فضيحة أوكرانيا: ترامب على حافة الانهيار العصبي والديمقراطيون ماضون في التحقيق

إبراهيم درويش
حجم الخط
0

المراقب للرئيس الأمريكي دونالد ترامب يرى أنه رجل على حافة الانهيار العصبي، يصرخ ويسب ويناقض نفسه ويدينها وهو ينكر تورطه في المكالمة الأوكرانية وتجنيده وزير العدل والخارجية ومحاميه الخاص في مهام خاص لحث الدول على التحقيق في أصول الاتهامات التي وجهت إليه وحقق بها المحقق الخاص ديفيد مولر.

وفي الأيام العشرة الأخيرة التي أعلن فيها مجلس النواب عن إجراءات محاكمته فقد الرئيس على ما يبدو صوابه، ولم يعد حتى المتابع لهذه الدراما الإمساك بالكم الهائل من التسريبات والمعلومات عن غضب الرئيس وصياحه وهيجانه في معاملته لمساعديه، وما تكشفه الصحافة “المزيفة” يوميا من  معلومات عن طريقة إجرائه المحادثات مع المسؤولين الأجانب وكيف أنه يتجاهل نصائح مساعديه ثم يطلب منهم كالعادة تنظيف الفوضى التي خلقها، ولكن ليس في مسألة المكالمة الأوكرانية في 25 تموز (يوليو) التي طلب على ما يبدو من الرئيس الأوكراني التحقيق بنشاطات المرشح الديمقراطي جوزيف وابنه هانتر بأوكرانيا أثناء فترة باراك أوباما. ورغم تشكيكه برواية المبلغ الذي استمع للمكالمة إلا أن المفتش العام للاستخبارات أكد في بيان صحة البلاغ الذي قدمه المخبر. ثم قرر ترامب استخدام طريقته المعروفة وهي تقويض أعدائه الديمقراطيين، وبالتحديد أدم شيف، الذي يقود التحقيق في محاكمة الرئيس باعتباره رئيسا للجنة العلاقات الخارجية في مجلس النواب، حيث طالب بالقبض عليه ومحاكمته بالخيانة. وهاجم الديمقراطيين “الذين لا يفعلون شيئا” والصحافة “المعتوهة” وما يدبر له من “انقلاب” بل والتحقيق نفسه الذي وصفه بـ”الهراء”.

حرب تويتر

ولم يتوقف ترامب الطامح والخائف في الوقت نفسه من بايدن الذي يريد تدميره عن الكتابة على تويتر والتصريحات العامة التي قدم فيها نفسه كضحية ملاحقة يقوم بها الديمقراطيون، وجند عددا ممن تبقى لديه من المسؤولين السابقين مثل نيكي هيلي، السفيرة السابقة للأمم المتحدة التي أثنت على الرئيس وقالت إنه ملاحق منذ عامين ونصف. ففي هذه الفترة القصيرة كتب وتحدث آلاف الكلمات التي تساءل فيها عن محاكمة رئيس “صنع أعظم اقتصاد في تاريخ البلد وأعاد بناء الجيش بالكامل وجعله الأعظم وخفض الضرائب وأصدر تنظيمات ضريبية جديدة” كما جاء في تغريدة الأسبوع الماضي، وفي أخرى اتهم الديمقراطيين بتوريط محاميه جولياني وحمل المخبر الملامة والأخبار المزيفة التي قادت إلى محاكمته. وأكد ترامب مرة بعد الأخرى أن لا خطأ في المكالمة مع الرئيس الأوكراني فولديمير زيلينسكي. ولكنه يوم الخميس لم يجادل في الاتهامات عندما دعا أوكرانيا بل والصين التحقيق في المليارات التي حصل عليها هانتر بايدن منها. كل هذا بعدما هدد بتصعيد الحرب التجارية مع بيجين، بل وقال إنه سيطرح الموضوع في لقائه مع الرئيس الصيني شي جين بينغ. وكلما تحدث ترامب كلما جعل من مهمة أنصاره الدفاع عنه كما كتب فيليب كلاين في المجلة المحافظة “واشنطن إكسامينر”. وكانت تصريحات ترامب تشبه سيناريو خرج فيه ريتشارد نيكسون عام 1972 وقال أنا من طلب اختراق ووتر غيت وبيل كلينتون في التسعينات وقال نعم لقد مارست الجنس مع مونيكا لوينسكي.

رئيس عصابي

 وكما تقول سوزان غليسر في “نيويوركر” (3/10/2019) فالرئيس الذي يواجه مجلس نواب يسيطر عليه الديمقراطيون متأكد من عدم جرأة الجمهوريين في مجلس الشيوخ على مواجهته لو تمت إدانته. وترى الكاتبة أن تصريحات الرئيس الغاضبة سابقة على فضيحة أوكرانيا التي لم تحظ إلا في الصفحات الداخلية بصحيفة “نيويورك تايمز” التي كشفت عنها، فهناك سلسلة من التصرفات تقترح أنه رئيس يقف على حافة الانهيار، مثل إلغائه زيارة للدانمارك عندما سخرت رئيسة وزرائها من عرضه لجزر غرين لاند ثم طلاقه لمستشاره جون بولتون وإلغائه لقاء مع قادة طالبان في كامب ديفيد. لكن ترامب بعد الفضيحة زاد من حجم الشجب والهذيان، ففي آب (أغسطس) هذا العام نشر مئات من التغريدات أكثر من العام الماضي، أي690 تغريدة ولكن العدد زاد في أيلول (سبتمبر) إلى801 تغريدة. وتعكس الزيادة في التغريدات حالة من الإحباط لدى الرئيس الذي قضى نصف شهر أيلول (سبتمبر) وهو يخاطب أنصاره ويتحدث لهم عن إنجازاته، ثم جاءت فضيحة أوكرانيا. وعندما نقرأ التغريدات الأخيرة نرى اكتشاف الرئيس حقيقة مهمة وهي أن كل ما يقوم به ليس ناجحا. فمن الثقة بالمكالمة مع الرئيس الأوكراني إلى ذم الذات بعد نشره ملخصا لما ورد فيها لينفجر الوضع بعد ذلك إلى وصفه الملاحقة “أعظم عملية احتيال في تاريخ السياسة” حيث أعاد نشر تغريدة كتبها ابنه. وطوال الفترة كان مزاج ترامب متقلبا، ففي مرة يحاول تقوية قاعدة أنصاره للخروج من المأزق، وفي أخرى يعود للهجوم. وفي ظل هذا حرمه الرئيس الإيراني الذي انتظر مكالمته من انتصار كان سيغطي على المكالمة الأوكرانية. وتقول غليسر إن تصريحات ترامب كلها مهووسة على ما يبدو بالفضيحة وعدم قدرته الخروج منها. فهو على خلاف الرؤساء السابقين الذين رفضوا مناقشة مأزقهم ظل يتحدث عن ورطته، ولم يعد قادرا على التحكم بمواقف الرأي العام، وهذا سابق على الفضيحة الجديدة وله علاقة بموقفه من تحقيق مولر الذي ظل يلاحقه ويحاول التقليل من شأنه وعندما صدر أعلن “النصر” ولكنه لم يقف عند هذا بل وطلب من وزير عدله ويليام بار القيام بحملة دولية للتحقيق في جذور اتهامات التدخل الروسي من بريطانيا إلى إيطاليا واستراليا.

تراجع شعبيته

ومع أن التحقيق الحالي يركز على أوكرانيا، إلا أن شيئا واحدا ظهر وهو أن الرئيس لم يعد منضبطا أبدا، فهو في ورطة وكما رصد المعلق ديفيد ليونهارت في “نيويورك تايمز” (4/10/2019) الذي قال إن الرئيس يواجه أزمة سياسية لم يرها من قبل، ولا يوجد ما يضمن أنها ستنتهي نهاية سعيدة له، والسبب كما يقول إن محاكمة الرئيس هي معركة على الرأي العام، ولهذا السبب استقال نيكسون ونجا كلينتون، وفي الوقت الحالي يخسر ترامب المعركة على الرأي العام. فمع أن صدور تقرير مولر في الربيع وشهادته أمام الكونغرس هذا الصيف لم تغير من مواقف الرأي العام من محاكمة الرئيس إلا أن فضيحة أوكرانيا تركت أثرها الواضح، فبحسب استطلاع نشرته صحيفة “يواس توداي” يوم الخميس وجد أن نسبة 45 في المئة من الأمريكيين تدعم المحاكمة. وبنفس المثابة فالدعم الرئيس تراجع من 43 في المئة إلى 41 في المئة. وعلى مستوى الولايات خاصة التي فاز فيها عام 2016 مثل إيوا ويسنكسون وأوهايو وميتشغان فنسبة الدعم له فيها سلبية، ويواجه معضلة في فلوريدا وجورجيا. ولكن الفضيحة الأوكرانية طويلة وتعتمد على الطريقة التي يدير فيها الديمقراطيون التحقيق، وفي الوقت الحالي ينجحون ويخسر ترامب. ويعلق روجر كوهين في “نيويورك تايمز” (4/10/2019) أن فضيحة أوكرانيا والتحقيق فيها كشفت عن رئيس غير مستقر ترنح تحت الضغط وخرج كالمجنون منتحرا أو محاولا النجاة، فهو كما يقول كوهين، روبرت دي نيرو في فيلم “سائق التاكسي” حاملا مسدسه يلوح به أمام المرأة ويحادث نفسه “هل تتحدث معي؟”. ومشكلة الرئيس ترامب أنه لا يريد مثل نيكسون محو سبابه من نصوص ووتر غيت، بل على خلاف ذلك يريد ألا يظهر بمظهر الضعيف، وهو ليس مستعدا لمواجهة مصير جورج بوش الأب وجيمي كارتر، الحكم لمرة واحدة. ولأنه مهووس بالفوز مرة ثانية فقد حول البيت الأبيض إلى الطابق 26 من برج ترامب أثناء الحملة الانتخابية عام 2016 ولا توجد هناك غرفة حرب أو خلية اتصالات ويخرج ترامب ويفتح فمه مثل “رئيس مافيا”. ويقول كوهين إن الفضيحة الأوكرانية ليست مثل تحقيق مولر بل هي محاولة رئيس دفع دولة أجنبية البحث عن “وساخة” لتدمير منافسه السياسي. ولكن ترامب يحاول الخروج من المأزق بزيادة الضغط وتمرير رسالته عبر الإعلام مع أنه لم يقرأ ما كتبه منظر الإعلام ماكولوهان “الإعلام هو الرسالة”. وربما كان ترامب يعرف أن توجيه الضربة وانتظار النتائج هي لعبته ولكن نانسي بيلوسي، رئيسة مجلس النواب تعرف أنه كلما شعر بضغط التحقيق زاد جنونه، وعندها سترى النساء اللاتي خرجن للتصويت له عام 2016 أن لا داعي لدعم رجل مجنون، فهو لا يناسبهم.

مسألة شخصية

وفي الوقت الحالي قد يخرج ترامب من دماره الذاتي متسلحا برجاله الجمهوريين في الكونغرس الذين يخافون من توجيه الاتهام له، ولكن هذا سيضمن له هذا الفوز؟ يظل الأمر في دائرة الحدس، خاصة أن التفاصيل التي تكشف في الإعلام والشهادات أمام الكونغرس، وكان آخرها ما قدمه المبعوث الأمريكي الخاص لأوكرانيا كيرت فولكر والتي كشفت عن خطة واضحة من البيت الأبيض للضغط على الرئيس الأوكراني التحقيق في بايدن وابنه، وربط ترامب إعلان زيلينسكي عن التحقيق بالمساعدات العسكرية ولقائه معه. وقال فولكر إن الرئيس الأوكراني عرض إصدار بيان عام عن مكافحة الفساد، رفضه روديو جولياني، محامي الرئيس وأصر على أن يتضمن البيان مزاعم التدخل الأوكراني في انتخابات عام 2016 وشركة الغاز التي عينت ابن بايدن، هانتر. وهذا دليل واضح حسب “واشنطن بوست” (4/10/2019) على ربط ترامب “الخدمة” التي يريدها من الرئيس بالدعوة إلى البيت الأبيض وصفقة السلاح التي أقرها الكونغرس. وتعتقد الصحيفة أن استخدام ترامب منصبه على شكل وعد بلقاء في البيت الأبيض لحث زعيم دولة أجنبية على التحقيق في منافس محتمل له في انتخابات عام 2020 يعتبر فسادا واضحا. وفي هذا السياق تبدو قصة أوكرانيا غريبة إن أخذنا بعين الاعتبار جهل ترامب بالجغرافيا وبموقع البلد على الخريطة. ولكنها كما يقول ديفيدة إغناطيوس في واشنطن بوست (4/10/2019) تعتبر قصة انتقام شخصي وانتهازية سياسية، فلم يلعب ترامب دوره المطلوب منه كرئيس يواصل سياسة بلاده في الدفاع عن ذلك البلد ضد روسيا بل رأى فيه قضية شخصية تتعلق بحملته الانتخابية للرئاسة وأنها مصدر الرسائل المسربة التي كشفت عن تعاملات مدير حملته بول مانافورت الذي سجن لتعاملات مالية غير شرعية. ومن هنا فأوكرانيا “هي علامة على كتف ترامب” وعندما وجد الفرصة لقلب الأوراق واستخدامها ضد نائب الرئيس السابق والمرشح المحتمل لانتخابات عام 2020 قام بانتهاز الفرصة، وكما تكشف الأدلة فقد قام باستخدام قواعد الرئاسة لخدمة مصالحه الشخصية. ويقول إغناطيوس إن قصة أوكرانيا مثل أي شيء عن ذلك البلد متجذرة في الماضي والغموض، لكن الحالة الأخيرة ليست معقدة، فالحقائق وما قاله اللاعبون فيها وما فعلوه في تقارير مؤكدة واضحة. وكذا ربط الرئيس “خدمة” تساعده على ضرب معارضين سياسيين له، وإذا كان هذا السلوك مقبولا فعندها لم تبق قواعد أو قوانين في البلد، أمريكا.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية