فضيلة الجلاد ورذيلة الضحية

حجم الخط
0

أخاء العراقي منذ الأيام الأولى التي أعقبت سقوط النظام السابق، وما تمخض عنها من أهوال سياسية، وترتب عليها من بلايا اجتماعية، وانبعث خلالها من كوارث حضارية، وصيغة عنوان هذا الموضوع تتقاذفها موجات مدّ الرغبة وجزر الرهبة، وتهيمن عليها نوازع الإقدام تارة ودوافع الإحجام تارة أخرى، خشية الاتهام بموالاة هذه الجهة على حساب معاداة تلك، وتلميع صورة هذا الطرف على حساب تشنيع سمعة ذاك، من حيث توقع كونها ستصدم الذهنية التقليدية لدى الخاصة، وتستفز السيكولوجيا الاجتماعية المجيشة لدى العامة، ولاسيما ان الأجواء كانت ملبدة بعوامل الهياج والاحتدام، والنفوس كانت مشحونة بمشاعر الغضب والانتقام من جهة، وان ترتيب المفاضلة بين خبث الجلاد وبراءة الضحية، كان قد استقر في أدبيات الفكر السياسي منذ فلاسفة الإغريق الأوائل (أفلاطون وأرسطو) ولحد الآن، لجهة ان جذر الشرّ كامن في ماهية الأول وأن مصدر الخير رابض في كينونة الثاني، وليس هناك مجال لاحتمال قلب أطراف المعادلة أو تغيير اتجاهات الأقطاب فيها من جهة أخرى. فالجلاد كان ولا زال على باطل دائما، مهما اجترح من مواقف وسياسات تحسب له، وان الضحية كانت وما برحت على حق بالمطلق مهما تمخضت عنها من تصرفات وسلوكيات تسجل ضدها. واليوم وبعد أن توضحت الصور وتجلت الحقائق وتبلورت المعالم وتمظهرت الملامح، بات من الضرورة بمكان وضع النقاط على الحروف وكشف الغطاء عن الممنوعات، لإعطاء كل ذي حق حقه، لا وفقا للرغبات والمزاجيات، إنما بناء على الأدوار التي قام بها والوظائف مارسها كل من موقع مسؤوليته وعرين سلطته. لا ريب في أن المسألة المطروحة هنا تبدو حمالة أوجه بامتياز، من حيث كونها تحيل إلى الجوانب الأخلاقية والاعتبارية، التي تحدد طبيعة العــــلاقة بين الناس بصفتهم عناصر اجتماعية، تتمتع بخيارات مصلحية / ذاتية، وتخـــضع لاشتراطات تاريخية / موضوعية، وبالتالي فان المعايير التي تحكــــمها والمقاييس التي تؤطرها، هي من النمط الذي يتسم بالمرونة المعــــيارية والنسبية التاريخية. بمعنى أنها لا تعمل بمعزل عن ظروف البيئة التي أنتجـــــتها وغذتها من جهة، ولا تمارس فاعليتها خلافا ‘لإرادة متــــعاطيها وخياراتهم من جهة أخرى، فهي تتلون بألوان الواقع وتتشكل بإرهاصات المجتمع. وتمشيا مع ذلك، فهل يمكن في منظور العرف العام توقع أن يبدي الجلاد (فضيلة) ما حيال ضحيته، أو قد تند عن الضحية (رذيلة) معينة؟

بمعنى مغاير هل يجوز تصور أن ترشح عن الضحية رذيلة بالمعنى الإنساني، بحيث تستحق ما آلت إليه على يد جلادها من قمع أو ردع؟ في الواقع إن تناول المسألة من منظور الوعي الأخلاقي المجرد، قمين بخلق إشكاليات عديدة ومعقدة ليس هنا مجال طرحها ومناقشتها، بيد أن مقاربتها من وجهة نظر الواقع المجسّد، مرجح لها أن تتيح للباحث المعني مسالك عديدة وسبلا متنوعة، تمكنه من صياغة بعض الآراء واستخلاص بعض الطروحات، التي من خلالها يلج حقل الموضوع ويجوس في أبعاده، ومن ثم يدلو بدلوه فيها وحولها، من دون أن يخشى الوقوع في مطب التحيز ومنزلق التذويت، اللذين كانا – في غالب الأحيان – المآل الذي تنتهي عنده وتتخندق فيه مثل هذه المواضيع الحساسة. والحال إذا كانت القضايا التي من هذا القبيل، تتسم بخواص التباين في التصنيف المعياري والاختلاف في التوصيف القيمي، استنادا إلى طبيعة البنية الاجتماعية التي تتشكل في رحمها، ونموذج الكيان الحضاري الذي تتبلور في سياقه، ونمط النظام الثقافي الذي تنطبع بسماته، ودرجة نضوج الوعي الفردي الذي تدرك من خلاله. فما هي، إذن، يا ترى المعطيات أو الوقائع التي من شأنها تسويغ مثل هذه المجانسة في ما بين الأضداد، وتبيح التضايف في ما بين المتعارضات، سواء أكان على صعيد الأسماء أو الصفات، بحيث نسبغ على (الجلاد) قيما ايجابية تقلب تواضعاتنا القديمة عن وحشية سلوكه وكلبية قيمه رأسا على عقب من جهة، ونضفي من جهة أخرى، على (الضحية) قيما سلبية تلزمنا بالتخلي عن قناعاتنا التقليدية السابقة بخصوص مظلوميته وقلة حيلته. فبحسب التصورات الشائعة والمألوفة عادة ما تقترن صفات مثل (الطاغية) أو (المستبد) أو (الدكتاتور) أو (الجلاد) بمن هو صاحب الأمر، سواء أكان ربّ أسرة أو مدير مؤسسة – أو الحائز على السلطان ـ سواء أكان شيخ قبيلة أو زعيم دولة، مثلما إن صفات مثل (الشعب) أو (الرعية) أو (الجماهير) أو (الضحية) تشير إلى من يقع عليه فعل الأمر- سواء أكان فردا أو جماعة، أو يتعرض لتأثير السلطان، سواء أكان بمدلوله الواقعي أو الرمزي – وهو الأمر الذي تترتب عليه مجموعة من الالتزامات والمسؤوليات بالنسبة للأول، والحقوق والواجبات بالنسبة للثاني، بحيث إن أخلّ أي منهما بما هو مكلف به وقائم عليه، تعرضت المصالح التي تؤطر مواقفهما إلى الخلل، وأصيبت العلاقات التي تؤشر الى تواصلهما إلى الزلل، ومن ثم تحصل القطيعة التي ينتفي من خلالها هامش التفاهم بين الجانبين، ويقع المحظور الذي ينفرط بموجبه عقد التوافق بين الطرفين. والحال هل ثمة شيء من المعقولية حيال زعمنا الرامي إلى إن لرئيس النظام السابق (صدام حسين) بعضا من (الفضائل)، التي يمكن ان تنسب إليه وتحتسب له، بعد كل تلك النعوت السلبية التي أطلقت ضده والأوصاف المحقرة التي أسبغت عليه؟ وهل ثمة شيء من الإنصاف إزاء ادعائنا المتضمن ان لجميع قوى المعارضة بكل أطيافها وتلاوينها، التي تزعمت النظام السياسي الجديد، نوعا من (الرذائل) التي يمكن أن تساق ضدها وتجيّر باسمها، بعد كل تلك الضروب من المعاناة الإنسانية والمظلومية التاريخية؟ الواقع إن ظاهرة إطلاق النعوت على زيد من الناس، سواء أكان زعيم دولة أو رئيس حكومة أو قائد حزب، لا تبرر بالمطلق تقييمه على أساس ما تحمل تلك النعوت من دلالات سلبية أو ايجابية. مثلما إن الأوصاف التي تشاع عن عمر من الناس، سواء أكانت قوى معارضة أو تيارات مناهضة أو أطرافا مناوئة، لا تسوغ بالمرة التعاطي معها من خلال ما تشي به تلك الأوصاف من وقائع حقيقية أم كاذبة، أو تفصح عنه من مواقف مشروعة أم باطلة. إنما المعيار في ذلك هو جملة الأحداث الفعلية والمعطيات الواقعية، التي تتصل بالقضايا السياسية والأوضاع الاجتماعية والأمور الاقتصادية والمسائل الثقافية، لاسيما ان كل الأنشطة والفعاليات التي تتمخض عن فعل الإنسان في التاريخ وانخراطه في المجتمع، ممهورة بطابع النسبية التاريخية وموشومة بختم الأواليات الجدلية. وبالتالي فان ما يقع في خانة الأشرار لدى هذه الجماعة، قد يكون ضمن خانة الأخيار لدى جماعة أخرى مغايرة وبالعكس، لا بل يمكن أن تكون ذات الجماعة الواحدة قد غيرت نظرتها وبدلت موقفها من النقيض إلى النقيض، حيال نفس الشخص أو الجماعة أو المؤسسة أو النظام، تحت وطأة ظهور حقائق جديدة وتبلور حيثيات مستجدة، استلزمت أن يصار إلى تبرير هذا الانزياح وتسويغ تلك الانتقالة. ولعل المثال الأقرب والنموذج الأوضح على مثل هذا التحول النوعي والانقلاب الجذري، ما بات يحصل لمعظم العراقيين إزاء موقفهم من شخصية الرئيس المخلوع (صدام حسين) ونظامه السياسي السابق، على خلفية تراكم صراعاتهم السياسية، وتفاقم انهياراتهم الأمنية، وتعاظم تصدعاتهم الاجتماعية، واستفحال معاناتهم الاقتصادية. ففي حين كانت الغالبية العظمى منهم قبل السقوط، لا تصنف فقط (صدام حسين) ضمن خانة أعتى الطغاة والمستبدين في العالم، وان نظامه كان يمثل أقسى النظم الدكتاتورية والشمولية التي شهدها التاريخ فحسب، بل كذلك ان العراق الذي طالما أصابه ما أصابه جراء السياسات الدونكيشوتية، التي جلبت له الدمار والخراب ولشعبه المآسي والمظالم، لن تقوم له قائمة إلاّ عبر إزاحة نظامه بالقوة وإزالة سلطته بالعنف واجتثاث تعسفه بالإكراه. انقلبت إلى نوع من الحنين للأيام الماضية، التي كان الناس فيها ينعمون بعوامل الأمن وان كانت مشروطة، ويتمتعون بمقومات الطمأنينة وان كانت نسبية، بصرف النظر عن قوميتهم أو جنسهم أو دينهم أو مذهبهم أو قبيلتهم أو عشيرتهم. كما ويتحسرون على مظاهر المؤسسية وان كانت مشخصنة، وسيادة النظام وان كانت مركزية، وهيبة الدولة وان كانت شمولية. هذا في حين إن الموقف من رموز النظام الجديد (الضحية سابقا) بات يتسم بالازدراء والاحتقار من لدن الجميع، بعدما كان محاطا بهالات التقدير الأبله والتبجيل الساذج، على خلفية التعلل بجرائم الابادة الجماعية ضد البعض، والتعكز بالمظلومية التاريخية التي لحقت بالبعض الآخر. وذلك بعد أن أزيحت الأقنعة عن ضواري الاتجار بمصير العراق وشعبه، وتعرّت النوايا المنطوية على غرائز القتل والتدمير، وتكشفت السرائر الموبوءة بالحقد والكراهية، وأميط اللثام عن الغايات المتجلببة بمظاهر السمو والرفعة، لإخفاء حقيقتها المنقوعة بالانحطاط والضعّة. ولكي لا نطنب كثيرا ويغدو حديثنا أشبه بالمرافعة ضد / أو مع هذا الجانب أو ذاك، فانه من الموضوعية الاعتراف بأن للرئيس السابق (الجلاد) مساوئ كثيرة وعيوبا متعددة، لا يمكن بأي حال من الأحوال إنكارها أو التغطية عليها، سواء تبلورت على صعيد تغول الدولة وتوحش السلطة وقسوة النظام. مثلما لا يمكن أن نتجاهل ان لأصحاب السلطة الجديدة (الضحايا سابقا) حقوقا أهدرت وكرامات أهينت ومصالح أقصيت، إلا إن ذلك كله لا ينبغي أن يقف حائلا دون الإشارة إلى ما اقترفته عناصر هذه السلطة من رزايا، ليس فقط على مستوى الوطن حين حولته إلى كانتونات، والدولة حين جزأتها إلى محاصصات، والحكومة حين صيرتها إلى مليشيات، والسلطة حين قسمتها إلى محسوبيات فحسب، وإنما على صعيد المجتمع حين ساقته إلى الصراعات، والتاريخ حين مسخته إلى أسطوريات، والجغرافيا حين فرضت عليها التشظيات، والهوية حين أعادتها إلى الأصوليات، والثقافة حين بعثت فيها الخرافات. أفليس من الأفضل للعراق والعراقيين، بعد كل هذه الأهوال التي عاشوا ويعيشون معاناتها يوميا، أن تكون الدولة التي يستظلون بظلها مركزية ولكنها وطنية، بدلا من أن تكون ممزقة وتابعة؟ أليس من الأفضل للعراق والعراقيين أن تكون السلطة التي ينضوون تحت لوائها قوية ولكنها مهابة، بدلا من أن تكون ضعيفة ومنتهكة؟ أليس من الأفضل للعراق والعراقيين أن تكون لهم هوية واحدة ولكنها عراقية، بدلا من تكون لهم هويات فرعية متناحرة يستأصل بعضها البعض الآخر؟ أليس من الأفضل للعراق والعراقيين أن يعيشوا في كنف مجتمع مراقب ولكنه موحد، بدلا من ان يتلظوا بجحيم صراعات الأقوام والطوائف والقبائل، التي ما انفك بعضها يتربص بالبعض الآخر لاقصائه إن لم يكن لابادته؟ وأليس من الأفضل للعراق والعراقيين التعاطي مع ايديولوجية احتوائية ولكنها علمانية، بدلا من أن تفرض عليهم السفسطات الطائفية والهوامات العنصرية؟ للحدّ الذي بات الكل ويا للمفارقة – يترحم على أيام صدام، رغم المعاناة التي تسببت بها والفظاعات التي نتجت عنها، بعد أن يئسوا من إمكانية العيش في ظل دولة عقلانية تحترم القوانين بدلا من إباحة الفوضى، وحكومة ديمقراطية تبجل المواطنين بدلا من أن تنتهك حقوقهم.’ كاتب عراقي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية