فقراء مصر وثورة 25 يناير.. أسئلة بلا أجوبة

حجم الخط
0

شحاتة عوضرغم مرور ما يزيد عن أربعة اشهر على ثورة الخامس والعشرين من يناير، فان الكثير من الملفات حول اولويات المرحلة الحالية وتحديد المسارات السياسية والاقتصادية والاجتماعية للثورة لا تبدو محسومة، واظنها ستظل هكذا لفترة طويلة قادمة في ظل حالة الضبابية التي تحكم المشهد المصري. ما يعنيني في هذا المقام هو التوجهات الاقتصادية المستقبلية أو ما يمكن تسميته الهوية الاقتصادية لمصر ما بعد الثورة، التي تشكل في اعتقادي حجر الزاوية في تفسير الكثير من الامور التي تجري وستجري في بر مصر المحروسة. الثورة المصرية في احد أنصع وجوهها كانت صرخة احتجاج مدوية ضد السياسة الاقتصادية والاجتماعية لنظام الرئيس السابق، وهي سياسة قامت على مفهوم الرأسمالية المتوحشة في ابشع صورها وأكثرها إجراما بحق الفقراء الذين يشكلون السواد الاعظم من المصريين. هذه السياسة التي جرفت ثروات البلاد المادية والطبيعية لصالح قلة فاسدة اقامت علاقة سفاح مع السلطة.

هؤلاء الفقراء والمحرومون الذين كان البعض يخشى من أن يخرجوا في ثورة جياع تخرب وتدمر وتعيث فسادا وفوضى في البلد، خيبوا رهانات مبارك وفلول نظامه وقدموا ملحمة رائعة في الثورة وشكلوا الوقود الحقيقي الذي شد من عود الثورة ودفعها قدما للوصول الى مرساها النهائي بنجاح. وساهمت مشاركة هذه الفئات من عمال وبسطاء وفلاحين في تحويل الحركة الاحتجاجية من مظاهرات واعتصامات في الميادين الى حالة عصيان مدني شلت الحياة في البلاد وانتهت بسقوط الطاغية. ومن هنا فان في عنق الثورة والقائمين على إدارة شؤون مصر حاليا بتفويض الثورة، سواء كان المجلس العسكري او حكومة عصام شرف، دينا كبيرا لهولاء الفقراء عليهم ان يسددوه عاجلا غير آجل، حتى يمكن ان يستردوا ثقتهم في وطنهم الذي باع لحمهم الحي رخيصا للمرض ينهش اجسادهم المنهكة تارة، وللموت يحصدهم في قوارب الهجرة تارة اخرى، او في عبارات الموت التي يديرها رجالات مبارك الفاسدون تارة ثالثة. وحتى يستردوا انتماءً لوطنهم تم اهداره على مدى سنوات حكم مبارك الذي قسم مصر الى قلة فاجرة الثراء وأغلبية فاحشة الفقر.

لقد كانت الثورة في أهم تجلياتها طلبا لعدالة اجتماعية غيبها النظام السابق من كل سياساته واختزلت في مجموعة من الشعارات الفارغة والمضللة في مؤتمرات ما كان يسمى بالحزب الوطني، أو في خطب انشائية بائسة للرئيس المخلوع. ومن هنا يصبح لزاما إن كنا أوفياء لهذه الثورة ولشهدائها وجرحاها، أن تتم ترجمة الشعار الرائع الذي رفعه المصريون ‘إرفع رأسك فوق إنت مصري’ إلى حزمة من السياسات الاقتصادية والاجتماعية التي تصب في تحقيق هدف العدالة الاجتماعية وانصاف الطبقات الفقيرة والمعدومة الدخل، وهي السواد الاعظم من الشعب المصري وفقا لارقام وبيانات المؤسسات المالية والتنموية العالمية. وهذا يتطلب قرارت سريعة وحاسمة تليق بالثورة وشرعيتها لاعادة رسم الخريط الاجتماعية والطبقية في مصر، التي شهدت في السنوات الماضية فجوة طبقية سحيقة ومرعبة أعادت إنتاج التركيبة الطبقية لمصر ما قبل ثورة 52، وربما بشكل أفدح بشاعة واشد ظلما.

صحيح ان الموازنة العامة التي اقرتها الحكومة قبل ايام، وهي اكبر موازنة في تاريخ مصر تضمنت زيادات في البنود المخصصة لدعم السلع الاساسية ورفع الحد الادني للاجور، ولكنها تظل اجراءات متواضعة ولا ترقى لتطلعات المصريين. كما ان هذه الزيادات لا تظهر ان هناك جدية حقيقية لدى القائمين على امور البلاد لاحداث تحولات جذرية على الصعيد الاجتماعي يمكن ان تشكل المدخل لخلق وايجاد الحاضنة الاجتماعية التي تحمي هذه الثورة وتدافع عنها بكل ما تملك.

كلنا يعلم ان مصر تبدو بعد الثورة كمريض خرج لتوه من عملية جراحية كبرى وهو الان في مرحلة النقاهة، ومن هنا يبدو طبيعيا ان تسمع انينه وتألمه بين الحين والاخر. واذا كان منطقيا ان يتم اعطاء هذا المريض بعض المسكنات لتخفيف وطأة الالم، فان ذلك يجب الا ينسي الجراح ان يصف لمريضه مضادا حيويا قويا يمنح جسده مزيدا من المناعة ويحفظ جرحه من تلوث او مضاعفات قد تكون خطيرة وربما تسبب انتكاسة كبرى لهذه الجراحة. لكن حكومة عصام شرف الذي جاء من ميدان التحرير تتعامل مع مصر الثورة في وجهها الاقتصادي والاجتماعي بمنطق المسكنات وليس المضادات الحيوية، التي تمنح الثورة مزيدا من المنعة والحصانة ضد الانتكاس. إن قادة المؤسسة العسكرية الذين يديرون شؤون مصر حاليا وعلى رأسهم المشير حسين طنطاوي كانوا من أكثر المعارضين لسياسات مبارك الاقتصادية وما تشكله من خطر على استقرار المجتمع المصري، وهذا الموقف ظهر جليا في ما يتعلق بسياسات الخصخصة، ومن هنا فان المصريين يتوقعون ان يعمل المجلس العسكري مع الحكومة على وضع رؤية جديدة للسياسات الاقتصادية والاجتماعية. لكن السؤال هنا هل لدى الحكومة الحالية مجموعة وزارية اقتصادية تملك رؤية واستراتيجية وخططا لانجاز العدالة الاجتماعية وإعادة توزيع الثروة القومية؟ وهل الوزراء المسؤولون عن الشأن الاقتصادي في مصر الان يؤمنون حقا بالعدالة الاجتماعية كقضية محورية في مصر الثورة؟ لم يعد مقبولا أن يتم التعامل مع قضية بالغة الاهمية والحساسية كقضية العدالة الاجتماعية على طريقة مشروع الالف قرية فقيرة، الذي إراد من خلاله جمال مبارك ان يرث مصر عن إبيه، أو عبر إطلاق سلسلة من حملات التسول التي كانت تروج في اعلام مبارك في إشارة فاضحة الى غياب الدولة وتخليها عن دورها المنوط بها. المطلوب الان اعتماد سياسات اقتصادية واضحة تعيد للدولة دورها في حماية النسيج الاجتماعي وتحول دون تغول فئة صغيرة واستيلائها على موارد الوطن. ولابد من إعادة النظر كليا في كل السياسات الاقتصادية للنظام السابق التي قدمت الرأسمالية في ابشع صورها وباعت كل شيء في هذا الوطن حتى المواطنين. ولا اعتقد ان بعضا من الوجوه التي تتولي الملفات الاقتصادية في مصر الان مؤهلة لانجاز هذه المهمة، ليس فقط لعدم امتلاكها الرؤية اللازمة لتحقيق ذلك ولكن، وهذا هو الأهم، هو أن بعض هذه الوجوه لا يؤمن أصلا بفكرة العدالة الاجتماعية، وتبدو امتدادا للعقلية التي كانت تدير الشأن الاقتصادي في مصر ما قبل الثورة، وإلا كيف نفسر عدم اتخاذ أي قرار اقتصادي حقيقي من قبل الحكومة، يبعث على الطمأنينة بان مصر الثورة تضع حقوق فقرائها ومعاناتهم نصب عينيها، وان هدف العدالة الاجتماعية مقدم على ما سواه. لماذا لم تسارع الحكومة بوضع حد ادنى وحد أقصى للاجور في المؤسسات الحكومية والقطاع العام؟ لماذا لم تتم بشكل جاد مناقشة الاقتراح الخاص بفرض ضريبة تصاعدية، وهو النظام المطبق في الكثير من دول العالم؟ لماذا لم يصدر قرار فوري باعفاء الفلاحين من جميع الديون التي اثقلت كاهلهم وذهبت بهم لغياهب السجون؟ لماذا لم يصدر قرار بحل اتحاد العمال الحالي الذي يقبع رئيسه في السجن بتهمة الفساد وقتل المتظاهرين، وانتخاب اتحاد جديد يكون قادرا على الدفاع عن حقوق العمال ومناطحة اباطرة ورجال الاعمال الذين تعامل بعضهم مع العمال كعبيد؟ كل هذه اسئلة تبدو بلا أجوبة حتى الان، بل ان تصريحات بعض مسؤولي الحكومة لا تبدو فقط مناقضة لفكرة تحقيق العدالة الاجتماعية، بل ومناهضة لها من خلال تقديم المطالبين باعادة النظر في السياسات الاقتصادية والاجتماعية وكأنهم يريدون الانقلاب على النظام الاقتصادي القائم في مصر، الذي يقود فيه القطاع الخاص عجلة التنمية، بل ويحذر بعضهم من أن ذلك من شأنه ان يخيف المستثمرين ويطرد الاستثمار الاجنبي من مصر، وهذا قول فيه الكثير من التضليل، فعن إي قطاع خاص نتحدث؟ هل هو القطاع الخاص الذي ساد في عهد مبارك معتمدا على المضاربات في أراضي وموارد البلاد الطبيعية ونهبها مستغلا فساد النظام؟ وعن اي استثمار اجنبي وعن اي مستثمرين أجانب نتكلم؟ عن هؤلاء الذين جاؤوا للوطن بحثا عن فرص للكسب السريع عبر شراء الاراضي والسمسرة بمنطق صائدي الفرائس، مستغلين منظومة الفساد الاداري والحكومي لتحقيق ارباح هائلة من دون أعباء مقابلة، ام عن هؤلاء المستثمرين الجادين الذين جاؤوا لاقامة مشروعات حقيقية تخلق مزيدا من فرص العمل للمصريين ويساهم في بناء الاقتصاد الوطني؟ إن عدم حسم هذا الملف بوضوح والتأخرفي تحديد الهوية الاقتصادية والاجتماعية الجديدة لمصر الثورة لن يساهم في عودة الهدوء للشارع المصري وسيؤدي حتما لتصاعد وتيرة الاحتجاجات الاجتماعـــية لقطاعات واسعة من الشـــعب المصري تتـــطلع لان تكون مصر الثورة اكثر انصافا وأوسع صدرا لسماع أنات هؤلاء المظلومين والمسحوقين، بل إن هذه الاحتجاجات تبدو مرشحة للتصاعد لتتحول الى ثورة من خيبات الامل الكبرى، في حال لم تحسم مصر الثورة هويتها الاقتصادية بشكل واضــــح وتعـــلن بجلاء ومن دون مواربة انحيازها للفقراء الذين هم سكان هذا الوطن وصانعو ثورته.’ كاتب وصحافي مصري

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية