فكرة عن الكتابة تناسب الكبرياء

حجم الخط
0

عناية جابر

افلت من سحر الكتابة تحت تأثير الاخرين. اعمل الآن علي كتابة تسحرني. وبقدر ما اراني استعيد شغفي البدائي الي كتابة خالصة من القاريء المفترض، فلم يعد بعد ما يحملني علي التراجع. وجدت صفحة لا بد انني كتبتها منذ عهد بعيد حين كنت طفلة: كم اتمني ان يخلو هذا البيت من امي وابي واخوتي، فلقد اضناني (هكذا كتبت، اضناني) ان اعيش مع كل هؤلاء الناس في بيت واحد. اصبت بالذعر، هل تتمني طفلة في التاسعة ان تعيش في الوحدة، في الراحة والعذوبة كما كنت كتبت. هل الطفولة ام الكتابة من كانت تنشد الوحدة؟ هل تجرأت انا الطفلة ذات السنوات التسع وكما بدا في صفحتي المهترئة التي وجدت، علي البحث في محارة العائلة الدافئة، وفي معني البيت الذي يتوق اليه الجميع كبارا وصغارا، عن فراغ وحرية كما كتبت، وكما جال باخلاص في رأسي وقلبي الصغيرين؟ هل اردت فعلا ان اقذف نهائيا في الوحدة البالغة؟

لكي اتأكد من انني كتبت ما كتبت فعلا، ومن انني رغبت بعمق ان يخلو بيت العائلة من سواي، اقتربت من حقيقتي اكثر، وعرفت مدي السهولة التي استعمل بها جسدي فعلا، في الاماكن التي اذهب اليها الآن، وتؤويني وحيدة، الاسفار، القطارات، غرف الفنادق، الشقق المستأجرة، فلا احترس في الفتها، ولا انادي احدا يسليني. لا صديقا ولا غريبا.

اجل، انا منتصرة في الليل الغريب، والنهار الغريب والمكان الغريب. ولطالما اعتبرت العجز عن البقاء وحيدة، نوعا من العاهة. تجدني احتمي بأية جدران تبذل نفسها لأجلي، واعاهد نفسي دائما: سأعيش يوما وحيدة، سأفعل. غير اني لأسف، كنت عاقلة في الحياة. ودوما المسافة بين انفعالات روحي وقراراتي تذعرني. وعلي هذا عشت في ما بعد في بيت عائلي، تماما كما ربيّت في بيت عائلي، وان بقيت لروحي امزجتها. اكتشفت ان الأسف علي الوحدة، لا يكون مجرد حنين او كآبة، بل يكون الما.

هل كنت استدعي الكتابة في عمر التاسعة؟ ام الوحدة فعلا ما استدعي؟ هل للكتابة وللوحدة الاستدعاء نفسه؟

هل كان احد ابناء الجيران، الذي ظننت حين رأيته اني قد ربحت العالم، وان ليس بوسعي بعد ان رأيته، الا اكتب؟ هل تنفسي الصعداء، برحيله مع اهله عن حينا هو خلاصي من احد آخر يهز وحدتي؟

حين كنت في التاسعة، كانت فكرتي عن الكتابة تناسب كبريائي. كبرياء طفلة في التاسعة تمنت بشدة ان تحصل علي خنجر فضي صغير، كان يبرق ويهدد، في ايدي كل الصبيان الزعران في حينا حينذاك.

في الكتابة الآن، احب ان آتي الاشياء في غليان ومن دون كبرياء. في حمق وتواضع، ولم يعد ثمة حاجة الي الفتنة لأفتن. لا اثق بالناس الذين لا يقرأون الكتب، ومن شدة حاجتي الي تعلم الطبيعة، كل شيء فيها يعلمني. السماء و المناظر تهمني جدا، ولا يمسني الا قليلا الشعراء، انهم يدللون علي الاشياء ولا يقولون عليها.

ان اكتب. ان آخذ العالم علي عاتقي، ان اوليه ظهري. ان لا اطلب من الأدب اي صفاء انساني. ان اتكلم لغة ارضية. ان اخدع واخدع ولا أرثي للفارق بين الكلمة والشيء. ان اكتب، هو ان اكف عن التطابق مع ما اكتب. واكونه ايضا، واستعير من الاحداث اشياءها الثانوية. ان اسبح ان اكون وحيدة في الكلمات، ان اتبلل، ان احب اخطبوطا، ان تكون الشمس جمال كتفي وارنبة انفي، ان تكون الكتابة ستارا، ممزقا اولا واخيرا.

عدت بذاكرتي الي عمر التاسعة حين قرأت ما قرأت. كانت لي صديقات ثلاث حينها، مرتبات مزينات شعورهن بشرائط وردية وزرقاء. كتبت حينها بأنهن قليلات (ثلاث صديقات) وكتبت في لطفهن والوان شرائطهن. الآن اكتب في ان الامور لن تسوي، وانني اتهيأ للفظاعة، وانني اتلف اوراقي بلا جدوي، وانها طلقات رشاشة هذه التي تزنر الارض، وكل شيء مسمم. واكتب بأنني العذبة، مع ذلك انت لا تأتي.

انني النظر الوحيد الي كتابتي، من اجل هذا لا اصدق الكثيرين، في هذه النقطة يبدو لي انني علي صواب. طبعا، يحلو لي ان يقرأني احد، ولكن لا يهمني ان لم يفهمني. لا اركز علي ان اكون احدا، بيد اني اعرف انني كثيرة حين اتداخل خفية الي العالم، واتمتع بفراغه الموحش، واؤذي الضجر، افسده.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية