فلسطينيو الداخل والكنيست الإسرائيلي.. رحلة جبلية صعبة بين الوطن والمواطنة

حجم الخط
1

الناصرة- “القدس العربي”: بعد النكبة الفلسطينية عام 1948 ونشوء إسرائيل بلغ تعداد العرب، الذين صاروا مواطنين فيها ويعرفون بـ “فلسطينيي الداخل”، نحو 150 ألف نسمة، وشارك هؤلاء في انتخاباتها البرلمانية منذ الجولة الأولى في مطلع 1949.

في الجولات الانتخابية الإسرائيلية، خلال فترة الحكم العسكري طيلة العقدين التاليين للنكبة، شارك المواطنون العرب بنسبة تصويت عالية جداً تجاوزت نسبة مشاركة المواطنين اليهود أحياناً.

 في انتخابات الكنيست الأولى بلغت نسبة مشاركة العرب في عملية الاقتراع نحو 70%، بينما كانت النسبة العامة 87%. وفي انتخابات الكنيست الثانية بلغت نسبة العرب 86%، فيما كانت نسبة التصويت بشكل عام 75%. وفي انتخابات الكنيست الثالثة وصلت نسبة تصويت العرب لـ 91%، وهذه أعلى نسبة تصويت لدى العرب في تاريخ الانتخابات البرلمانية الإسرائيلية.

 وبقيت نسبة تصويت المواطنين العرب أعلى مما لدى نظرائهم اليهود في الجولات الانتخابية المتتالية للكنيست حتى انتخابات 1973. ويعتبر مؤرخون وباحثون أن نسبة التصويت المرتفعة جداً لدى فلسطينيي الداخل في تلك الفترة التاريخية هي وليدة الرغبة بتثبيت البقاء والنجاة من التهجير في ظل أفكار ومخطّطات ومحاولات تهجير أخطرها مذبحة كفر قاسم، التي ارتكبت في مثل يوم أمس من أكتوبر 1956. كما يرى الباحثون في تفسيراتهم أن مرد إقبال فلسطينيي الداخل وقتها على المشاركة في انتخابات الكنيست نظام الابتزاز المعتمد من قبل نظام الحكم العسكري الإسرائيلي، الذي منح تصاريح عمل أو سفر، وغيرها من التسهيلات، مقابل المشاركة في التصويت للحزب الحاكم، حزب “مباي”، أو للقوائم العربية الوهمية الدائرة في فلك “مباي”.

القوائم الإسرائيلية التي بادر لتشكيلها حزب “مباي”، برئاسة دافيد بن غوريون، عرفت بتسميات عربية كـ “القائمة الديموقراطية الناصرة” برئاسة سيف الدين زعبي وأمين جرجورة، “القائمة الديموقراطية للعرب في إسرائيل” برئاسة سيف الدين زعبي وجبر داهش معدي ومسعد قسيس، “قائمة التقدم والعمل” برئاسة صالح خنيفس، “الزراعة والتطوير” برئاسة فارس حمدان، أو “القائمة العربية الموحدة” برئاسة عدد من المذكورين وحماد أبو ربيعة من النقب، وغيرها. لكنها، ورغم كونها عربية رسمياً، لم تملك قرارها بيدها، وقد حدّد سلوكها ومواقفها حزب “مباي” إلى درجة أن بعض ممثليها من الوجهاء العرب قد صوتوا لجانب استمرار الحكم العسكري أكثر من مرة، فيما كان حزب “حيروت”، برئاسة مناحم بيغن، يصّوت من أجل إلغائه باعتباره منافياً للنظام الديموقراطي، وقد اختفت قوائم “مباي” العربية هذه في 1981، بعد سنوات قليلة من يوم الأرض الأول عام 1976 الذي رفع منسوب وعي فلسطينيي الداخل وزاد من تمسكهم بهويتهم الوطنية.

 كما كان “الحزب الشيوعي الإسرائيلي” قد شارك في انتخابات الكنيست الإسرائيلية منذ الجولة الأولى عام 49، بقيادة النائبين الراحلين توفيق طوبي ومئير فلنر، وطيلة سنوات كانا الصوت المعارض الوحيد للسياسات الإسرائيلية الرسمية، إلى أن تأسّست أحزاب عربية وطنية لاحقاً، منذ منتصف ثمانينيات القرن الماضي. وبدءاً من انتخابات 1977 التي تلت يوم الأرض الأول، وفيها خسر حزب “العمل” الحكم للمرة الأولى لصالح حزب “الليكود”، بدأت نسبة تصويت العرب بالتراجع تدريجياً، حتى وصلت إلى أقل معدلاتها في انتخابات الكنيست الرابعة والعشرين في 2021، حيث استقرت على 45%، والآن تتنبأ استطلاعات الرأي بأنها ستتكّرر، ربما مع مؤشر ارتفاع تدريجي.

لمن يصوتّون

وظلت قوائم “مباي” العربية، والأحزاب الصهيونية، تستأثر بنصيب الأسد من أصوات الناخبين العرب حتى انتخابات 1977، وفيها صارت أغلبية أصوات العرب تمنح للأحزاب العربية: “الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة”، ولاحقا “الحركة التقدمية للسلام” (1984) و”الحزب الديموقراطي العربي” (1988) و”التجمع الوطني الديموقراطي” (1996) و”القائمة العربية الموحدة” (1996). وللتذكير كان “التجمع الوطني الديموقراطي” بقيادة عزمي بشارة قد خاض انتخابات الكنيست للمرة الأولى عام 1996 ضمن قائمة “الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة”، حيث شغل هو المكان الرابع، وزميله في حزب “التجمع” المكان السادس، ولاحقاً في الانتخابات التالية عام 1999 خاض “التجمع” انتخابات الكنيست الإسرائيلي مع “الحركة العربية للتغيير”، برئاسة أحمد الطيبي، وبعد شهرين من التحالف، وكما كان متوقعاً تم فكّ الشراكة بينهما. علماً أن “الحركة العربية للتغيير” قد خاضت كل الجولات الانتخابية منذ 1999 ضمن قوائم تحالفية مختلفة، منها وأكثرها مع “القائمة العربية الموحدة” المكونة في الأساس من الشق الجنوبي للحركة الإسلامية، وقبل ذلك خاضها بعض المرات متحالفاً مع “الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة”، كما هو الحال الآن.

حركة الأرض المحظورة

وكانت حركة “الأرض”، برئاسة صالح برانسي وحبيب قهوجي ومحمد ميعاري ومنصور كردوش وغيرهم، في منتصف ستينيات القرن الماضي “القائمة العربية الوحيدة” التي شطبتها لجنة الانتخابات المركزية الإسرائيلية، وصادقت على قرارها محكمة العدل العليا لاعتبارها “كيدية” وتؤيد “الإرهاب”، في إشارة لدعمها لمنظمة التحرير الفلسطينية. وكانت حركة “الأرض” قد تشكلت في منتصف خمسينيات القرن الماضي كحركة قومية عربية تأثرّت جداً بالمد الناصري، وعملت على تثبيت هوية فلسطينيي الداخل قومياً ووطنياً، ولانتزاع حقوقهم السياسية والمدنية، وعندما استشعرت الخطر، وبرغبة السلطات الإسرائيلية اعتبارها حركة خارجة عن القانون حاولت المشاركة في انتخابات الكنيست، لكن دون جدوى.

ومنذ انتخابات الكنيست الأولى عام 49، شهدت الساحة العربية داخل أراضي 48 منافسة بين قوائم السلطة، التي حملت تسميات عربية لكنها كانت صنيعة حزب “مباي”، وبين “الحزب الشيوعي الإسرائيلي”، الذي ظل يراوح تمثيله بين ثلاثة إلى أربعة نواب، وطيلة الوقت كانت الأغلبية الساحقة جداً من المصوّتين له أيضاً (ولاحقا لـ “الجبهة الديموقراطية للسلام والمساواة”، بعد تأسيسها عام 1977) من العرب، ومع ذلك كانت قيادته في الفترة الأولى أغلبيتها من اليهود.

تلميحات عباس

كذلك، ومنذ البدايات، شارك العشرات من النواب العرب في تشكيلة من الأحزاب الصهيونية على اختلافاتها، وشغل بعضهم مناصب وزراء أو نواب وزير في حكومات مختلفة، من أبرزهم غالب مجادلة وزيراً للرياضة والثقافة في حكومة إيهود أولمرت، التي سقطت عام 2009، وصالح طريف وزيراً في مكتب رئاسة الحكومة عن ذات الحزب، وليد صادق نائباً لوزير الزراعة في حكومة رابين حتى اغتياله عام 1995، وكذلك في نفس الفترة نواف مصالحة عن حزب “العمل” أيضاً نائباً لوزير الصحة. كما شغل حمد عمار منصب وزير في مكتب رئيس حكومة التغيير، المنتهية صلاحيتها، برئاسة يائير لبيد، ممثلاً عن حزب “يسرائيل بيتنا”.

 لكن الأحزاب العربية الوطنية كانت، وما تزال، ترفض المشاركة في حكومات إسرائيل، عدا “القائمة العربية الموحدة” برئاسة منصور عباس، التي اختارت المشاركة للمرة الأولى في ائتلاف إسرائيلي حاكم غداة انتخابات الكنيست الأخيرة في 2021. ويطلق منصور عباس في هذه الأيام عدة تلميحات متكررّة بأنه عازم على عدم الاكتفاء بدعم الائتلاف الحاكم فحسب، بل المشاركة المباشرة في الحكومة وتقلد مناصب وزارية، ففي ندوة في بلدة كفر كنّا قبل أيام قال عباس: “اخترنا ألا نبقى في المدرجات نشاهد اللعبة السياسية الإسرائيلية، بل قررنا المشاركة فيها، ونتجه لمواصلة المسيرة، وأن نكون ما بعد بعد بعد دكة الاحتياط”.

علامات فارقة

 ورغم الجدل حول جدوى الكنيست بالنسبة للمجتمع العربي في إسرائيل، ودور النواب العرب فيها، فقد شاركوا في بعض المفارق التاريخية في حسم قرارات تاريخية في البرلمان الإسرائيلي، منها منع عودة معسكر نتنياهو من العودة للسلطة عدة مرات منذ 2018، وترجيح كفة المعسكر المنافس في 2021. من هذه العلامات الفارقة أيضا منح حكومة رابين “كتلة مانعة” بعد انتخابات 1992، والمصادقة على اتفاق أوسلو عام 1993، أو فك الارتباط عن غزة عام 2005، وفي بعض الأحيان ساهموا في تحديد هوية رئيس الدولة في إسرائيل، من خلال تصويتهم لهذا أو ذاك من المتنافسين، ومن هؤلاء حاييم هرتسوغ، الذي انتخب عام 1983 بفضل دعم نواب عرب له، وكذلك موشيه قصاب عام 2007، ومع ذلك يتواصل الجدل المبرّر حتى اليوم حول مدى التمثيل والتأثير العربي في الكنيست ومدى جدواه!

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية