فلسطينيون على محوري الوطن والمواطن في دولة اليهود.. في مرآة التواصل الاجتماعي

وديع عواودة
حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: كما في هبة الكرامة في مايو/ أيار الماضي شهدت منتديات التواصل الاجتماعي كما متوقع عاصفة من التفاعل مع قضية الأسرى وإلقاء القبض على أربعة منهم وعكست جدلا متجددا حول معضلة فلسطينيي الداخل الممتدين على محوري الوطن والمواطنة حيث يجعل الصراع الكبير التوفيق بينهما سهلة صعبة للغاية.

من جهة أولى ينتمي هؤلاء لشعبهم الفلسطيني وروايته التاريخية ولقضيته الوطنية رغم كل محاولات الطمس والتزوير والتغييب والتهويد، ومن جهة أخرى هم مواطنون في الدولة التي تحتل وطنهم الكبير منذ 1948 يحملون بطاقة هويتها الزرقاء وبها تتمسك الغالبية العظمى منهم بالأساس من أجل حماية البقاء المهدد منذ النكبة وهم يلاحقون ويقاضون على عدم احترام قوانينها كما حصل مثلا خلال هبة الكرامة في أيار الماضي حيث اعتقلت نحو 2500 من شبابهم لمشاركتهم في احتجاجات مناصرة للقدس ولغزة خلال عدوان “حارس الأسوار ” عليها.

وفي الساعات الأولى من نشر الرواية الإسرائيلية من قبل الناطقين بلسان الشرطة والصحافة العبرية بأن إلقاء القبض على الأسيرين في الناصرة جاء بفضل وشاية عائلة فلسطينية من المدينة ذهب عدد كبير من المعقبين للنقد أو الجلد الذاتي والتعميم واضعين الـ80 ألف نسمة القاطنين فيها في قفص التشكيك والاتهام ناسين ماضي وراهن مدينة الشاعر الراحل توفيق زياد وسط تلقف للرواية الإسرائيلية دون التدقيق بمراميها والحذر من مآربها.

وفيما يلي نورد بعض مضامين منتديات التواصل الاجتماعي التي تنشر تباعا وسط دعوات للتريث والتهدئة والحذر خاصة أنها شهدت ما يتجاوز النقد نحو التراشق والتشكيك بين أبناء المجموعة الفلسطينية الواحدة وأبناء الشعب الفلسطيني الكبير.

شق الطريق بالمعلقة رمزية كبيرة

وبهذا المضمار حذر المؤرخ بروفيسور مصطفى كبها من النشر جزافا بالقول: مرة أخرى نقول للمتسرعين المصدرين للأحكام العشوائية غير الموزونة: كفوا وعفوا وترووا. هذا الرهق وهذا التسرع الذي رافق وميّز ردود الأفعال حيال حالتي هروب الأسرى والاعتقال المتجدد لبعضهم، له الكثير من الدلالات المقلقة وأهمها انقطاع النفس الطويل واللجوء للتعميمات دون معرفة واثقة، والتراشق الفئوي البغيض والوقوع في شراك الحرب النفسية الإعلامية والدعايات المضللة و”أستذة” البعض وغوصهم في عالم تحليلات غيبي وفي بعض الأحيان غبي وضحل. هذه الدلالات يجب أن تقرع جرس التنبيه وتحتم علينا تغييرا جذريا بالسلوك، تغييراً يجلب لنا رجاحة تقدير وحسن تبصر يبعدنا عن مهالك الاحتراب الداخلي ويدرأ عنا الغوص في حمأة جلد الذات والإغراق بالتفكك والتفكيك”.

ويرى كبها أن حادثة الهروب شكلت علامة فارقة في تاريخ الحركة الأسيرة وندبة عميقة لن تنساها مصلحة السجون، مشددا على كونها حادثة عادت ووضعت شؤون الحركة الأسيرة على رأس الأجندة لتسرّع الخطوات الداعية لوجوب اتخاذ كافة السبل لمعالجتها. ويتابع “أما الاعتقال المتجدد فهو أمر كان متوقعاً في غياب مساحات رحبة للمناورة أهم سماتها قلة الوسائل الممكنة للبقاء خارج الحيز فترة طويلة وعدم وجود عمق بشري معد سلفا للدعم والاحتضان وصعوبة التضاريس وكثافة عمليات التفتيش والتمشيط واستعمال أفرادها لأفضل التقنيات التي لم تتح للأسرى الفارين حرية الحركة لا ليلا ولا نهارا”.

وخلص لقول إن كل هذا لا ينتقص من القيمة النوعية لعملية الهروب ولا ينتقص من الأسرى الفارين الذين رأوا أمامهم نفقاً مظلما لا بصيص يظهر من خلاله فعمدوا إلى شق الطريق نحو النور حتى بمعلقة وهو أمر فيه من الرمزية الشيء الكثير”.

أنا حمزة يونس فلسطيني من داخل الخط الأخضر

وكتب الأسير المحرر حمزة يونس (80) من مكان إقامته في السويد والملقب بـ”الزئبق” لهربه ثلاث مرات من سجون إسرائيلية: تمكنت أن أهرب من سجون الاحتلال ثلاث مرات. كنت أهرب كل مرة من السجن والمطاردة دون مساعدة من مؤسسات أو أجهزة رسمية. أرغب أن توثق هذه التجربة الفريدة. شكرا لكل من يساعدني لتحقيق هذه التجربة”.

هنا باقون

وحذر مدير مدرسة “الجليل” الثانوية البلدية في الناصرة المربي فيصل طه من تبعات الغفلة فقال: “اليقظة وعدم حرف البوصلة وجرفها، المعركة الأساس هي على وجودنا وبقائنا بكرامة، على تمسُّكنا بالوطن وتماسكنا المنيع، على ثقافتنا.. ذاكرتنا.. تطورنا.. على الأمل، وعلى عودة الأهل، أصحاب الأرض ومفتاح الدار. اليقظة اليقظة.. إنّا هنا باقون.. فلتشربوا البحر. توفيق زياد”.

السجن الكبير

من طرفه كتب دكتور رائف زريق المحاضر في فلسفة القانون في جامعة تل أبيب ما لا يخلو من نقد ذاتي على المستوى الفلسطيني العام بعد إلقاء القبض على الأسرى الأربعة: “الان يبدو واضحا أكثر من ذي قبل أن المشكلة الأساس لا تكمن في جدران السجن.. هذه المشكلة أثبت أنه يمكن تجاوزها.. المشكلة في العالم خارج جدران السجن.. هذا العالم الذي لم يعد فيه مكان يستطيع الفلسطيني أن يهرب إليه”.

إنا باقون على العهد

واعتبر الأسير المحرر أمير مخول إن ما يجري الآن هو “حرب على معنوياتنا – حرب على معنويات الشعب وتابع في منشوره على صفحته: “لن تنحفر صورة في الوجدان الفلسطيني ولا في الإخفاق الإسرائيلي، كما هي صورة فتحة نفق الحرية. المسعى الإسرائيلي الحالي هو احتلال معنويات شعبنا الفلسطيني، وزرع الشك والشقّ  بين مكوناته في الداخل وفي الضفة والقطاع. لكن المعنويات والإرادة هي ملك أصحابها فقط. لا يمكن للأسرى حين خططوا تحرير أنفسهم إلا وأخذوا بالحسبان كل الاحتمالات وفي مقدمتها الحريّة وبذات المدى الشهادة، وكذلك إلقاء القبض عليهم أحياء. القوات والمنظومة الأمنية التي استخدمتها إسرائيل في الأيام الأخيرة تضاهي آلة حرب واحتلال متكاملة، مقابل ستة محررين. إرادة الشعب ومعنوياته هي مساحة الشعب الحرّة والمحرّرة. مسؤوليتنا أن نصونها. وسنبقى ننشد صوت الناصرة والداخل ورمز شعبنا توفيق زياد. يا شعبي يا عود الند يا أغلى من روحي عندي إنا باقون على العهد”.

كما كتب بهذه الروح الأسير المحرر ومدير جمعية أنصار السجين داخل أراضي 48 منير منصور: “لن يستطيع الاحتلال ضرب أبناء الدم الواحد شعب واحد جسد واحد قلب واحد”.

في ظلال العصافير الأسيرة ظهر بوضوح كل ما نعيشه، بالمختصر

آما آمال روحانا – طوبي الناشطة الأهلية التي تكتب تعليقات وتحليلات اجتماعية وسياسية، فكتبت تحت عنوان “ملاحظات صباحية… في ظلال العصافير الأسيرة” :في الصورة التي تُظهر النظرة الثاقبة لمن أُعيد تقييده وأُجلس بين أربعة رجال شرطة “أحرار”، إذا نظرنا جيداً فلن نجد أيٍ منهم فعلاً حر. في الصورة التي تُظهر الابتسامة بالفوتوشوب ليس علينا أن نشعر بذنب “تزييف” ابتسامة تمسح عن القلوب بعض ضيقها، أمام من زيّف التاريخ والأسماء والجغرافيا”.

وعلى خلفية مهاجمة الصحافي علي مغربي من قرية الرينة قضاء الناصرة العامل كمراسل في القناة العبرية 13 من قبل متظاهرين متكافلين مع الأسرى أثناء مظاهرة ليلة السبت في المدينة قالت: “في موضوع الصحافيين العرب في القنوات العبرية، علينا نبذ العنف ضدهم ولكن يحق لنا من جهة أخرى أن نقول بأنهم وجهنا أمام العالم وأمام المجتمع الإسرائيلي وهذا الوجه يجب أن يتكلم باسمنا دون مواربة ودون اندماج تام برواية الإعلام العبري”.

وعن التبليغ أقول بأنه بغض النظر إن كان قد تم فعلاً أو أن ذلك تلفيق فذلك لا ينفي وجود أشخاص بيننا قد أضاعوا هويتهم داخل واقعٍ مُركب. هذه بحد ذاتها قضية، وبحد ذاتها نتيجة لواقع لم نختره، ولغياب الأحزاب الوطنية عن الشارع منذ سنين طويلة فلماذا الانكار. في ظلال العصافير الأسيرة ظهر بوضوح كل ما نعيشه، بالمختصر!

خَلَقَ الخَليقَةَ رَبُّنا في سِتَّةٍ

وكتب ما هو مستوى من ملحمة الهروب من السجن الحصين الشاعر جريس دبيات ابن بلدة كفركنا في الجليل:

خَلَقَ الخَليقَةَ رَبُّنا في سِتَّةٍ

وأَتَمَّها كَيْ يَسْتَريحَ السَّابِعَا

واخْتارَ مِنْ بَيْنِ البَرِيَّةِ سِتَّةً

قَلَبوا المُحالَ فَصارَ أَمْرًا واقِعا

والمُعْجِزاتُ رَمَتْ لَهُمْ مِفْتاحَها

لِتَرَى مِنَ السِّحْرِ الغَريبِ رَوائِعا

مِنْ تَحْتِ أَرْضٍ بِالحَواجِزِ أُحْكِمَتْ

فَتَحُوا بِمِلْعَقَةِ الطَّعامِ مَطالِعا

ومَضَوْاإِلَى الأُفْقِ البَهِيِّ وأَطْلَقوا

مِنْ أَضْيَقِ الأَنْفاقِ نُورًا ساطِعا

حَفَروا بِأَنْفاسِ الكَرامَةِ دَرْبَهُمْ

لِيَكونَ لِلْأَحْرارِ نَهْجًا واسِعا …

يا شَعْبَنا ما دُمْتَ تُنْجِبُ مِثْلَهُمْ

سَأَظَلُّ بَيْنَ يَدَيْكَ رَأْسي رافِعا !!!

الفشل الفلسطيني

من جهته كتب الكاتب الفلسطيني المهجّر من مدينة اللد من مكان إقامته في الولايات المتحدة برؤية فلسطينية جامعة: “دعكم من السياسة ومشاغلها ومتاعبها وتعقيداتها، ففي قصة الأسرى المحررين ما يبعث على شديد القلق، ومؤشر على عمق وشمولية الأزمة الفلسطينية… فنحن إزاء فشل فلسطيني بكل معنى الكلمة، ثمة فراغ قيادي مهول، وافتقاد للشعور بالألم الجمعي، وتراجع في حال التضامن، وانحسار في الروح الوطنية الجمعية.. هذا يشمل الفلسطينيين في مختلف أماكن وجودهم، في 48 و67 وبلدان اللجوء والشتات، فالتفكك، أو التذرر، لم يعد يقتصر على التجمعات الكبرى، وإنما بات في كل تجمع.. دعكم من مشاعرنا الفردية، العاطفية، فنحن نفشل على صعيد جماعي، وهذا لا يجعلنا قادرين على استثمار كفاحنا، وتضحياتنا.. نعم القيادة/السلطة تتحمل مسؤولية كبيرة وأساسية عما نحن فيه، لكن الفصائل كلها، العاجزة والمتكلسة، تتحمل مسؤولية.. المثقفون والأكاديميون يتحملون مسؤولية، بعدم وعيهم ذاتهم وضعف تمثلهم لدورهم.. هذه حالنا للأسف”.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية