الناصرة ـ «القدس العربي»:
أظهر استطلاع أُجريَ بين اليهود في إسرائيل مؤخراً، ونُشر في ملحق صحيفة «هآرتس» (نعم للترانسفير) أن 82 في المئة يؤيدون التهجير القسري في غزة، و56 في المئة يؤيدون تهجير الفلسطينيين من مواطني إسرائيل (فلسطينيو الداخل) ضمن نتائج أثارت صدى واسعاً. بيد أن مجموعة باحثين إسرائيليين تعتقد أنه مبالغ فيها. ويقول الباحثون ليئور شيفر، ألون يكتير وياعيل شومير في مقال مشترك، إن النتائج صدمتهم لدى قراءتها، لسبب آخر: الاعتقاد أنها غير دقيقة. ويعلل هؤلاء رؤيتهم بالقول إنه في الفترة نفسها تقريباً، أُجريَ في جامعة تل أبيب استطلاع معمّق وواسع النطاق في إطار بحث يتعلق بالانتخابات الإسرائيلية، فسُئل المشاركون عمّا إذا كانوا يوافقون على حل في غزة يشمل نقل السكان. منوهين أن نسبة التأييد بين المشاركين اليهود في الاستطلاع بلغت 53 في المئة، و45 في المئة بين عموم الإسرائيليين، بمن فيهم المواطنون العرب؛ بعبارة أُخرى، إن نسب التأييد الفعلية لمقترحات الترانسفير مرتفعة من دون شك، لكنها بعيدة جداً عن أن تعكس إجماعاً شعبياً. ويتساءل هؤلاء في مقالهم المشترك المنشور في صحيفة «هآرتس»: كيف يمكن أن تكون نسبة التأييد للترانسفير في الاستطلاع الذي نُشر في «هآرتس» أعلى بنحو 30 في المئة من تلك التي ظهرت في بحث جامعة تل أبيب؟ وعن ذلك يتابعون: «أولاً، يشير تحليل البيانات الخام (التي شارك فيها كاتبو المقال بشفافية كاملة) إلى مشكلات في العيّنة، وهي المسؤولة، إلى حد كبير، عن تضخيم نسبة التأييد للترانسفير». طبقا للباحثين الثلاثة تشمل هذه المشكلات تمثيلاً مفرطاً لمجموعات اليمين، مثل الشباب وناخبي حزب الليكود، مقارنةً بحصتهم الحقيقية في المجتمع، وكذلك وجود مشاركين «مشبوهين»، فعلى سبيل المثال، 30 في المئة ممن عرّفوا أنفسهم في الاستطلاع بأنهم ناخبون في حزب العمل، أجابوا بأنهم يؤيدون قتل جميع السكان في المدن التي يحتلها الجيش الإسرائيلي.
مشكلة تقنية
ويرون أن هناك عاملا إضافيا للنتائج الحاسمة يتعلق بصيغة الأسئلة: اضطر المشاركون في الاستطلاع إلى اختيار «جانب» معيّن. لم تكن هناك خيارات، مثل «لا أعلم»، أو «لست متأكداً»، وعندما يُجبر المشاركون على اتخاذ موقف، فإنهم سيعبّرون عن موقف، حتى لو لم يكن لديهم موقف. وللمقارنة باستطلاع آخر أجراه معهد «أكورد» في شهر شباط/فبراير، وسُئل فيه المشاركون اليهود عن دعمهم لترحيل سكان غزة، فإن ربعهم لم يكن لديه أيّ موقف. حتى غياب الرأي هو بحد ذاته رأي، وله أهمية كبيرة. ويقولون إنه بعيداً عن الجوانب التقنية، نعتقد أن اختيار الأسئلة في الاستطلاع يطمس، بشكل غير عادل، التعقيد والارتباك العميقَين اللذين يميزان الرأي العام الإسرائيلي، حالياً، بشأن مستقبل الصراع، وعندما نوسّع الزاوية، فمن جهة، نكتشف وجود كراهية شديدة وشك، ونزع الصفة الإنسانية عن الفلسطينيين، وهي مشاعر تصاعدت كثيراً منذ 7 أكتوبر. ويمضون في محاولة الإقناع بأن نسبة مؤيدي التدمير والتهجير أقل مما نشر: «لكن في المقابل، لم تحدث انزياحات نحو اليمين فيما يتعلق بالحلول المطروحة للصراع، وحالياً، لا يوجد أيّ تصوُّر يحظى بأغلبية واضحة في المجتمع: ففي بحث جامعة تل أبيب، أيّد 37 في المئة من الإسرائيليين حلّ الدولتين، و34 في المئة أيّدوا حلّ الدولة الواحدة، من دون حقوق للفلسطينيين».
الترانفسير
طبقا للباحثين الإسرائيليين الثلاثة فقد عُرضت في هذا البحث على المشاركين أيضاً قائمة لخيارات عمل ممكنة بشأن غزة، إلى جانب الترانسفير، وتبيّن أن 44 في المئة من المشاركين يؤيدون نقل السيطرة على غزة إلى جهات دولية، أو إلى دول أجنبية، وهي نسبة مشابهة لتلك التي تؤيد الترانسفير. في المقابل، هناك فقط 15 في المئة من الجمهور يؤيدون إعادة بناء المستوطنات في القطاع. حتى بين أولئك الـ45 في المئة الذين يؤيدون الترانسفير، تبدو الصورة أكثر تعقيداً مما يُعتقد: لقد أيّد نصفهم نقل السيطرة على غزة إلى جهات أجنبية، وفقط ربعهم أيّد دعمه لبناء مستوطنات. لكنهم يقرون أنه في كل الأحوال، لا شك في أن هذه النتائج صعبة، وسرعان ما يتساءلون متحفظين: لكن هل تعكس آراءً مستقرة، أم أنها انعكاس لظروف موقتة؟ إن شيطنة العدو ودعم القتل العشوائي وترحيل السكان، للأسف، هي سِمات مألوفة في الصراعات الإثنية – القومية، مثل صراعنا، وبصورة خاصة في أثناء القتال النشِط. إن الخوف وانعدام الأمل يعززان هذه التوجهات، ووفقاً لبحث جامعة تل أبيب، نحن فعلاً نخاف: يعتقد ثلثا الإسرائيليين أن الهدف النهائي للفلسطينيين هو احتلال إسرائيل وإبادة جزء كبير من السكان اليهود. يجب فهم هذه النتائج في ضوء هذه الحقيقة أيضاً، والحذر من الافتراض أنها ستظل على حالها، إذا ما انتهت الحرب.
أفكار ترامب
وبالنسبة لهم لا تقلّ أهمية عن ذلك الحقيقة القائلة إن الدعم للحلول المختلفة يتوقف تماماً على وجهة النظر السياسية التي يعرضها قادة إسرائيليون، فعندما يشجع وزراء حكومة نتنياهو على «حلول» ترانسفير متطرفة، تعني ارتكاب جرائم حرب، من دون أن تُسمع معارضة حازمة من قادة المعارضة، وطبعاً، عندما يتبنّى رئيس أقوى دولة في العالم أفكار الترانسفير، فإنه بذلك يمنح مثل هذه الخطوات شرعية معيارية، وعندما لا تُبلور المعارضة رؤية بديلة واضحة من حل الصراع، فإنها تتخلى عن الساحة العامة لمصلحة الأفكار المتطرفة. ويضيفون: «بعبارة أُخرى، يتنقّل الرأي العام، تبعاً لتغيُّر حدود الخطاب، ويثبت التاريخ أنه يمكن أن يتغيّر أيضاً في الاتجاه المعاكس: في ثمانينيات القرن الماضي وبداية التسعينيات، أيّد ثلثا الجمهور، تقريباً، تشجيع هجرة العرب من إسرائيل، وبعد سنوات قليلة فقط، وبعد توقيع اتفاقيات أوسلو وإنشاء السلطة الفلسطينية، أيّد 11 في المئة فقط من الإسرائيليين ضمّ المناطق وترحيل السكان. أمّا إقامة دولة فلسطينية، التي لم تتجاوز نسبة التأييد لها 10 في المئة في الثمانينيات، فأصبحت خلال فترة قصيرة الحل المفضّل لدى نصف الإسرائيليين».
في الخلاصة
وفي الخلاصة، يقول هؤلاء الباحثون إن دعم الترانسفير اليوم، ومن شبه المؤكد أيضاً دعم الجرائم، مثل إبادة السكان، هو أقلّ كثيراً من الصورة التي رسمها الاستطلاع المنشور في «هآرتس». ورغم من أن النتيجة التي تشير إلى أن نحو نصف الجمهور يؤيد ترحيل الفلسطينيين من غزة تُعَد مقلقة، فإن هناك أسباباً وجيهة للاعتقاد أن هذا الدعم لا يستند إلى قناعة أيديولوجية عميقة، ومن المرجّح أنه لا يرتبط بتصريحات الحاخام يتسحاق غينسبورغ التحريضية، التي قُدّمت في التقرير كمحرّك رئيسي لهذا التوجّه، على الرغم من عدم وجود أدلّة مُقنعة على أن أطروحاته الوحشية لاقت قبولاً واسعاً بين أغلبية الجمهور. وطبقا لهذه المزاعم فإن دعم الترانسفير في إسرائيل قائم بالتزامن مع الاستعداد لدعم حلول أُخرى، ووجوده مرتبط بالأجواء السياسية، وبمساحة الشرعية في الخطاب العام. ويتابعون: «نحن نؤمن بأن هناك في إسرائيل إمكاناً لدعم جماهيري واسع لحلول إنسانية ومستدامة للصراع عموماً، وللحرب بشكل خاص. من أجل تحقيق ذلك، هناك حاجة إلى قادة سياسيين وشخصيات عامة تناضل من أجل هذه الأفكار بشجاعة وإصرار، وتطرح رؤية بديلة من اليوم الذي يلي انتهاء الحرب».