمة وفق القانون كما تشير، ألا يُعطينا ذلك حق التساؤل: ماذا قدم مهرجان الأغنية السورية خلال دوراته التي بلغت دزينة كاملة مع أهمية المبالغ التي صُرفت عليه أو سُرقت منه؟! ثم هل يعني وصولك إلي رئاسة النقابة بطرق ما زال غريمك زهير رمضان يطعن بصحتها أنك أصبحت معنيا بالحفاظ علي المستوي الفني للأمة؟! وأي قانون هذا الذي يعطي هكذا حقوق؟! وإن صحت هذه الحقوق لك ولمن سبقك من رؤساء النقابات أفلا يجب أن نحاكمكم الآن لإهداركم هذه الحقوق سابقاً، وأنت عضو في مجلس نقابة الفنانين لأكثر من دورتين، حيث أوصلتم المستوي الفني للأمة إلي ذلك الدرك من الانحطاط كما وصفته أنت بالذات؟! ومع ذلك تؤكد أن معيارك ليس من اللباس وحده، إلا أنك لم تتوان عن القول نحن مجتمع أغلبيته محافظ ولا يستطيع أحد أن يُنكر ذلك… . وتضيف في موضع الدفاع عن الفنانين السوريين لم أر فناناً سورياً لا يمتلك صوتاً ويمشي عارياً.. لكنك إذا كنت معنيا حقاً بالحفاظ علي السوية الفنية والنهوض بالمستوي الفني للأمة ـ دون أن ندري إن كنت تقصد الأمة السورية أم الأمة العربية ـ فهذا يرتب عليك واجب منع هذا الفنان السوري الذي لا يملك صوتاً حتي لو ارتدي كل أثواب العالم. وأخيرا كنا وما نزال نأمل منك ومن الجهات المعنية برفع السوية الفنية للأمة أن تتقدموا خطوة باتجاه صنع شيء ما، أغنية سورة حقيقية، ونحن لا نعدم وجود أصوات جميلة، ولا ملحنين ممن استشهدت بجدارتهم الفنية، ولا أعتقد أنه ينقصنا الشعراء أو كتاب الأغاني، لكنه ينقصنا من يهتم بكل هؤلاء وينتج من جهودهم تلك الأغنية السورية التي اندثرت حسب تعبيرك، وعندها ستجد أن الأغنية الجيدة تطرد الأغنية السيئة، دون أن تحتاج إلي منع هيفاء وهبي أو أي هيفاء أخري من الغناء في سوريا لو أرادت ذلك.

ہ صحافي وكاتب من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية