بداية الغيث قطرة، لقد تم خلع الرئيس ببادرة عربية تذكر بنهضة الشعوب الحية في اوروبا والعالن.. هذه الخطوة يجب ان تكون نبراسا ومحفزا لباقي الشعوب العربية، فهناك الان من هو اعتى ديكتاتورية من الرئيس بن علي واكثر قمعا وسرقة لبلاده عن طريق اشقائه واقاربه واخواله وعمومته، وهؤلاء يجب كنسهم والان، واذا كان يحسب لبن علي هربه حقنا للدماء، فمن المأمول من نظرائه على طول وعرض الوطن العربي التشبه به وبهدوء قبل ان يتم كنسهم ايضا.. فبن علي خلعه الثوار من ابناء تونس، كل تونس، خلعته، الطبقة الوسطى من الطلاب والمثقفين والنقابيين والحزبيين، هذه الطبقة التي تنعدم في كثير من الشعوب في العالم الثالث، وخاصة في منطقتنا العربية. إن شعبا في إرادة شعب تونس لقادر تمام المقدرة على إدارة الوضع وعلى الخروج من حالة الفوضى التي خلفها النظام السابق، فزمام الامور اضحت الآن بين يدي الشعب، ما نتوقعه من الشعب التونسي ان يكونوا عند مستوى المسؤولية التي وضعوا انفسهم أمامها. ونتمنى ان ما جرى في تونس لن يؤل إلى مصير الانقلابات السابقة في موريتانيا مثلا، يجب الان ان يتم الاتفاق على آلية انتقال تخلو من كل مؤثرات العهد السابق فبرغم التحول الكبير الذي تنفس من خلاله الشعب التونسي الصعداء إلا أنه يجب التنبه الى المصائد التي قد توقع المعارضة في خدعة تعود بهم نتائجها الى المربع الأول، ومن ثم تضيع دماء الذين ضحوا من أجل التغيير.
وما اشبه اليوم بالبارحة عربيا انه تقريبا نفس خروج الملك فاروق من مصر وان اختلف الامر بين الجيش وثوره شعب تونس السلمية، ولكن الشبه بين رفض الملك فاروق والرئيس التونسي اراقة المزيد من دم الشعب كما يحدث في ساحل العاج، فبرغم مساوىء تلك الانظمة الا انها يحسب لها تجنيب الشعوب صراعا ونزيف دماء. اطرف ما في الموضوع هو ثقتي المطلقة فى ثبات الاسعار في كل الدول العربية حتى تنجلي هذه الصحوة، فلن يجرؤ رئيس ولا ملك ان يرفع اي سلعة لو فلسا واحدا.
اعتقد ان اللحظة الحالية هي اعادة توكيد المحتوم ان الامور لايمكن ان تمضي فى ذات الطريق الى ما لانهاية وان القمع ليس في مقدوره مهما طال تحويل الانسان الى اقل من انسان او الى مجرد دابة او حيوان، وان الارادة الانسانية اقوى من كل لاسلحة والمدافع، والكرامة الانسانية لن تموت وان احهزة الامن ومهما اوتيت من قوة وسخرت لها من امكانيات وافرد لاساتذة القمع و التنكيل من مناهج وادوات فانهم لن يصلوا ابدا الى روح الانسان والى ذلك السر الذي صنع المعجزات الى سر تلك الامكانية التي تجعل البشر بشرا فقط لا اكثر ولا اقل.
الف مبروك للشعب التونسي وعقبال السوري والمصري واليمني والجزائري، واتمنى أن الدروس والعبرات المستخلصة من ثورة الشعب التونسي ستصل سريعا الى النظم الاستبدادية العربية، وستتحوط بكل السبل كي تمنع تكرارها في بلدانها.. بإجراءات استباقية، أمنية أو سياسية أو اقتصادية وما اكثرها.. وعلى قادة الرأي الذين يسعون الى التغيير السلمي في بلدانهم بعد أن سدت كل مسالك التغيير الديمقراطي، أن يدركوا أن مهمتهم باتت أكثر صعوبة لكنها تظل ممكنة دائما بالرهان على التحرك الشعبي المنظم، وفقا لسيناريوهات مرحلية محددة ومدروسة، وتجميع للقوى السياسية الفاعلة حول مطالب محددة، كلمة السر فيها التغيير الكبير والحرية.
سعاد الريشان – لبنان