بغداد ـ «القدس العربي»: «حرق زوجته قبل أن يُلقي جثّتها في النهر»… هكذا وثّق ضباط التحقيق في محافظة بابل (نحو 113 كم جنوب العاصمة بغداد) اعتراف المواطن علي كاظم عبد حميدان، وعرضوها في مقطع فيديو كأحد المنجزات الأمنية في الكشف عن ملابسات «جريمة قتل» وقعت قبل عدّة أشهر، قبل أن تتضح الحقيقة بعودة زوجة علي، إلى المنزل وهي على قيد الحياة، لتُكشف ملابسات القضية والاعترافات «المُنتزعة بالقوّة».
وظهر علي، وهو جنّدي في الجيش العراقي، يمارس عمله في مدينة القائم الحدودية، غربي العراق، في مقطع فيديو مصوّر، ماثلاً أمام المحققين وهو يسرد قصّة اعترافه بقتل زوجته حرقاً، قبل أن يُلقي بجثّتها في أحد أنهر محافظة بابل (محلّ إقامته) بسبب خلافات عائلية، كما أدعى.
لكن المفاجأة جاءت بعودة «الضحية المُفترضة» إلى المنزل، وهي على قيد الحياة، والتي أعادت معها القضية المُغلقة منذ أشهر إلى الواجهة، لتثير الرأي العام.
أحد ذوي المتهم المُفرج عنه، أكد أن، سيارات حكومية وصلت إلى منزله وأقلّت المتهم بصحبة والده، فيما يبدو أنها محاولة للبحث عن مخرج للحرج الذي وقعت فيه الأجهزة الأمنية والجهات الإعلامية التي روّجت لإنجاز لم يحصل، بعد افتضاح القضية.
وأضاف: «علي، يعمل جندياً في الجيش العراقي، ويؤدي خدمته في مدينة الرمادي، واختفت زوجته في 12 نيسان /أبريل الماضي، قبل أن يتم اعتقال علي بعد نحو شهرين على اختفاء زوجته» حسب موقع «ناس».
وتابع: «تم العثور على زوجته منذ 3 أيام، وقامت السلطات بإحضارها ثم مواجهتها مع علي بغية تأكيد التعرّف عليها، ثم أُعيدت القضية إلى المحكمة، واكتملت الإجراءات في غضون 3 أيام ليتم الإفراج عن المتهم».
وعن إخبار علي ذويه، عن تعرضه للتعذيب خلال فترة احتجازه، قال المتحدث: «بالتأكيد. أخبرنا أنهم حاولوا تعليقه فلم يستطيعوا، فقرروا ضربه بالهروات وركله ولكمه لساعات متواصلة، وضربه على أقدامه (فلقة) لفترات طويلة ثم استخدام الكهرباء بشكل مكثف، ومازال أحد أصابعه مليئاً بالخِراج نظراً لما واجهه من تعذيب».
وزاد: «عند حلول موعد المحاكمة، قال علي للقضاة أنه تعرض للتعذيب، وطلب إجراء كشف طبي، لكن عناصر مكتب مكافحة إجرام السدّة، أخروا طلب الكشف الطبي لمدة 35 يوماً ريثما تزول آثار التعذيب، ثم عرضوا المتهم على اللجنة التي لم تجد سوى بقايا بسيطة للتعذيب، وبالتالي أصدرت تقريرها الذي نفى تعرضه للتعذيب».
ونقل المتحدث عن الشاب علي، قوله: «في إحدى الليالي، بدأت جلسة التعذيب منذ الساعة الثامنة مساءً، ومع اقتراب الساعة الثانية بعد منتصف الليل، تعرضتُ للإغماء، فقام عناصر مكافحة الإجرام بإيقاظه عن طريق رش الماء، ثم واصلوا التعذيب، الأمر الذي دفعه في النهاية إلى إخبارهم أنه سيوقع على أي طلب يريدونه، بما في ذلك الاعتراف بتنفيذ الجريمة وبأي صيغة يطلبونها».
وختم: «حاول علي إقناع الجميع ببراءته، حتى أنه تحدث إلى الإعلامي الذي جاء لتصوير حلقة الاعتراف، لكن الإعلامي زجره بكلمات مسيئة».
ردود فعل
وأثرت الحادثة موجة من ردود الفعل على المستويات الحكومية والسياسية والشعبية. ووجه رئيس الوزراء، مصطفى الكاظمي، بفتح تحقيق بشأن قضية شخص أدين بجريمة لم يرتكبها في محافظة بابل.
وقال مكتب الكاظمي في بيان، إن «رئيس مجلس الوزراء، القائد العام للقوات المسلحة وجه، (أول أمس) بفتح تحقيق فوري فيما نسب من توجيه السلطات المعنية الاتهام الجنائي، لأحد المواطنين في محافظة بابل، بجريمة لم يتضح ارتكابها أو وقوعها».
ووجّه الكاظمي، حسب البيان بـ«إيقاف المسؤول المعني بمكافحة الإجرام في المنطقة محل الاعتقال، وإحالة جميع المسؤولين إلى التحقيق قدر تعلق الأمر بمسؤولياتهم الوظيفية المتصلة بتوجيه الاتهام للمواطن موضوع الاتهام غير المستند إلى دليل» مؤكداً على «ضرورة الالتزام بمبادئ حقوق الإنسان في جميع الإجراءات الحكومية».
كشف الملابسات
وأمر بـ«سرعة إجراء التحقيق وكشف الملابسات، وتحميل المشتركين المقصرين المسؤولية القانونية والجنائية عن أي ظلم أو حيف يطال مواطناً عراقياً، مهما بلغت رتب المقصرين ومناصبهم» مشدداً على «إعادة حقوق الضحية جميعها، وتعويضه عما واجهه من تجاوزات وانتهاكات أثناء التحقيق».
كذلك، أعلنت قيادة شرطة محافظة بابل، اتخاذها إجراءات بحق الضابط الذي حقق مع الرجل المتهم بقتل زوجته.
وقالت القيادة في بيان، إنها «اتخذت إجراءات بحق الضابط الذي قام بالتحقيق مع الرجل المتهم بقتل زوجته ورميها في النهر، ومن ثم العثور عليها وهي على قيد الحياة».
وبينت، أن «الإجراءات التي اتخذت بحق الضابط جاءت بتدخل القضاء لمعرفة حقيقة القضية، وما إذا كان هناك تعذيب أثناء التحقيق».
أشارت إلى أن «هناك مشاكل عائلية بين الزوجين التي قد تكون دفعت المرأة للهرب أو ما شابه».
وأضافت القيادة، أن «القضية أثارت استغرابنا بعد اعتراف المتهم بقتل زوجته ومن ثم العثور عليها حية، بعد إبلاغ المتهم ضابط التحقيق بأنه قتل زوجته».
فيما شكّل محافظ بابل، حسن منديل، لجنة للتحقيق في قضية الرجل المتهم بقتل زوجته.
وقال منديل في بيان، إنه «بعد اطلاعنا على موضوع الرجل المتهم بقتل زوجته، وظهورها على قيد الحياة بعد فترة، ومن أجل إيضاح الحقائق لاهالي بابل، وكشف الملابسات التي رافقت الموضوع، قررنا ووفق الصلاحيات الممنوحة لنا تشكيل مجلس تحقيقي يضم مستشار المحافظ الأمني وممثل عن قيادة شرطة بابل، وممثل عن قانونية المحافظة».
وأضاف، أن «النتائج ستعلن فور انتهاء التحقيقات».
وعلى إثر ذلك، أعلنت محكمة تحقيق الحلة في بابل، اتخاذ الإجراءات القانونية بحق ضابط التحقيق مع شخص أدين بجريمة لم يرتكبها.
وقالت المحكمة، في بيان، إنها اتخذت «الإجراءات القانونية بحق ضابط التحقيق الذي اجرى التحقيق مع المتهم المفرج عنه علي كاظم عبد حميدان، المتهم بقتل زوجته التي ثبت بأنها على قيد الحياة».
وأضافت أن «الإجراءات القانونية اتخذت بناءً على طلب الادعاء العام والتحقيق جارٍ بخصوص جريمة تضليل القضاء وممارسة وسائل غير مشروعة قانونا في التحقيق».
معاقبة المتورطين
سياسياً، انتقد زعيم كتلة «النهج الوطني» التابعة لحزب «الفضيلة الإسلامي» عمار طعمة، جرائم التعذيب التي تطال الموقوفين بمراكز التحقيق التابعة لوزارة الداخلية العراقية.
وقال في بيان صحافي إنه «يتزايد وقوع جرائم التعذيب في مراكز التحقيق التابعة لوزارة الداخلية إلى الحد الذي يجعل السكوت عليه والتردد في معاقبة المتورطين فيه يقع ضمن دائرة الاشتراك في الظلم الشديد والتخاذل وخيانة الأمانة، ويشجع على التمادي في هذه الظاهرة الإجرامية التي تشكل معلما واضحًا للأنظمة المستبدة الظالمة، ولعل الحادثة الاخيرة في محافظة بابل باتهام رجل بقتل زوجته وحرقها وانكشاف كذب تلك الواقعة باعتراف الحكومة ودوائرها المختصة في وزارة الداخلية، يؤشر على تردي خطير في ممارسات انتهاك حقوق الإنسان من قبل مديريات التحقيق الحكومية».
وأضاف: «تزداد قباحة هذه الجرائم حينما تبرر من كبار مسؤولي الدولة بانها تقع ضمن واجبات الجهات التحقيقية، بل ويتم التغاضي عن حقائق واضحة وحوادث ثابتة في ممارسة التعذيب الوحشي وبأشكال بشعة تتنوع تبعًا لدناءة نفوس فاعليها وموت ضمائرها المدمنة على التشفي بالتعذيب والتلذذ الشاذ بإيلام الناس».
التصدي للظاهرة الخطيرة
وطالب طعمة، القائد العام للقوات المسلحة بـ«التصدي الحازم لهذه الظاهرة الخطيرة وإيقاع أشد العقوبات بهؤلاء المجرمين ليرتدع غيرهم عن ممارسة هذه الأفعال القبيحة، وأن يباشر بتشكيل لجان مهنية للكشف عن جميع مواقف التحقيق في وزارة الداخلية لينقذ من وقع تحت ظلم وإجرام ذوي النفوس الشريرة المدمنة على انتهاك حرمات وحقوق المواطنين، علما أن الدستور العراقي يحظر هذه الأفعال وقانون العقوبات العراقي يدينها ويفرض عقوبات على مرتكبيها». وشدد على أهمية أن «يتابع الادعاء العام واللجان المختصة بحقوق الإنسان ميدانيا ويرصد هذه الجرائم لكي يُقدم مرتكبوها للمساءلة العادلة».
وختم قائلاً: «ليتذكر الجميع ان الأساليب المعتمدة للظلم تستبطن زوال الدول وتحمل بذور نهايات الأنظمة السياسية الراعية لها أو المقصرة في مكافحتها، ومن الواضح ان اعتماد التعذيب كوسيلة معتادة في التحقيق مع المتهمين دليل واضح على تخلف فاعليها وفشلهم وفقدانهم مؤهلات العمل التحقيقي التي يفترض أن تعتمد على خبرة وكفاءة وفطنة منضبطة بأحكام القانون والعدالة ورعاية حقوق الإنسان».