فض اعتصامات الجماعة غير السلمية وتوابعه الخارجية

كل الاطراف كانت تتوقع ان تُقدم المؤسستان السياسية والامنية في مصر على فض اعتصامي النهضة ورابعة بالقوة، بعد استنفاذ محاولات التعامل السلمي معهما، لكننا كنا نتوسم فيها ان تتدرج في استخدامها.. لا يكفي ان تحذر المعتصمين من عواقب مواصلتهم الاعتصام، ثم تحاصرهم لعدة ايام مع توفير ممر امن لمن يقرر ترك المكان بمن فيه من تلقاء نفسه، ثم تحضهم في ساعة مبكرة من صباح الاربعاء 14 الجاري على الانصراف في سلام والا! وبعدها تبدأ معركتها معهم لاجبارهم على الانفضاض..
كان من المنتظر منها ان تشدد حصارها وتبدأ في المناوشات بعدم السماح لمن يخرج ان يعود، وان تمنع دخول المواد الحياتية، على قدر ما تملك من امكانيات، وتكرر تجربة الضغط النفسي بقطع التيار الكهربائي ومصادر المياه.. وربما تعمد الى سياسة تفتيت التماسك العقائدي والنفسي مع محاولات الاختراق، واخيرا تلجأ الى العنف المباشر.
قد يقول قائل انها تلقت ردا مسلحا من جانب بعض المعتصمين، عندما شوهد افرادها حول منافذ الميدان باعداد مكثفة في تلك الساعة المبكرة، فما كان منهم الا ان ردوا عليهم بالمثل، وارد انه مهما كان الرد، فالرأي عندي ان اعمال العقل في مثل هذه الامور التي يوجد فيها المصري في مواجهة اخيه امر مطلوب ولازم وضروري. واذا كان رفضي لعملية الفض كما جرت مؤسس على مطلب ضرورة توافر حسن التصرف والتمهل والتدرج من جانب المؤسسة الامنية، فان استنكاري لنهج الجماعة الذي الزمت به نفسها منذ الثالث من تموز/يوليو يعادل رفضي لذلك الموقف اضعاف مضاعفة، لانها بدت غير قادرة على فهم حقيقة ما جرى، وبدت اعينها مغمضة واذانها مسدودة في مواجهة الثورة الشعبية التي اطاحت بالرئيس. وبانت في كل المستويات مُنكرة بلا عقلانية لحركة الملايين التي تدفقت دعما للاجراء الذي اتخده الجيش لعزله، فاستحق ان تقدم له تفوضيها له بلا تردد.. وكشفت الستار عن انها وهي المُغيبة التي تحركها اللاعقلانية تظن في نفسها القدرة على الوقوف في وجه الارادة الشعبية والحاق الهزيمة بالمؤسسة العسكرية. وان تمسكها بسقف مطالبها التي فات اوانها بعدما تبادلت معها اطراف داخلية وخارجية الرأي وقدمت لها المشورة وتم رفضها، سيعزز من مكانها ويقوي من صمودها امام مؤسسات الدولة التي ستستجيب للضغوط .
وقد ربط احد ابرز قادتها باصرار مفعم بالكراهية بين وقف الارهاب الجاري في سيناء ضد افراد القوات المسلحة والمدنيين العزل وبين عودة الرئيس المعزول الى كرسي الرئاسة.. واخيرا الادعاء بان اصرارها على الاعتصام بكل ما يُمثله من مخالفة قانونية وحقوقية، لانه يخرج عن مفهوم حرية التعبير عن الرأي والحق في التظاهر، يمكن ان يستمر اشهرا طويلة قادمة.
وللحقيقة اقول ان انتهاج الجماعة وحزبها السياسي لهذا الموقف التصادمي غير الواقعي ليس جديدا على فكرها التكتيكي، فهي لم تدرك منذ بزوغ فجر تصدرها للساحة السياسية المصرية انها بمفردها غير قادرة على ادارة الدولة، وتنكرت لكل الوعود التي بذلتها قبل اعلان فوز مرشحها بمنصبب الرئيس، وتعالت على مبدأ المشاركة وطبقت شريعة المغالبة بكل حذافيرها، وخططت للاعتداء السافر على مؤسسات القضاء والاعلام والشرطة والقوات المسلحة.
فهل يمكن لعاقل الا يتوقع من وراء ذلك الا الاصطدام مع الغالبية العظمى لقطاعات الشعب وتياراته السياسية، حتى تلك التي فرضت على جماهيرها ان يصوتوا لمرشح الجماعة، وهل يمكن لمراقب ان يرى مؤسسة الرئاسة في ثوبها ‘الاخواني المترهل’، وهي تدفع المجتمع الذي جاء بها عبر الصندوق دفعا الى تقويض مقومات امنه وامانه، كمقدمة لسلبه هويته ثم طمسها، الا ان يتوقع رفضا مجتمعيا عارما لها يبعدها عن الكرسي والمسؤولية، ربما لسنوات طويلة قادمة.
وهكذا يمكن ان نضع يدنا بيسر على المعضلة التي احاطت بالجماعة احاطة السوار بالمعصم كما يقولون، فشل متتال طوال عام انهته غالبية طوائف الشعب بثورة ايدها الجيش، معاندة وانكار وتعال لما جرى كأنه وقع لشعب اخر جعلها في حالة تحد ممجوجة وبغيضة للارادة الشعبية المتعاظمة، وانحراف بثورة يناير 2011 التي ركبوها في غفلة من القوى السياسية والثورية والشبابية الاخري الخاملة، جعل قادتها بدلا من ان يفوها حقها في الاصلاح الاقتصادي والسياسي والامني، يتفننون في تقسيم الشعب الى مؤيد ومعارض. كلاهما كان لا بد ان يؤدي الي حراك شعبي جارف وهادر ازاحهم من صدارة المشهد الى حيث لا يعلم الا الله.
يؤكد الكثير من المحللين استحالة التصالح بين الجماعة وفئات الشعب المصري وتياراته السياسية بعد هذا الموقف المتردي الذي اوقعت فيه الجماعة نفسها، خاصة بعد ان نشرت وسائل اعلام اجنبية رسالة المرشد العام الدكتور محمد بديع، التي نشرها صباح الجمعة 16 الجاري والتي لا زال يصر من خلالها على ان مصر يحكمها العسكر، ويدعي بلا بينة ان حرق الكنائس والمستشفيات ومراكز الشرطة ومؤسسات الدولة في كل المحافظات ‘تم بمعرفة بلطجية وزراة الداخلية’ ويصف فض اعتصامي رابعة والنهضة بانه ‘ابشع من مجزرة هولاكو في بغداد’.
الجدير بالملاحظة انه ختم رسالته قائلا ‘ان الشعب المصري الذي ذاق طعم الحرية يقاوم بمظاهراته الانقلاب العسكري، ويضحي من اجل رفض الديكتاتورية البوليسية، ويصر على استعادة الحريات والديمقراطية وحقوق الانسان وحقه في ترسيخ مبدأ تداول السلطة’.
لكني على قناعة تامة بان الفرصة لا زالت مواتية، فالدولة يَهمها وقف تداعيات الاقتتال التي تشهدها القاهرة والاسكندرية وبعض مدن المحافظات الاخرى، لكي تتفرغ لاستكمال خارطة الطريق التي وعدت بها. وجماعة الاخوان المسلمين عليها ان تفيق لمستقبل ايامها بان تستوعب الموقف الاجمالي لغالبية الشعب المصري المختلفة مع برنامجها السياسي الرافضة لمنهجها الدموي، وان تفض الاشتباك بينها وبين الامة المصرية .. فهي شاءت أم ابت ليست الا فصيلا بين فصائل اخرى متعددة يتشكل منها الطيف السياسي المصري الذي سيبقى دائما متعدد الالوان.
رئيس وزراء تركيا الذي ظن نفسه بعد زيارته الشهيرة للقاهرة اوائل 2012 انه اصبح وصيا على الشعب المصري وارادته، فاذا برياح هبته الثورية التصحيحية تطيح بمشروعه في ان يتربع على عرش القوة الاسلامية السياسية الاقوى في المنطقة، بناء على مخطط امريكي تآمري.. رجب طيب اردوغان الذي دافع يوما عن حق الشعب الفلسطيني بقطاع غزة في مقاومة الاحتلال الاسرائيلي العنصري، اخطأ كثيرا عندما اقر بان وقوفه هذا ليس من منطلق هذا الحق ولكن ‘لان هذا الجزء من الامة العربية كان يوما خاضعا لسلطة الامبراطورية العثمانية’.. وها هو يُنصب نفسه، في ضوء علاقاته الوطيدة بجماعة الاخوان المسلمين وتضامنات حزبه مع حزبها والتزاماته تجاه تنظيمها الدولي، مرشدا للحكومة المصرية، في ما يجب عليها ان تفعله وما لا يجوز لها ان تقدم عليه من ممارسات.
رئيس وزراء تركيا اكثر المتضررين من فشل تجربة رئاسة مرشح حزب الحرية والعدالة لجمهورية مصر العربية، لان الاخذ بالنموذج التركي في ادارة سياسة القاهرة الداخلية والخارجية سقط بصورة نهائية، ولن يُعاد النظر فيه من قريب او من بعيد.. ليس فقط لانه لا يتناسب مع عروبة مصر وبيئتها الوسطية في كل امورها، ولكن لان الرجل الذي يُعد من رجال الدول المسموعة كلمتهم اخطأ في توجيه رسائله الى المجتمع المصري ونظام حكمه الثوري.. ولانه وهو الذي تعامل بالعنف مع شريحة من مجتمعه المدني وطارد بعض الاعلاميين المعترضين سلميا على سياساته في ما يتعلق بالتنمية المجتمعية، يَشجب ويدين تعاملات القاهرة مع من يحمل السلاح ضد ابناء مجتمعه ويروعهم ويحرق كنائسهم ويدمر مؤسسات دولتهم.
رئيس وزارء تركيا الذي جاء رد فعله علي الحراك الشعبي الذي قام بعزل محمد مرسي منافيا لمبادئ العلاقات السوية بين الدول ذات السيادة، ازعجه كثيرا ان تقوم مصر بالغاء مناورات التدريب البحري المشترك مع قواته المسلحة تحت مسمى بحر الصداقة، التي كان مقررا لها ان تجري خلال الفترة من 21 الى 28 تشرين الاول/اكتوبر القادم.
اما الرئيس الامريكي الذي اقتطع من وقت اجازته التي يقضيها باحدى جزر ولاية ماستشوسيتس لكي يدين اعمال العنف في مصر ويطالب باحترم حق الاحتجاج السلمي، ويسمح لادارته التي تتبنى محاربة الارهاب على مستوى العالم، الا يصف باسمها اعمال العنف والترويع والقتل التي قامت بها ميليشيات اخوانية مسلحة معادية للشعب المصري، بانها ارهاب، والا يشير ولو بكلمة واحدة الى احراق بلطجية الجماعة لعشرات الكنائس ومراكز الشرطة ومؤسسات مدنية، والا يشجب بالقوة اللازمة ازهاقهم لارواح المدنيين وضباط الشرطة.
الرئيس الامريكي نسي تماما ادبيات كلماته وخطب من سبقوه الى البيت الابيض منذ حادث ايلول/سبتمبر الشهير التي تركز على ان اخفاء الحقائق ‘يُشجع جماعات الارهاب على مواصلة نهجها المعادي للحياة والاستقرار ويمنحها الفرصة لكي تعطل مسار التحول الديمقراطي للشعوب’، وتناسى عن عمد ان اجهزته الامنية فعلت كل ما يحلو لها منذ بضعة اسابيع لتعقب اثنين من الشـــيشان قاما بعمل ارهابي في واحدة من ولايات امريكا المتحدة.
اقول من اعد الخطاب للرئيس الامريكي اهمل عن قصد وسوء نية التقارير الامريكية التي تؤكد ان جماعة الاخوان المسلمين تلقت ضربة قاصمة ستؤثر على حركتها مستقبلا، واهمها التحليل الذي اصدره معهد ‘ستراتفورد للدراسات السياسية’ الذي اكد ان قادة الجماعة جلــــبوا عليها بتصرفاتهم غير المحسوبة ‘موجات متتالية من كراهية قطاعات واسعة من الشعب لسياساتهم وافكارهم، ووضعهم في مواقف عدائية على مستوى مؤسسات الدولة بسبب سعيهم الشره لتقليص سلطاتها والتدخل غير الذكي في ادائها’.
يبدو لي ان الرئيس الامريكي في واد، والكثير من التحليلات التي تتبادلها المراكز البحثية الامريكية، التي تؤكد احتمالات عدم تعافي الجماعة وحزبها السياسي مما لحق بهم من تدهور داخلي وتراجع شعبي واقليمي، في واد اخر.
الامر المؤكد لدينا ان الادارة الامريكية لن تُقدم على وقف او تجميد مساعداتها العسكرية والفنية لمصر، ربما تُجمدها بعض الوقت، لكنها ابدا لن تلغيها لسببين.. الاول مصالحها في المنطقة، التي تُعد مصر مركز ثقلها الاكبر.. والثاني ان لوبي الصناعات العسكرية صاحب النفوذ المتنامي داخل البنتاغون والكونغرس، لن يرضى ان يتحمل خسارة عائد مساعدات عسكرية لمصر يبلغ حجمها 1.3 بليون دولار. واذا سألتني رأيي اقول لك مباشرة ، اتمنى ان تملك القاهرة القدرة على رفض هذه المساعدات.

‘ استشاري اعلامي مقيم في بريطانيا

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية