بعد 15 شهرا من اقتلاع غوش قطيف ومستوطنات شمالي القطاع والضفة الغربية، يبدو أن الكثيرين يفضلون عدم الحديث عن هذا الحدث الصعب الذي حظي في حينه باسم فك الارتباط، غير الملائم له. والأكثر من ذلك ايضا هم يفضلون عدم التفكير فيه. لماذا يوجعون رؤوسهم في هذه الايام التي توجد فيها مصائب اخري؟ ومع ذلك، وبالرغم منه، يتوجب أن نتحدث عنه وأن نفكر فيه. كيف كان بامكاننا أن نرتكب هذا الخطأ؟.
هناك أمر واحد واضح. ليست الاغلبية دائما علي حق. هناك امثلة كثيرة في المجتمعات الديمقراطية حول ذلك. في نهاية المطاف هذا سبب أساسي للانتخابات ـ حتي يكون من الممكن استبدال اشخاص اخطأوا بأناس كانوا علي حق في مواقفهم. ولكن في هذه الحالة توجد لدي الاغلبية قناعة كبيرة بصدق موقفها، ولذلك لم تتنازل بالمرة للأقلية الكبيرة التي عارضت العملية.
فك الارتباط اشتهر بصفته انتصارا للديمقراطية وليس أقل من ذلك. أنصاره حملوا للعالم حزبا جديدا وأدخلوا الساحة السياسية كلها في حالة إرباك وتسببوا في حالة النشوة في التحول الي أكبر حزب في الكنيست. حزبهم، كديما، أصبح قائدا للحكومة الجديدة، وانبلج فجر جديد علي شعب اسرائيل ـ علي حد قولهم. فك الارتباط كان من المفترض ان يؤدي الي اعادة الانتشار، والي سلسلة اخري من الانسحابات أحادية الجانب واقتلاع المستوطنات.
ولكن المسألة لم تستمر لفترة طويلة علي ارض الواقع. سرعان ما تبين لاغلبية مواطني اسرائيل ان الانسحابات أحادية الجانب قد شقت الطريق نحو التدهور المتواصل أمنيا وجلبت لاسرائيل أكثر الحكومات في تاريخها، فشلا.
كيف خدع مثل هذا العدد الكبير من الاسرائيليين بذلك؟ يبدو ان اغلبيتهم لم تنظر الي وراء الشعارات الفارغة التي طرحها عليهم مُسوقوا كديما. علينا الانسحاب من غزة، فليس لنا ما نفعله هناك، قالوا لهم. في الواقع نحن لم نكن في غزة باستثناء نتساريم وكفار دروم. غوش قطيف ومستوطنات شمالي القطاع كانت جيوبا معزولة في المناطق التي لا يعيش فيها الفلسطينيون. بعد فك الارتباط عاد الجيش الي غزة للانتقام والي الاماكن التي اضطر المستوطنون لمغادرتها. فك الارتباط سيضمن وجود الدولة اليهودية الديمقراطية. كان من الممكن أن يكون لهذا الشعار الفارغ معني لو كان البديل الأساسي لفك الارتباط هو ضم غزة لاسرائيل، الا ان أحدا لم ينادِ بمثل هذه الخطوة. هذه خطوة هامة ستؤدي الي التسوية مع الفلسطينيين. الا ان الفلسطينيين اعتبروها انتصارا لاعمالهم الارهابية، الأمر الذي شجعهم علي مواصلة هجماتهم ضد اسرائيل. الانسحاب لم يؤدِ إلا الي تقريب صواريخ القسام من بعض التجمعات الاسرائيلية وإتاحة المجال لتهريب السلاح بأحجام كبيرة لتصبح أمامه مشكلة أمنية صعبة. الآن اختفت المستوطنات والصواريخ ما زالت تنهال علينا بصورة يومية، والجيش يخصص عمليات واسعة النطاق في غزة ويطلق القذائف المدفعية التي تتسبب باصابة مدنيين كثيرين.
ليس من السهل دراسة الجانب الاسوأ في هذه الخطوة الخاطئة الفظيعة، هل تتمثل المسألة بالمأساة الانسانية التي عاشها آلاف المستوطنين المُقتلعين من منازلهم. هل يعتبر ذلك تنازلا للارهاب، وهل هو مؤشر علي أننا مستعدون للانسحاب حتي حدود ما قبل حزيران (يونيو) 1967؟.
يتوجب أن نضيف الي كل ذلك القرار المصيري المتمثل بتكليف جيش الشعب نفسه باخلاء المستوطنين من منازلهم، الأمر الذي ورطهم في خطوة انقسامية سياسيا.
موشيه آرنسوزير دفاع سابق(هآرتس) 15/11/2006