فضّ فوه!

حجم الخط
0

فضّ فوه!

د. محي الدين عميمورفضّ فوه! يوجد في أدبنا الشعبي تعبير يقول: ان عشت وعُمرك طوّل يجيك خبر ينسيك في الأول ، ولعل هذا ما عشناه في الأيام الماضية بعد خطاب الرئيس بوش عن الفاشية الاسلامية، حيث يخرج علينا البابا، فض فوه، بما يُذكرني بصديق خفيف الدم، كان يلجأ، عندما يقرر أن يوجه لنا السباب، الي أسلوب طريف يقول فيه: أنا انسان مؤدب وحسن الخلق ولولا ذلك لقلت لكم يلعن..كذا وكذا.. يا أولاد الكذا والكذا ، ولست أري شيئا آخر يُمكن أن أقارن به البابا بنيدكت، الذي يُنطق بالفرنسية بونوا، والذي كنت قلت عنه في هذا المنبر في ايار (مايو) الماضي واثر تنصيبه، وعلي أساس ما نشر عنه، أنه لن يكون صديقا للاسلام والمسلمين، وهو اليوم، بعد أن فعل فعلته، يتهم مليارا من البشر بأنهم أساءوا مقالته ولم يحاول، تواضعا أن يقتدي بالمسيح عليه السلام، وأن يطرح احتمال أن يكون هو قد أساء التعبير.ولقد دعوت لعمرو، وأجدد اليوم الدعاء بعد أن جاء أبو جهل.فقد كان يوحنا بولص الثاني جزءا من التاريخ العالمي حيث وضع بصماته علي عدة عقود من التاريخ ومساحات هائلة من أرض الله، بينما تمر السنون والأيام علي بعض مرجعياتنا الدينية وكأنها سحب صيف لا تمنح ظِلاًّ ولا تهب طَلاًّ، وابتلينا اليوم بسلسلة من العاهات الفقهية ومن كهنة السلطان الذين تسببوا في بعثرة المسلمين وتشتيت صفوفهم بين المذاهب والاتجاهات، فأوصلونا الي مرحلة غثاء السيل التي جعلت بابا روما الألماني يتطاول علينا بخفة من يدرك بأننا من فصيلة الخشب المسندة.وعندما اختير يوحنا بولص الثاني للكرسي البابوي لم يدرك كثيرون أنه سوف يلعب دورا سياسيا انقلابيا ضد الشيوعية، خصوصا اثر وفاة يوحنا بولص الأول (ألينو لوتشاني) بعد نحو شهر من وضعه للخاتم الذهبي في يده اليمني، حيث راج الادعاء بأنه قتل بالسم ليخلو الجو للبابا الراحل (واسمه الأصلي كارول فويتيرا).كان كارول هذا يرتبط بصداقة عمر مع بولوني يهودي يسمي جيرزي كليغور ، رافقه في أول زيارة له الي بلده الأصلي بولندا لكي يلتقي عامل ميناء مغمور اسمه ليش فاليزا ، تأكد فيما بعد أنه كان من رجال المخابرات المركزية الأمريكية، التي كانت تخطط للاجهاز علي الاتحاد السوفييتي الغارق في أوحال فيتنامه الأفغاني (علي حد تعبير الرئيس الجزائري الأسبق الشاذلي بن جديد لليونيد بريجنيف في بداية الثمانينيات في لقاء سعدت بحضوره).واستقر يوحنا بولص الثاني علي عرش البابوية نحو 26 سنة، قضي السنوات الأخيرة منها في كفاح رهيب ضد مجموعة من الأمراض القاسية من بينها الشلل الرعاش (باركينسونيزم) وآخرها مرض الجهاز التنفسي الذي أجبر الأطباء علي اجراء فتحة صناعية في قصبته الهوائية Tracheotomie ليستطيع التنفس، وتعرض لعملية اغتيال أطلق رصاصتها مسلم تركي، ويظن البعض أن وراء اليد عقلٌ كان يخطط لاستعداء الكاثوليك ضد المسلمين، ولتليين موقف الحبر الأعظم تجاه اليهود.وسجل للبابا الراحل موقف الرجولة الذي اتخذه من غزو العراق، بينما تواطأ آخرون، ويذكر له أيضا تعاطفه مع الشعب الفلسطيني في معاناته، بينما كان بعض أصحاب العمائم عندنا يسمون العمليات الاستشهادية عمليات انتحارية.ويسجل له أيضا قوله في المغرب ، الذي كان أول دولة اسلامية يزورها: اننا نؤمن بنفس الرب، الرب الذي خلق العالم ومخلوقاته علي أكمل وجه ، وكان هو أول بابا يصلي في المسجد الأموي في دمشق ويعتذر عن ذنوب المسيحية ضد الاسلام، بما فيها الحملات الصليبية والاستعمار، وانسجم موقفه مع المواقف الاسلامية في مؤتمر بكين.ويُضاف الي ذلك مواقفه من قضايا الشذوذ الجنسي، الذكري والأنثوي، وهو ما أثار عليه بعض من تعرفون في بلاد الفرنجة، وكذلك قضايا الاستنساخ والاجهاض، وان كان البعض تصور أن اصدار مجمع الكرادلة في عهده لوثيقة نوسترا ايتانا التي تبرئ اليهود من دم المسيح عليه السلام هي موقف ضد المسلمين، في حين أن اليهود أبرياء فعلا من دم المسيح، لأنه لم يُقتل ولم يُصلب بل رفعه الله اليه، وهنا يُسجل بأن البابا، وهو يزور اسرائيل، لم يخاطب رئيسها بعبارة: سيدي الرئيس بل اكتفي بأن ناداه بعبارة: عزيزي فلان تعبيرا عن عدم اعترافه به رئيسا.وخلال ولايته زار يوحنا الثاني بلدانا لم تعرف زيارات مماثلة منذ وجودها علي الخريطة، وقطع أكثر من ثمانمائة ألف كيلومتر عبر العالم، في الوقت الذي لم يحاول فيه المتحدثون باسم بعض مرجعياتنا الدينية، سنية وشيعية، زيارة بلدان افريقية مجاورة تعيش آلام الجوع ومأساة السيدا ومجاهل الوثنية، وبعض علمائنا لم يعرف الا بلدان البترودولار، ولم يتعطف أحد منهم بزيارة لبنان حتي بعد أن توقف القصف وتعطفت اسرائيل ومن وراءها فسمحت بالزيارات. ويرحل يوحنا بولص الثاني، وكانت التنبؤات الأولية هي أن الحبر الأعظم سيكون من أمريكا اللاتينية نظرا لأغلبية الكاثوليك فيها، وتصور آخرون بأن الاختيار قد يتجه الي اختيار الكاردينال فرانسيس آرنزي ، وهو نيجيري يتمتع بخبرة كبيرة في التعامل مع المسلمين، ولعله يكون بذلك أول بابا من غير أصحاب البشرة البيضاء.ويجري تحجيم الاتجاه المتفهم للمسلمين، كاتجاه الكاردينال مورفي أوكونور ، كبير أساقفة وستمنستر البريطاني، الذي روي عنه قوله بأن: الحوار مع الاسلام حاجة ملحة وبأن المسيحية والاسلام شريكان في مسؤولية الدفاع عن السلام العالمي ، ويتم اختيار الكاردينال الألماني جوزيف راتسنغر بسرعة ملحوظة، ولا يقتنع كثيرون بأنه سيسير علي سياسة الراحل، مستندين أولا الي اختيار الاسم البابوي نفسه، حيث أن بنوا الخامس عشر Benot XV – 1854-1922 عُرف بالاهتمام الذي أولاه لعمليات التبشير وارادته في توحيد الكنيسة.ويتذكر بعضنا نكتة مصرية طريفة ونحن نسمع بأن راتسينغر سيواصل سياسة يوحنا بولص الثاني تقول بأن السادات سار علي خط جمال عبد الناصر وفي يده ممحاة.وكان مما روي عن البابا الجديد اعتقاده بأن العلاقة بين الاسلام والكاثوليكية هي تنافس حول الحقيقة، لكنني قلت في ايار (مايو) الماضي بأن الأمر أكثر خطورة من ذلك، اذ أن التصريحات الأولي توحي بأنه علي خطي البابا أوربان الثاني Urbain -II الذي حرض أوروبا علي القيام بالحرب الصليبية الأولي 1096 ـ 1099 بقوله في مجلس كليرمونت: ان الله يريد ذلك ، وهو يري بأن أوروبا قارة مسيحية، ويرفض أن تبني فيها مساجد، ويرفض دخول تركيا الي المجموعة الأوروبية قائلا عنها بأنها: تنتمي لعالم آخر ، وهو تعبير استئصالي واضح، وكانت كلماته الأولي تنص علي أنه يوجه التحية للمؤمنين، وهم واضحون، ولغير المؤمنين Non-croyants كما ترجمتها الفيغارو عن اللاتينية (أي نحن، علي ما أتصور)، وبعد أن اعتبر اليهود اخوته وأشقاءه، وهو فرز صريح لا يحتمل تبريرا أو تفسيرا أو رسوما توضيحية. وهكذا يمكن أن نتصور بأنه تم اختيار مرجع ديني ينتمي لبلد عاني من عقدة اضطهاد اليهود، يمكن تعقيده أكثر باتهامه أنه كان يوما منتسبا للشبيبة الهتلرية.لكنني أتصور أن العقدة الرئيسية هي تلك المرتبطة بالاسلام حيث يكلف البابا بنفس الدور الذي قام به سلفه في تحقيق انهيار الكتلة الاشتراكية فان عليه أن يربط اسمه بالتكامل مع عملية تقليم مخالب الاسلام، الذي بدأ يعرف مدّاً ديموغرافيا في الغرب يُخشي أن يتطور ليصبح مدّاً سياسيا.وهنا يصبح من السهولة بمكان تفسير كل ما نعيشه من أحداث فلسطين الي وقائع العراق والعدوان علي لبنان. وهكذا يصبح الفرز اليوم واضحا بين المسيحية الغربية، التي كانت حربا علي الاسلام والمسلمين (ولقد اصطحب الجيش الفرنسي لغزو الجزائر في حزيران (يونيو) 1830مع جنرالاته نحو 14 قسيسا) وبين المسيحية الشرقية، التي كانت دائما قلعة للوطنية، حارب أبناؤها جنبا الي جنب مع المسلمين تحت راية صلاح الدين الأيوبي، كما وقف الأقباط مع المسلمين في ثورة 1919 المصرية، وعُرف عن الدوناتية في الجزائر قبل ذلك بقرونٍ، وقبل الغزو الفكري المرتبط بمن يُسمّي سانت أوغيستان، بعدُها الاجتماعي وارتباطها بالأرض وبالوطن.فهل تدرك المرجعيات الاسلامية خطورة التحدي وأبعاد الشنآن القادم، وتفهم أن الصراع قدر لا مفر منه، وهو يفرض أن تكون موازين القوي في صالحنا، وأهمها وحدة الصف الاسلامي الذي تنبثق قوة قيادته من ارادة جماهيره؟وهل تدرك القيادات الاسلامية أن تكامل التيار الديني مع التيار القومي هو المخرج الوحيد من أوحال العولمة المجنونة التي جعلتنا أصفارا علي الشمال؟ويبقي أن صلابة الموقف الاسلامي، وخصوصا في الوطن العربي، هي ضمان قوة الهجرة الاسلامية التي تشكل امتدادا ديموغرافيا في الغرب للوجود الاسلامي، من واجبنا أن نحافظ عليه، ونمده بكل المعطيات التي تجعل منه كيفا مؤثرا لا كما مهملا.وبداية، ليس مطلوبا أكثر من مجرد تقطيب الوجه أمام ممثلي البابا في كل مكان، ثم علي علمائنا خبراء التهدئة أن يلزموا الصمت.وزير سابق وكاتب من الجزائر8

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية