في زمن التمرد على قيود الشهرة وشروط الانتشارمحمد سعيد محفوظيختلط الصخب الوافد من حي المهندسين الراقي ومنطقة أرض اللواء العشوائية في شارع السودان، ذلك الشارع الذي يفصل بمسافة تفوق اتساعه عشرات المرات بين طبقتي الكادحين والأثرياء في القاهرة.. تسير الميكروباصات فيه ببطء، ويعلو نفيرها، وتتعذر الرؤية وسط العوادم والأتربة، وتصطدم الأكتاف في الزحام، وتتبارى الألسنة في السباب، ويتساقط عرق غزير على الوجوه المحتقنة… هذا المشهد تكيّف معه سكان أرض اللواء، بمن فيهم فادي نور.. الذي يستأجر غرفة متواضعة على بعد أمتار قليلة من المزلقان، منذ قرر النزوح من الإسكندرية إلى القاهرة، ليشق طريقه في عالم التمثيل والاستعراض.. لا تفسد هذه الفوضى أناقة فادي، ولا تنال من همته.. يصم أذنيه عن الضجيج بدندنة الأغنيات التي يحفظها.. ويغض طرفه عن القبح بإمعان النظر إلى الضفة الأخرى من الشارع، ليحمله خياله العريض إلى النجومية التي يتطلع إليها، والتي ستنقله بالتأكيد من أرض اللواء إلى حي المهندسين.. إنه مشوار طويل يعرف أنه سيستغرق سنوات، رغم أن عبور الشارع لا يحتاج منه في العادة سوى ثوانٍ معدودة.. يضحك خجلاً وهو يصف لي تلك المشاعر خلال إجازته في الإسكندرية.. يشرب ببطء من فنجان الكابتشينو، ثم يشرد قليلاً، ويقول: أخشى أن أكون واهماً.. ثم يعود إلى مرحه، وقصصه التي لا تنتهي، فأرى فيه طفولتي المندفعة، وصباي القلق، وشبابي الواثق.. كلما أغدق عليّ بحكاية جديدة، قارنتها بأخرى تشبهها وقعت لي عندما كنت مثله في العشرين.. الفارق الوحيد هو أنني كنت أستخدم الورقة والقلم وطابع البريد، أما فادي فقد أحسن استخدام الإنترنت والفيس بوك والهاتف المحمول للفت الأنظار إلى مواهبه، وقد يكون في رأيي أبرع من فعل ذلك في مصر… أطلب ‘واحد شاي أخضر’، وأعتدل في جلستي، بينما يعرض عليّ فادي بفخر وحماس مقاطع الفيديو التي صوّرها وعالجها وأخرجها بنفسه، باستخدام كاميرا هاتفه التي لا تتجاوز جودتها ثلاثة ميجا بيكسل.. أول المقاطع التي يعتز بها تبلغ مدته نحو عشرين دقيقة، وهو فيلم بعنوان (الخاتمان)، رفعه على الفيس بوك قبل عام تقريباً، رغم أنه أنتجه مع أصدقائه عندما كان عمره سبعة عشر عاماً! ويُرجع ذلك إلى أن مونتاج الخدع في أفلام ‘الأكشن’ والخيال العلمي عادة ما يحتاج لسنوات… خيال علمي؟ أسأله مندهشاً، فيبتسم ويقول بدماثة: ‘بالله عليك شوفه وقوللي رأيك’… أهز رأسي مستسلماً.. ثم أبدأ المشاهدة.. المكساج أول ما يبهرني.. المدخل الموسيقي المشوّق يتزامن بحرفية مع تيترات المقدمة.. كيف صنعتَ هذا يا فتى؟ المؤثرات البصرية المبهرة تبدأ مع العنوان العريض للفيلم، متبوعاً بأسماء الأبطال: ماندو (محمد يحيى، ويلقبه أصدقاؤه كذلك باسم محمد شان لمحاكاته الممثل جاكي شان)، فراس (شقيق فادي الذي يكبره بعام)، بلال محمود، ثم فادي.. ويسمي الأربعة أنفسهم على سبيل الفكاهة فريق ‘الأعداء الأربعة’، ربما لأنهم يجيدون لعبة الكونغ فو، ويوظفونها درامياً في معظم أفلامهم.. لم يستخدم فادي ورفاقه حاملاً لتثبيت كاميرا الهاتف، ومع ذلك فإن اللقطات تبدو مستقرة، ولا تزيدها الهزات الطفيفة إلا إثارة تتناسب مع أحداث الفيلم، والتي نسجها أعضاء الفريق معاً، وتحكي صراعاً أسطورياً بين أقطاب الخير والشر في الكون للجمع بين خاتمين يوفران لحاملهما قوة طاغية.. الحارس ميجا (فراس) ـ كما سيدّعي في ذروة الأحداث ـ قسّم القوة في العالم إلى جزأين، أودع كل جزء في خاتم.. الزعيم الشرير أكتيف (ماندو) استحوذ على أحدهما، بينما بقي الآخر في انتظار سيده على الأرض.. في المشهد الافتتاحي يشتبك ماندو وفراس في معركة محمومة، يسعى فيها فراس لاسترداد خاتم ماندو قبل أن يسبقه في العثور على الخاتم الآخر.. لا تغيب المؤثرات الصوتية عن أي لكمة أو ركلة أو تلويحة في الهواء خلال المشهد، الذي لا يخلو كذلك من حيل بصرية مدهشة، ككتلة من النار يلقي بها أحدهما على الآخر، وإشعاعات صادرة من جسديهما.. التناغم والتزامن بين الصوت والصورة والمؤثرات على الخلفية الموسيقية يشي بموهبة فادي في المونتاج.. إلى جانب موهبته في التصوير من زوايا مختلفة، الأمر الذي تطلب بالضرورة إعادة تمثيل اللقطة أكثر من مرة، من دون التأثير على عفوية الأداء.. يتبين بعد لحظات أن هذا المشهد لم يكن غير حلم يوقظ بلالا من نومه، ويأتي هذا الانتقال ناعماً ومفهوماً ـ كما لو كان بفعل مخرج محترف ـ ليمهد إلى مشهد جديد تدور أحداثه في مكتبة الإسكندرية، يبدأ بلقطة لبلال وهو يدخل المكتبة، تتعقبه كاميرا الهاتف بتمكن فطري، لتصل إلى ذروة حرفيتها وهي تتحرك أفقياً بثبات، تقطعها الرفوف العملاقة واحداً بعد الآخر من ناحية، فيما يسير بلال بنفس السرعة في الناحية الأخرى.. منتهى السيطرة على الكاميرا، رغم صغر حجمها، وغياب الأدوات اللازمة لتحريكها بنعومة، مثل الحامل ذي العجلات (دوللي)، أو المحمول على القضبان (شاريوه).. لقد أثبتت هذه اللقطة قدرة هؤلاء الهواة على محاكاة المحترفين، من دون تدريب أو إمكانات.. يظهر فادي لأول مرة في الفيلم داخل قاعة القراءة، منهمكاً في البحث عن كتاب ما.. وتتوزع هذه اللحظات من المشهد بين بلال وفادي، في لقطات متوازية ومتوالية.. إلى أن يعثر بلال على صديقه الشارد بين الرفوف وموائد الاطلاع، فيضع يده على كتفه فجأة، ليقدم فادي موهبته في التمثيل للمرة الأولى برد فعل طبيعي ومقنع.. ويشرع الاثنان في حديث عن نظرية علمية، قد لا يساعد الصوت الرديء نسبياً هنا على فهمها.. على شاطئ الإسكندرية نرى ماندو في المشهد التالي واقفاً بشموخ.. يفتح نافذة خيالية تم تصميمها ببراعة في المونتاج، ليراقب من خلالها ما يدور بين بلال وفادي داخل المكتبة.. ينصت لحديثهما، ثم يغلق النافذة بدفعها لأسفل، ويتوارى هو الآخر في ستار دخاني كثيف.. خدعتان قد تبدوان مألوفتين في أفلام السينما العالمية، لكننا نراهما اليوم في مصر بنفس المهارة والإتقان، باستخدام كاميرا هاتف محمول قليلة الجودة، وبرنامج مونتاج مجاني.. لم يتلق فادي تدريباً على ذلك في أي معهد أو جامعة، فأي موهبة تلك التي فُطِر عليها، وجعلته يبلغ هذه الدرجة من التمكن التقني، فضلاً عن موهبته في التمثيل والإخراج؟
يسير بلال وفادي في أحد شوارع الإسكندرية ليلاً، يشقان جموع المارة متبوعين بزميلهما المصور (وهو هنا فراس على الأرجح)، ليتصادف ـ وفقاً للسيناريو ـ مرور ماندو (الزعيم الشرير الغاضب) في الاتجاه المعاكس.. ويصطدم كتفه بكتف بلال، الذي يتذكر أنه رآه من قبل في حلمه، ويبدأ في الشك إن كان حلماً أم حقيقة.. وما هي إلا لحظات حتى يلمح فراس (الزعيم المنافس) وهو يسير في أعقاب ماندو.. ويبدو على بلال القلق، وتبدو على فادي الحيرة، وكلاهما أجاد التعبير عن هذه الانفعالات.. في نهار جديد، يجد بلال نفسه على الشاطئ في نفس المكان الذي شهد أحداث الحلم.. ويعبر المونتاج عن ذلك بومضتين تشملان الأفق المُعاد، وتؤديان الغرض بكفاءة.. تدور الكاميرا حول بلال دورة كاملة تجدد الثقة في إمكانات المصور، كما تلفت الانتباه إلى اندماج بلال في المشهد، حيث لا يسترق النظر إلى الكاميرا على الإطلاق.. مشهد آخر يستحق التصفيق!
لا يلبث بلال أن يصيح: كان هنا (في إشارة إلى الحلم) حتى يظهر ماندو وفراس.. يتميّزان غيظاً، ويشتبكان من جديد في معركة عاتية، يستعرضان فيها تأهلهما الجسماني، واستجابتهما لخطة محكمة ودقيقة للحركة، خاصة في ضوء الخدع والمؤثرات البصرية المتفق عليها سلفاً في السيناريو.. يضطر بلال وفادي إلى القفز بعيداً لتجنب الإصابة، لكن فادي ـ الذي يلمح الخاتم في يد أحدهما ـ يفهم سريعاً سر هذه الحرب.. ينظر إلى خاتم مشابه في يده.. يحتوي بلال بذراعيه، فيختفيان.. بينما يواصل ماندو وفراس قتالهما… يظهر بلال وفادي في مكان آخر.. بلال حائر ومذعور، وفادي يضطر لمصارحته بالحقيقة.. والحقيقة هي أن الخاتم الذي بحوزته هو الخاتم المفقود منذ مئات السنين، وأنه مُقدّر لبلال أن يمتلكه دون غيره من البشر، وأن عليه الحصول على الخاتم الآخر قبل أن يستخدمه ماندو أو فراس في تدمير الكون.. يستسلم بلال لقدره، ويتولى مهمته… تفوّق الشابان في هذا المشهد، وعوّض بلال مغالاته في أداء مشهد قاعة القراءة بالمكتبة.. أما فادي فيظل واثقاً وهادئاً.. ليسير (شكلاً ومضموناً) على درب الممثل الكندي كيانو ريفيز، بطل ثلاثية (ماتريكس).. ما هي إلا سنوات قليلة وسيحجز هذا الشاب النابغة مكانه بين النجوم!
يخوض بلال معركة مع ماندو، يكتشف فيها قدراته الخارقة في ظل امتلاكه للخاتم.. ثم يصل فراس، الذي يقفز بجرأة من على مبنى بارتفاع لا يقل عن خمسة أمتار.. يتدخل لحماية بلال، ثم يأخذه ويتلاشيان، ليبرزا في مكان آخر من خلال أحد الجدران.. يطالب فراس (أو الحارس ميجا) بلالاً بانتزاع الخاتم الآخر من ماندو (أو الزعيم أكتيف)، وإعادة الخاتمين إليه، كي يعود بهما إلى زمنه، وتظل الأرض بأمان.. يقتنع بلال، وفي المشهد اللاحق ينجح بالفعل في قهر ماندو، ويقتلع الخاتم من إصبعه، ويسلمه مع الخاتم الآخر إلى فراس.. لكن فراس يكشف عن غدره، ويعترف بأنه سيحطم العالم بقوة الخاتمين.. وهنا يعود فادي، ليتصدى لفراس.. ولا يمنعه قوامه النحيل من استعراض لياقته وقدراته الحركية.. التي يقهر بها زعيم الشر الأكبر، ويستعيد الخاتمين، ثم يستودعهما صندوقاً خشبياً، ويختفي.. ينتهي الفيلم بلقطة ناعمة، ينصرف فيها بلال إلى حيث أتى.. بينما تتوجه الكاميرا إلى قرص الشمس في السماء… ولا ينسى أبطال الفيلم وصنّاعه أن يختموا شريطهم المميز بفيلم آخر قصير يروي كيفية صناعة فيلمهم، والآلام التي تكبدوها خلال تصوير مشاهده العنيفة، والقفشات المضحكة التي كانت تعرقل التصوير في أحيان كثيرة، كما يُبرز الفيلم دور فادي كمخرج موهوب، سواء في تلقين زملائه الكيفية المثلى للأداء، أو في تصميم وتوزيع الحركات، رغم أن عمره في ذلك الوقت لم يكن قد تجاوز السبعة عشر عاماً.. عندما أعود للمنزل مساء، أتوجه مباشرة إلى الفيس بوك.. أفتح صفحة فادي، وأعاود مشاهدة مقاطعه الأخرى.. في بعضها يعيد تصوير أغنيات يحبها، ويؤديها بصوت مطربيها.. وفي أخرى يؤدي استعراضات راقصة بديعة من تصميمه، يقول إنه استلهمها من الأفلام الهندية.. أما المقطع الأبرز في نظري فهو إعلان من ابتكاره وإخراجه، يظهر فيه بلال وفراس وماندو، وهم يتسابقون ويتقاتلون فوق سطوح المنازل من أجل الفوز بزجاجة مياه غازية.. الإعلان الذي تبلغ مدته نحو أربع دقائق لا يشعرك بالملل، ولولا عدم امتثاله لمعايير البث الاحترافية التقليدية، مثل المدة وجودة الصورة، لكان حتماً من أفضل ما تروج به هذه الشركة لسلعتها.. فادي قام أيضاً بتأليف وإخراج فيلم بعنوان (كوكا وعفريت من 2010)، يصفه على الفيس بوك كالتالي: فيلم أكشن كوميدي فانتازيا روائي قصير، تمثيل: فادي نور، أحمد كوكّا، وشريف وحمادة وهيما، تأليف وإخراج فادي نور.. تستطيع أن تلمس البراءة في هذا الوصف، فالفيلم يجمع كل صنوف وأشكال الدراما دفعة واحدة، وهو بطولة الأصدقاء بألقابهم المتداولة فيما بينهم.. إنه عمل على سجيته!
يلعب فادي دور عفريت عصري، يظهر لكوكّا (وهو شريك فادي في فيديوهاته الاستعراضية نظراً للياقته الملحوظة هو الآخر)، وبدلاً من أن يلبي العفريت أمنيات سيده، يشرع في استغلاله، حيث نكتشف أن العفريت ذاته غير قادر على تحقيق أحلامه الشخصية.. لكن النهاية تحمل نصيحة من العفريت، مفادها أن كلاً منا بمقدروه أن يحول آماله إلى حقيقة بالعمل والمثابرة.. هكذا يعبر الفيلم عن فلسفة واعدة، تحرك فادي وأقرانه.. ولا أظن أن مخرجاً محترفاً من جيل غير جيلهم يستطيع التعبير عن هذه الفلسفة بتلك الدقة والعفوية.. مثل هذا الفيلم يأتي منسجماً مع حالة جديدة مفعمة بالأمل تميز العقد الأخير، وتشمل العالم بأسره، بفضل الإنترنت والإعلام الجديد.. عندما وقع اختياري على هذه الظاهرة لأبحثها في رسالة الدكتوراه، كان كل طموحي أن أعيد تحليل نظرياتها، وأن أكتشف مزيداً من خواصها وإمكاناتها.. ظننت أن الأمثلة عليها ستتوفر فقط في دول الغرب، التي لا تضن على أبنائها بوسائل التكنولوجيا وسرعات الإنترنت العالية.. وعندما قابلت فادي، ورأيته نموذجاً عبقرياً يتحدى قيود البث التقليدية، بسلاح التواصل الإلكتروني والإنتاج الرقمي، لم أصدق نفسي.. وزاد شعوري بالفخر لكونه من بلدي مصر.. التي تئن رغم ذلك تحت أثقالها السياسية والاقتصادية.. الأمل غير مقطوع إذن!
ينظر إلىّ فادي ملياً، وأنا أودعه قبل أن يعود إلى أرض اللواء وشارع السودان المزدحم.. يرغم عينيه على التحديق في عيني كأنما يدرب نفسه على مواجهة الجمهور.. يأمل في إرضائي بإسباغ ألقاب لا أحبذها، ينتظر مني كلمة، فأعطيه ثلاثاً… ‘أنا منبهر بك’! إعلامي مصري مقيم في بريطانيا[email protected]