فقال لها سيري فسارت…

حجم الخط
0

فقال لها سيري فسارت…

منير عبد المجيدفقال لها سيري فسارت… عن عربات الأجرة و حياتك عمري في شوارع القاهرة التي لم يغمض لها جفنتلوث المدينة العملاقة تشعر به وأنت في الجو، فسماء القاهرة تعجّ بمختلف سموم عوادم الحافلات والمعامل، مما جعل الطائرة فريسة سهلة لمطبّات شرسة، فتمايلت وترنّحت مثيرة ذعر الركاب، والأطفال منهم علي وجه الخصوص. وعندما توضّحت معالم القاهرة من ذاك العلو، لاحظت، تقريباً، انعدام الحدائق والبقع الخضراء، أبنية وأبنية وشوارع تسيطر عليها بالكامل أفواج من السيارات تشبه جنوداً في جمهورية نمل من الخيال العلمي. الأحداث السياسية التي تشغل بال المصريين كل ساعات النهار، وربما الليل أيضاً، أشغلتني أنا الآخر، بعد دقائق من مغادرتي المطار. سائق التكسي (اكتشفت، فيما بعد، أنه طلب سعراً مبالغاً)، أعطاني تقريراً مفصلاً عن أحوال البلاد، المظاهرات، حركة كفاية، الإخوان، احتمال تنصيب ولي عهد جمهوري، زيادة هائلة في نسبة الفقراء… كل هذا في الوقت الذي كنا فيه علي مقربة من برجين توأمين ناطحين للسحاب يُشيّدان علي طرف النيل المعتد بنفسه كملك من أزمنة التاريخ الغابر.السير في شوارع القاهرة يتم بأعجوبة، أقترح أن تُضاف إلي أعجوبة أهرامات الجيزة، الواقعة علي كتف المدينة. أعجوبة في أن تسير كل هذه الحوافل، في قيظ قاتل، في نظام قاعدته الأساسية هي مخالفة الأنظمة، بينما يتحرك رجال الأمن والسير، ببزاتهم البيضاء المميّزة، بتثاقل في هذا الخضم المرعب. عربات أجرة رُبطت أجزاؤها بأسلاك وحبال، فتسير بقدرة قادر. سألت نفسي، وبطريقة خواجية، عن هذه القدرة الفائقة، التي تحيل تصادم هذه الحافلات، وتحيل وقوع ضحايا بشرية تتقافز بينها ككرات حيّة.أمّا كل ما قيل عن صبر وطيبة المصري فانه صحيح. لم ألق، طيلة حياتي، وكل الأمكنة التي قادتني إليها الطائرات، هذا الترحاب والدفء. المصري بتواضعه الجمّ يخجل من مناداتك بـ أنت ، يقول دائماً حضرتك . حتي أن أغنية أم كلثوم الرائعة العتيدة إنت عمري إن سألت عنها مصرياً فانه سيجيب حضرتك عمري….. ، هكذا.حسناً، زيارتي لم تكن بقصد السياحة والتفسّح. المستشرق الدنماركي المعروف ياكوب سكوسغورد بيترسن، مدير المعهد الدنماركي ـ المصري للحوار شاء أن يدعوني كي نتحدث عن مشروع كبير أحاول تحقيقه في الدنمارك.تقع مكاتب المعهد في مبني دار الأهرام. دخول المبني جعلني، دفعة واحدة، أنساق فيما يشبه الشريط السينمائي الذي يسير علي عجل: الاقليم الشمالي والاقليم الجنوبي في أعوام الوحدة السورية ـ المصرية، عبد الناصر، إذاعة صوت العرب، هيكل…. في الدور الرابع، حيث مكاتب المعهد، فوجئت بانخفاض السقف. كان علينا أن نحني رؤوسنا في الممّر، وخشيت أن يكون فألاً ورمزاً لما وصلت إليه الأهرام في السنوات الأخيرة، دون أن تراودني فكرة انحناء الرؤوس احتراماً لهذه المؤسسة وموقعها في تاريخ الصحافة العربية.علي فكرة، المعهد في القاهرة تختلف أجندته عن شقيقه في دمشق. ففيما يأخذ الأخير علي عاتقه المسألة الحضارية الثقافية، فان معهد القاهرة يهتم بالجانب السياسي، ودعم العمــــــلية الديمقـــراطية، التي نري بصيصاً ضعيفاً مهـيناً منها، هنا أو هناك في البلاد العربية.في بهو الفندق المحروس جيداً، تحدثت مع بعض السيّاح، وبدا أحدهم غاية في الامتعاض، حينما حدثنا عمّا تعرض له من غش في سوق خان الخليلي، وعن تشبّث الباعة به ومطاردته.سمعت عن قصص مشابهة عن تبرم السياح في زياراتي إلي المغرب وتونس، واستغرب حقاً من عدم تدخل سلطات هذه البلاد لحل المشكلة، إذا اعتبرنا أن الثروة السياحية تشكّل الجزء والنسبة الأكبر من الدخل الوطني. لماذا لا تُرغم هذه السلطات هؤلاء الباعة علي وضع أسعار علي بضائعهم؟ أليس كذلك؟.اقتراح في غير محلّه لبلد يعاني من متاعب لا حدود لها، وكان يوماً مركز العالم، التاريخ والحضارة، ويقف اليوم مغبراً، حائراً، لكن دونما شك، متظللاً بماضيه العظيم. تحية قلبية من مصر إلي كل مصري.ناقد سينمائي من سورية يقيم في كوبنهاغن 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية