محمود الرحبي
في بحر هذا الشهر هطل وماج في ساحات الأدب وصحفه، سيل عرمرم من الأحاديث، حول الكاتب البيروفي الفائز بجائزة نوبل، ماريو فارغاس يوسا، أحد المبرزين واللاعبين الكبار في قائمة كتاب أمريكا اللاتينية، التي تضم في أمثلتها أسماء روائية لا تقل تأثيرا وسطوعا: كوتاثار وفارغاس وكاربنتر واستورياس وخوان رولفو وماركيز وكارلوس فوينتس وبورخيس وماثيدونو فيرنانديث، وخينارو برييتو، وإيدواردو ماليا من الذين يعود إليهم الفضل في تحقيب مرحلة الرواية، فبسبب أسهمهم الوافرة – من الإبداع والتجديد الروائي – وصم الزمن الذي نعيشه بزمن الرواية ورفعت راية مرحلة جديدة انتقلت فيها الرواية من الواقعية التوثيقية، إلى الواقعية السحرية. تلك الواقعية المدفوعة بترميز ومراوغة الواقع الوحشي التي توارثته أنظمة الحكم في أمريكا اللاتينية طوال عقود.
وفيما يتعلق بماريو فارغاس يوسا، فقد ركز بعض النقاد والإعلاميين العرب على سيرة يوسا السياسية المتأرجحة (بين اليسار حين كان معارضا سياسيا، وبين يمين الوسط، واليمين حين رشح نفسه للانتخابات الرئاسية) متناسين أن رصيده الجمالي الضخم كان مدافعا جيدا عنه. رصيد متجدد ومتنوع، يشكل معمارا هائلا من البناء الفني واللغوي مدعوما بآلة الخيال الضخمة والتي برزت في العشرات من الأعمال الروائية والنقدية كان من أهمها روايات من مثل ‘حفلة التيس’، و’ الجراء’، و’ بيت الخالة’، و’ ألاعيب الفتاة الخبيثة’ و ‘الفردوس في مكان آخر’.. الخ.
كتب الكثير عن هذا الروائي المحترف والنابه والمجدد، قبل حصوله على نوبل وبعدها، بيد أن نوبل لم تضف له شهرة كبيرة على الصعيد الروائي، الشهرة التي حازها في هذا المضمار كانت قبل سنوات طويلة من ذلك، حين ترجمت أعماله إلى لغات الأرض قاطبة، وقبل حصوله على نوبل بسنين.
إحدى المقالات الأكثر عمقا، تعود إلى قرابة الثلاثين عاما، كتبها كارلوس فوينتس، في كتاب حمل عنوان ‘الرواية الأمريكية اللاتينية الجديدة’ ترجمه صالحي محمد، وبونو عبد المنعم وصدر عام 1990 عن دار الحوار.
أقتطف من المقال الطويل بعضا من فقرات، يمكنها أن تلقي ضوءا كاشفا على عوالم الإبداع والتطوير لدى يوسا، عما يفرقه ويفرده في قائمة جيله الأكثر سطوعا في تاريخ السرد العالمي.’لكي يؤسس فارغاس يوسا من جديد فإنه يفسد من دون رحمة، ويجعل بطريقة صحيحة جميع مستويات هذا الوجود اللاتينوأمريكي يواجه الترتيب الهرمي بهذيان غموض فعلي حيث يسرد الماضي في الحاضر، والحاضر في الماضي، وحيث الصدفة الداخلية للوضعية في الكتابة، ليس بالدرجة الأولى في الزمان والمكان، تستوعب وتآخي وتكشف عن حالة مشتركة مريعة ونغلة، وتكسر الترتيب الهرمي للأشخاص القطبيين: اللص والحاكم النزيه. وحيث تأخذ الأشكال الفعلية على عاتقها، بعدالة، كل السيولة المتوافرة للكلام والإيماءة، لإثبات قطيعة التناقضات بين التغيير والبنية. إن الغرض مع ذلك، من كلية الإيماءة واللغة هذه التي يقدمها لنا فارغاس يوسا، ليس فقط تحطيم الترتيب الهرمي للأشكال الفعلية اللاتينوأمريكية وجعلها في مستوى فعل مشترك، بل تحيلنا في الأخير على التطلع العميق والحقيقي للشخصية، إنها علامة الفردية الغير القابلة للتنقل (الأنا كما يقول فوكنر) التي تصارع لكي تعرف وتقر حقوقها في الحلم والحنان والحضور الكامل، وذلك في عالم يساوي بين الأشخاص بعار النغولة وحتمية الفقر ولا شخصية الطبيعة. فكما يقول المونو (إن الإنسان يعجبه دائما اكتشاف الاسرار والعادات التي تحملها أرضه) أي قبول المأساة كمحور التعايش اللاتينوأمريكي. ففارغاس يوسا لم يتضمن مشكل المضمون المأساوي الشعبي لحياة بعض ا لناس الذين لم يعرفوا كيف يثبتوا ذواتهم بطريقة أخرى. فالهجر والإحساس بعدم الوجود الذي يجد في اللغة منافذه الشعبية تحت أشكال جد مختلفة مثل التصغير والمواربة والحوار الدائري السري للأحياء القصديرية، والاعتداء اللغوي البذيء والخلاعة، يعبر عنه في الفعل بالجحف والفحولية ورقة القلب المبالغ فيها والمأساة الشعبية. فالأمريكي اللاتيني وحده فقط استطاع أن يراكم التكلف اللفظي العملاق والسأم وفي نفس الوقت استطاع أن يحقق الكمال الكيبيدي لما هو حتمي. وعندما ينعدم الوعي التراجيدي والصواب التاريخي أو الاثبات الشخصي، فإن المأساة الشعبية تحل ذلك: فهي بديل، وتقليد، ووهم للوجود. وفارغاس يوسا لا يستغني عن هذه البداهة فقط ليوجهها مع كل ما يرفضها: وبالضبط مع التراجيديا، والعقل، والتاريخ، والشخصية. فهناك اللحظة العظيمة التي يعي فيها وهناك الحركة الدائمة للغة التي تحاول خلق سياق عقلاني وتاريخي يتم هزمه من جديد أو تجاوزه من طرف الوعي التراجيدي.
فهذه الحياة التي تمكن مناقشتها، الممدودة على شكل قوس تكشف في النهاية أن الغاب لم يكن هو السكون وأن المدينة لم تكن هي الحركة. ثبات خانق يخترق مجموع العالم البيرواني، وفارغاس يوسا يكرر هذه الصورة في كلا المنطقتين للقطبية المختارة. إن روايات يوسا لن تكون تمرينا هجائيا، وإنما إبداع أدبي تراجيدي يجيب عن السؤال البلاغي لمجموع التناقضات التي نعيشها.