مؤكد تابعنا جميعا بقلق كبير، أخبار تلك الفيضانات المدمرة التي لحقت بالسودان، في غضبة كبيرة لنهر النيل، وفي زمن يحتله فيروس كورونا، ويقبض على كل عناصر الحياة فيه، ليس في السودان وحده، ولكن في العالم كله.
الفيضانات ليست أمرا جديدا على السودان، والأوبئة أيضا ليست أمرا جديدا، ومنذ وعينا، نرى أو نسمع عن قرى دكتها المياه، أو بيوت حتى في العاصمة، والأقاليم القريبة من العاصة، أذابتها الأمطار التي تهطل أحيانا بغزارة تفوق إمكانية استيعابها أو التعامل معها. الأوبئة أيضا تأتي، الكوليرا تأتي، والنزلات المعوية العادية تأتي بشكل شرس أحيانا، والملاريا مرض مقيم هناك، لا يبرح مكانه قط، وتنشأ منها سلالات تقاوم العلاج العادي، وقد لا تستجيب لأي علاج يتم استخدامه. وحين كنت أعمل في السودان، كنت في بحث دائم مع زملائي عن عقارات بديلة، ربما نهزم بها ذلك المرض.
لكن المسألة هذه المرة مختلفة، فالفيضان لا يشبه تلك التي سبقته، ولا يقترب منها، وقيل لم يشهد النيل فيضانا غاضبا شبيها به، إلا منذ مئة عام، والصور التي تنشر بشكل يومي في الإنترنت، وتعرض على شبكات التلفزيون، توضح كم الخسائر التي حدثت في البيوت والممتلكات، والأرواح أيضا حيث غرق كثيرون، وتشرد كثيرون، وتحولت مناطق عديدة إلى بقع كارثية، تستوجب حلولا عاجلة، مثل نصب خيام للإيواء، وتوفير الأكل والشرب والعلاج الذي لا بد منه لأمراض معروفة تتبع الكوارث، وتختبئ في أحشاء المآسي، حتى إذا ما خفت، خرجت تلك الأمراض للعلن.
كان محزنا جدا، أن ترى رجلا يوشك على الغرق، حاملا طفلا على كتفيه، امرأة تجلس على سرير من الحبال مع أطفالها، بالقرب من أطلال بيت، ربما كان بسيطا، لكنه كان مأوى، وقد تشاهد كثيرين، شبه غارقين، لكنهم يغنون، كأنما المأساة، فاقت حجم الحزن، وحولته إلى أغنية، وذلك أمر يحدث، في مثل تلك الظروف.
بالطبع هب الناس لنجدة البلاد، نصبت منصات للتبرع في كل مكان، وأرسلت المعونات العاجلة، والخيام، وأدوات إنعاش الحياة، وهناك دول شقيقة ساندت بجدارة، وجعلت من الممكن أن يعود ثمة شيء مما فقد إلى سابق عهده.
أردت هنا أن أسأل:
هل هذا نتاج لغضبة الطبيعة فعلا، حين يثور النيل كل تلك الثورة، ويتمدد خارج مجراه، ملغيا لعهود الجيرة مع جيرانه الأوفياء؟ أم هو جزء من منظومة الظلام التي كنا نعيش فيها سنوات طويلة، ولم يستطع الفجر الذي ولد مع ثورة كانون الأول/ ديسمبر المجيدة، أن يمحوها تماما حتى الآن؟
في بحثي عن معنى بسيط لمصطلح: البنية التحتية، وجدت أنها تعرف بأي شيء يلزم للحياة اليومية، أي أي شيء يستخدم بشكل تلقائي يوميا، من دون التفكير في غيابه، أو زواله.
ولو طبقنا هذا التعريف على ما نجده في السودان، لما عثرنا على شيء من المفترض أنه يومي، موجود بشكل يومي فعلا، فالكهرباء مثلا فكرة يومية، لكنها فعليا ليست كذلك، الماء، الخبز، الشوارع السلسة، الخالية من الحفر والقاذورات، المستشفيات النظيفة، غرف العناية المركزة، وهكذا آلاف الأشياء الداخلة في تعريف البنية التحتية. كلها أفكار نظرية لكن لا وجود فعليا لها، وهنا بالتحديد نتساءل ذلك السؤال العريض:
هل كنا فعلا تحت مسؤولية حكومة حقيقية، من واجباتها، دعم سلاسة البنية التحتية، وتحويل الأفكار النظرية إلى حقائق، والعض عليها، أم كنا تحت مسؤولية سراب؟ خاصة أن البلاد كانت مليئة بالخيرات، قبل أن تجفف؟
الإجابة معروفة طبعا، ولو كان ثمة نشاط تنموي طيلة تلك الثلاثين عاما المظلمة، لما أزالت الأمطار بيتا واحدا، ولما أغرق النيل قرى، كان يمكن أن تكون مبانيها مسلحة ضد الغضب، ولا أضاعت الشوارع الغاصة بالحفر أرواحا طيبة، ولا حدثت أشياء كثيرة، ما كان لها أن تحدث.
بعض الناس يقولون إن الإقامة بالقرب من النهر سبب كبير لضياع أرواح وممتلكات من يقيمون، وعلى الناس الابتعاد، وهنا نذكر بأن النهر واهب حياة كبير، والناس طالما أقاموا بجانبه في وئام، وأن هناك شيئا اسمه تحسين تلك الإقامة بمساكن لائقة، وسدود، وخدمات أخرى تدخل في صميم فكرة البنية التحتية، التي هي مسؤولية الدولة في النهاية.
ولا بد أن نذكر أن المساعدات العاجلة، والحلول السريعة، والإيواء في خيام أو داخل مدارس، أو عند أقارب ما للمتضررين، ليست حلولا حقيقية. فما دامت الفكرة ما تزال فكرة، ستعود الأمطار الغزيرة مرة أخرى، وقد يعود الفيضان الشرس، وتعود نداءات الإغاثة، وهكذا.
الآن كما نعرف، مضى عام منذ تشكيل حكومة مدنية مؤقتة، مع مجلس عسكري، هو مجلس السيادة، وثمة محاولات كثيرة جدا للإمساك بشيء، مثل محاربة الفساد، وفضح المفسدين، ومصادرة ما تمت سرقته. لكن في الوقت نفسه، لا جديد في خفض المعاناة، فالمعاناة كما هي، أي الفكرة النظرية للبنية التحتية كما هي، وزادت عليها تداعيات وباء كورونا، وتداعيات الفيضان.
في النهاية، نحن لا نبحث عن زمن جميل، ولا نريد استعادة زمن جميل، لأن في الحقيقة لا زمن جميلا مر ببلادنا قط.
فقط نريد وطنا بقليل من فكرة البنية التحتية.
* كاتب سوداني