فضيحة حقوقية: استخدام تمويلات أوروبية في نفي آلاف المهاجرين الأفارقة

عبد الله مولود
حجم الخط
11

منذ عام 2015 تلقى المغرب وتونس وموريتانيا تمويلا قدره 400 مليون يورو لإدارة الحدود عبر صندوق الائتمان الطارئ التابع للاتحاد الأوروبي.

نواكشوط ـ «القدس العربي»: لم تجد المفوضية الأوروبية بُدًا من الاعتراف ضمنيا بمعلومات كشفت عنها مؤخرا تحقيقات استقصائية صحافية تحدثت بالأدلة، عن استخدام ماس بحقوق الإنسان لتمويلات أوروبية مقدمة لعدة حكومات أفريقية بينها موريتانيا والمغرب وتونس، في عمليات صد ونفي مئات المهاجرين الأفارقة إلى فيافي غير مأهولة حتى لا تطأ أقدامهم الأراضي الأوروبية. ووصفت التحقيقات المذكورة الممارسات التي تقوم بها حكومات أفريقية يعبرها المهاجرون نحو أوروبا، بتمويل من الاتحاد الأوروبي بأنها «ممارسات مضادة للقانون الدولي».

وفي مواجهة الاتهامات التي وجهت إلى الاتحاد الأوروبي بالمشاركة في حالات مس سافر بحقوق الإنسان، اكتفت آنا بيزرينو إحدى الناطقات باسم المفوضية الأوروبية، بقولها «أحيانا تكون الأوضاع صعبة للغاية، في بعض البلدان الأفريقية التي تربطنا بها شراكات؛ لكن الدول المشار لها تظل دولا ذات سيادة وهي التي تتولى بنفسها تسيير قواتها الأمنية».
وجاء تفجير هذه الفضيحة الحقوقية التي هزت سمعة الاتحاد الأوروبي إثر نشر تحقيق استقصائي من طرف هيئات صحافية دولية بينها «لوموند» و«واشنطن بوست» تضمن تأكيدا على «أن الاتحاد الأوروبي يدعم ويمول ويشارك بصورة مباشرة في عمليات سرية منفذة في عدد من دول شمال أفريقيا، لنفي الأشخاص السود إلى فيافي غير مأهولة أو إلى مناطق نائية بهدف صدهم عن الوصول إلى أراضي أوروبا».
وأكد التحقيق «أنه تم اعتقال وتجميع لاجئين ومهاجرين سريين في موريتانيا والمغرب وتونس، ونقلهم في باصات إلى أماكن قاحلة لا ماء فيها ولا غذاء؛ بل إن عددا من هؤلاء قد يرحلون إلى مناطق حدودية حيث يجري بيعهم لمتعاطين تجارة البشر؛ حيث يقوم مشتروهم بتعذيبهم وابتزازهم وإبرام صفقات معهم لإخلاء سبيلهم مقابل فدى مالية».
ففي صيف 2023 قام المحققون الاستقصائيون بنقل روايات عدة عن اللاجئين تحدثوا فيها عن اعتقالات في شوارع صفاقس، في وسط شرق تونس، وعن عمليات طرد في الصحراء، على الحدود بين تونس وكل من الجزائر وليبيا؛ وهي ممارسات لم تتوقف أبداً منذ ذلك الحين بل ازدادت حتى في الأيام الأخيرة.
وفي نهاية عام 2023 أكد موقع «Info Migrants» المتخصص في أخبار المشردين «أن قوات تونسية كانت تسلم بطريقة سرية، أعدادا من اللاجئين إلى السلطات الحدودية الليبية، حيث يجري نقلهم إلى سجون داخل ليبيا.
يقول اللاجئ الغيني موسى «توقفت بنا سيارة الأمن التونسي على كثيب رملي يقع على حدود تونس مع ليبيا؛ وصعد التونسيون على الجبل للإعلان عن وجودهم؛ بعد خمس دقائق، سمعنا تزمير سيارات قادمة من الجهة الليبية المقابلة؛ ثم صوب الجنود التونسيون بنادق الكلاشينكوف نحونا وقالوا: هيا، هيا، روحوا، مشيرين إلى ليبيا» مضيفا قوله «كان الجميع يرتعد من الخوف».
وعلى الجانب الآخر من الحدود، كانت الميليشيات الليبية في انتظارهم لقيادتهم إلى مراكز الاحتجاز.
وفي المغرب أيضاً، أدلى لاجئون أفارقة بشهادات مماثلة، حيث قدم لاجئ غيني آخر في شباط/فبراير الماضي تفاصيل مروعة عن عمليات الطرد المتكرر للاجئين نحو الصحراء، بورززات (جنوب المغرب) وبني ملال (وسط المغرب).
ووفقًا لتحقيق نشرته منصة Lighthouse Reports الإخبارية يوم الثلاثاء الماضي، فإن «نظام الترحيل الجماعي للاجئين الأفارقة نحو مناطق غير آمنة، ينفذ بفضل الأموال والسيارات والمعدات والاستخبارات وقوات الأمن التي يقدمها الاتحاد الأوروبي والحكومات الأوروبية».
وذكرت صحيفة «لوموند» تطابق نوعية سيارات «نيسان بيك آب» التي تستخدمها الشرطة التونسية في عمليات اعتقال وطرد المهاجرين الأفارقة، مع الطرز التي سلمتها إيطاليا وألمانيا للحكومة التونسية بين عامي 2017 و2023».
وفي المغرب كذلك تتطابق سيارات تويوتا لاند كروزر، التي تستخدم في الاعتقالات والتي نُشرت صورها على وسائل التواصل الاجتماعي مع الطرز التي اشترتها إسبانيا في إطار اتفاق بين البلدين.
وفي موريتانيا أخيرًا، يمول الاتحاد الأوروبي إعادة بناء مركزين للاحتجاز. وهما نفس المركزين اللذين يتم فيهما حبس المهاجرين قبل إرسالهم إلى الصحراء، ويتم نقلهم في شاحنات من نوع «تويوتا هايلكس» مماثلة تمامًا لتلك التي سلمتها إسبانيا للحكومة الموريتانية في عام 2019 وفقًا لما جاء في التحقيق.
ويؤكد محررو التحقيق «أن هذه أمثلة من بين أخرى، توضح أن هذه العمليات التي تنفذها السلطات في تونس والمغرب وموريتانيا، والمتعارضة مع الاتفاقية الأوروبية لحقوق الإنسان، تحظى بدعم مالي من الاتحاد الأوروبي والدول ذات العضوية فيه».
فمنذ عام 2015 تلقى المغرب وتونس وموريتانيا تمويلا قدره 400 مليون يورو لإدارة الحدود عبر صندوق الائتمان الطارئ التابع للاتحاد الأوروبي، وفقا للمحققين؛ وتنضاف إلى هذا المبلغ مساعدات مالية أخرى منحتها دول أوروبية مباشرة لهذه الدول الأفريقية الثلاث.
ووفقًا لتحقيق منصة Lighthouse Reports فإن هيئات الاتحاد الأوروبي على علم تام بجانب كبير من هذه الاعتقالات التعسفية التي تتعارض مع القانون الدولي: ففي حالة المغرب، على سبيل المثال، أشارت المفوضية الأوروبية في عام 2019 إلى «حملة قمع واسعة» ضد المهاجرين من دول جنوب الصحراء وإلى عمليات طرد «غير قانونية» نحو مناطق نائية، وذلك في وثيقة حول تمويلات الاتحاد الأوروبي للمملكة المغربية؛ ومع ذلك، فلم توقف المفوضية الأوروبية شراكتها مع المغرب.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية