فعل المثاقفة في النقد العربي الحديث

يلاحظ القارئ للمتون النقدية العربية، التي ألفت في بداية القرن العشرين نوع المثاقفة التي تمت بين النقد العربي والنقد الغربي، وهي مثاقفة وصلت إلى درجة عالية من الفهم والاستيعاب، أو ما اصطلح عليه بمرحلة التمثل، وهي تلك الدرجة التي يصل فيها الناقد إلى بناء تصوره الخاص عن المفهوم، ومحاولة استنباته في الحقل الثقافي العربي لتتولد عنه دلالات عربية جديدة، تزيل عنه ما علق فيه من حمولات فكرية، تنم عن الآخر الذي أنتجها في سياق خاص. والناقد العربي لم يصل إلى مرحلة التمثل، إلا بعد أن استوعب بشكل واضح شروط توليد المفاهيم، وسياق تداولها واشتغالها في الحقل الثقافي الغربي.
إن النقد العربي في نقله للمفاهيم والمصطلحات كان ينتج خطابه الخاص عبر فعل القراءة العالمة للمتن الغربي، ومقارنته بالمتن العربي. وهذا ما أهله لأن يضع الحدود الفاصلة بين الثقافة العربية والثقافة الغربية. ومن هذا المنطلق يحق لنا أن نقر بأن الفكر النقدي العربي، كان فكرا خصبا، من حيث تعامله مع المفاهيم النقدية الغربية، فهو لم يكتف بنقل المفهوم، بل سعى إلى استنباته في الحقل الثقافي العربي، عبر وسائط متعددة أهمها التعريب، وهي تقنية متأصلة في الذهنية العربية، وقد ظهرت بوادرها وتباشيرها الأولى منذ أن انفتح العرب على الأمم والشعوب المجاورة في فترات وحقب أدبية مختلفة، خاصة في عصر النهضة، حيث اشتدت الرغبة في بلورة مشاريع ثقافية طموحة، وفرت كل سبل النجاح لهذه التقنية التي أمدت الفكر العربي بكم هائل من المفاهيم والمصطلحات.
وقد أمكن للنقد الحديث أن يستقي من المذاهب النقدية الغربية جملة من المفاهيم اشتغلت بشكل طبيعي وسلس في الحقل الثقافي العربي، وهذا ناتج بشكل أساس عن الفهم العميق للثقافة الغربية، والتثاقف الإيجابي، الذي حصل بين الشرق والغرب؛ أي التثاقف الذي يضطلع ببناء التواصلات وتحديدها، تحقيقا لاستمرارية التواصل عبر نقل المفاهيم، والبحث عن المشترك الثقافي والنقدي الذي يمت بصلة إلى المشترك الإنساني.
استوعب النقد العربي مختلف المفاهيم النقدية عن طريق انفتاح الأنا العربية على الآخر غير العربي، المتشبث بأصوله اللغوية والفنية، لكن النقد العربي وهو يعيد صياغة هذه المفاهيم، تشبث هو كذلك بأصوله وهويته اللغوية والفنية، وإن كان قد كشف في الوقت ذاته عن مفهوم الآخر، الذي ساهم في تشكيل هذه المفاهيم، التي بدأت تلوح في أفق النقد العربي الحديث.
وقد جسد النقد تقنية التعريب، باعتبارها من الثوابت التي تشتغل بشكل مواز مع مبدأ الانفتاح. والمثاقفة تحمل في طياتها بذور هذا المبدأ؛ أي الانفتاح على التجارب النقدية الغربية، وعندما نقرأ تاريخ النقد العربي، ونقف عند المفاصل، والمنعطفات، نكتشف بداهة تلك المراحل، التي عرف فيها هذا النقد الركود والجمود بسبب الانغلاق. ومن ثم فإن مبدأ الانفتاح يظل مطلبا أساسيا وملحا لإخراج النقد العربي الحديث من شرنقة التوقع والانحسار والانكماش على الذات.
إن الانفتاح لا يعني التبعية أو الذوبان في ثقافة معينة بقدر ما يعني الانفتاح على ثقافات الآخرين بصيغة الجمع، وهو ما يسم هذه المثاقفة بالتنوع الثقافي عبر فعل المثاقفة، الذي يعتبر عامل إغناء وإثراء للنقد العربي الحديث. ومن شروط هذا الفعل ضرورة الحفاظ على الهوية الثقافية للمفهوم النقدي العربي من غير إقصاء أو إلغاء للآخر، فالمثاقفة تعتمد أساسا على قبول استماع كل صوت ثقافي إلى الصوت الآخر، فحسن الاستماع هو جوهر كل حوار إنساني يروم البحث عن المشترك الإنساني والكوني.
إن البحث عن المشترك الإنساني عبر فعل المثاقفة تجلى بشكل واضح في المصطلحات النقدية والأدبية المعربة في النقد العربي الحديث، خاصة تلك المصطلحات، والمفاهيم، التي تتأطر ضمن المذهب الأدبي. وتمرس النقد العربي الحديث بالقراءة العالمة للثقافة الغربية في أبعادها السياسية والاقتصادية أهلته لصياغة تعاريف دقيقة للمذهب الأدبي، عن طريق محاورته للأنساق الفكرية، والنقدية، والفنية، وما خلفتها من مواقف متباينة من المذهب النقدي، الذي يعني من ضمن ما يعنيه الفن الذي يخلقه الأديب وليس الناقد.
لم يمارس النقد العربي نقد النقد، بل اكتفى برصد النصوص الفنية، مبرزا خصائصها المشكلة للمذهب الأدبي، موظفا مفاهيم علم اجتماع الأدب، وإن لم يكن على وعي تام بها، أو أنه تعمد نقلها من غير أن يصرح بمصادرها، ومرجعياتها، على اعتبار أن الثقافة الغربية أصبحت جزءا من ذخيرته الفكرية والأدبية، ولم يكن ليستضمر هذه المفاهيم المعتمدة من الحقول المعرفية الغربية، لولا أن فعل المثاقفة لديه كان يشتغل بشكل عفوي. ولعل تمثل النقد العربي الحديث للمفاهيم النقدية، التي لها علاقة وطيدة بالمذهب الأدبي، أهله لأن يحاور نظرية الأدب في أصولها الغربية، وأن يستفيد منها في طرح تصوره حول الأدب العربي في عصر النهضة، من أجل صياغة نظرية عربية أصيلة.
إن غاية النقد من صياغة أسئلة دقيقة حول الأدب ومهمة النقد، هي تشغيل آلية التعريب، لنحت مصطلحات دالة على مذاهب أدبية، ومدارس نقدية، تستجيب لروح العصر، لأنها تعتبر جزءا من تراث الإنسانية، ما دامت تضطلع بمهمة تطوير الأدب وإغنائه. وهذه الآلية لها علاقة وثيقة بالتأليف كفعل تأصيلي للمفاهيم، ونسبها إلى مؤلفيها الحقيقيين. وفعل التعريب الناتج أصلا عن المثاقفة لا يدل على الانبهار والإعجاب بالثقافة الغربية، بقدر ما يتوق إلى الموضوعية، باعتبارها وصفا لما هو موضوعي، فالناقد العربي في العصر الحديث كان يسلك مسلك الذهن الذي يرى الأشياء كما هي عليه، فلا يشوهها بنظرة ضيقة أو بتميز خاص. وهذه النظرة الشمولية الموضوعية شملت مجموعة من المصطلحات المعربة في النقد الغربي الحديث.

كاتب مغربي

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية