غسان الأطرشما الذي يحدث في رمضاننا الكريم؟ لم أعد أميز بين هذا وذاك، هل أصبت بعمى ألوان لم يبق لي شيئا؟ حتى الأسود والأبيض أصبحا رماديين، أم أصبت بحمى مالطية؟ قلبت ليلي نهارا ونهاري ليلا.
لم أعد أعرف الناس، حتى أصدقائي فقد بدأت أتلعثم باسمائهم وصفاتهم وأماكنهم ولقاءاتي بهم ومواعيدي معهم والكثير من الخصائص التي تجمعني وإياهم.
حرت في أمري، ماذا دهاني بحق الآلهة؟ هل هو الصوم (الجوع والعطش) قد أخذ مني مأخذا؟ لا، فرمضاننا هذا كغيره من الأشهر الرمضانية الكريمة التي صمناها، طالبين من الله عز وجل العفو والمغفرة، وبالتالي فلا يضيرنا الصوم الذي مارسناه دهورا وشهورا.
ذهبت إلى الطبيب الذي صرح لي بأنني لا أشكو ضيما ولا حتى صداعا ولله الحمد.
هل تقدمت بالعمر وبدأت أصاب بشيء مما يعرف بالزهايمر (فقدان الذاكرة) ولو لفترات قصيرة متقطعة؟ لا لم يكن هذا احتمالا واردا، فأنا شاب في مقتبل العمر وقد أكد لي الكثيرون ممن حولي ويعرفونني عز المعرفة بأنني أتمتع بذاكرة طيبة قل ما تجد مثيلا لها في وقتنا الراهن.
فكرت وفكرت مليا، وقد شارفت على ان أصاب بالدوار من شدة التفكير واحتمال الممكن وغير الممكن.
توصلت إلى فكرة قد أجد فيها حلا وهذا ما كان، فقد جمعت بعض الأصدقاء ورحنا نتداول بالأمر، وإذ بالكثير منهم أصيب بشيء مما أنا فيه.
إذا ماذا حدث ويحدث؟
سؤال بدا لنا كبيرا وخطيرا، كيف سنجيب عليه؟ كنا نشاهد التلفاز وكان هنالك مسلسل عربي يعرض على شاشته، لم نكن نعيره اهتماما، حتى قال أحد الأصدقاء: أنظروا إلى هذا الممثل، إنه يؤدي دوره هنا كمجنون بشكل جيد، فقاطعه الآخر قائلا: نعم لقد كان قبل ساعتين على الفضائية الفلانية بدور طبيب وقد كان جيدا، ونطق ثالث من هناك قائلا: نعم نعم لقد شاهدته قبيل الافطار في مسلسل تاريخي يجسد دور قائد عربي، وصاح آخر من هناك: بلى بلى وأنا كنت قد رأيته قبل مجيئي إليكم بدور رومانسي مع تلك الممثلة التي هي أخته الآن وقد كانا متزوجين بالأمس في مسلسل آخر، ثم صاح واحد من هنا وآخر من هناك حتى تعالت الأصوات لتشرح عن المسلسلات وقصصها وأبطالها وبطلاتها وهكذا حتى دخلنا في حديث غوغائي لم ننته منه إلا عندما شعرت أنا بالدوار وصرخت بهم قائلا: أرجوكم أوقفوا هذا الهراء أرجوكم، ها أنا قد وجدتها وجدتها عرفت السبب الذي أصبنا نحن جميعا به، إنه هذا الكم الهائل من الأعمال الدرامية العربية اللعينة التي تأتينا في فترة شهر واحد وهو شهر الصيام، فلم نعد نميز مسلسلا من آخر ولا بطلا يؤدي دوره هنا وهناك ولا ممثلة كانت قبل قليل أختا لذلك الممثل، فتقلب جهاز التحكم وإذ بها عشيقته.
اختلطت علينا الأمور ودخل الحابل بالنابل ولم نعد نميز الأشياء بعضها من بعض، وقد بدأنا نمل ونكل ونشعر باليأس والاحباط، وفقدنا عنصر التشويق في ترقب ومتابعة أي عمل درامي سمعنا عنه أم لم نسمع.
أصبحت في لحظات كثيرة وأنا أشاهد مسلسلا ما، أشعر بأنني كنت أجلس مع الممثلين وكادر العمل في مكان التصوير وقد قام هؤلاء الفنانون ببعض الحركات الإيمائية من أجل الضحك أو التعبير عن حادثة معينة كنا نتحدث عنها، ثم سينصرفون إلى جلسة أخرى ويفعلون الشيء نفسه. في (أوروبا والبلدان المتقدمة) يقوم الممثل السينمائي بعمل واحد في كل سنة أو سنتين، يبقى هذا العمل عالقا في أذهاننا نحن المشاهدين لفترة طويلة.
يبدو أن هوليوود قد اقتبست فكرة الحوليات من ابن أبي سلمى (رحمك الله وأسكنك فسيح جناته يا زهير) حيث أن الغرب قد سرق منا العلوم كلها حتى فكرة الحوليات.
ارحمونا أيها الفنانون الكرام، ارحمونا أيها الكتاب أيها المخرجون، ارحمونا أيها المنتجون، أيتها الفضائيات رحمكم الله.
لا بد أنكم جميعا ستلقون باللائمة على وزارات الثقافة والاعلام.
أقترح عليكم يا وزارات فرض نظام الـ (غوتا) على الأعمال الدرامية الفنية كي نبقى نحن المواطنين المساكين في صحة وسلامة وعافية، إن كنا نعني لكم شيئا عافاكم الله.’ كاتب من سورية