الناصرة-“القدس العربي”:انشغلت أوساط عربية أهلية وسياسية داخل أراضي 48 خلال العام الأخير بموضوع خريجيهم من كليات الطب العرب في جامعات العالم وسط ضجة واسعة حول عدة جوانب للقضية منها الرغبة الشعبية الطبيعية بازدياد عدد الأطباء العرب من جهة ومن جهة أخرى القلق من تدني مكانة المهنة والخدمات الطبية نتيجة وجود جامعات لا تشدد في معايير التعليم خاصة في شرق أوروبا بدليل أن نسبة نجاح هؤلاء الخريجين في امتحان الترخيص الحكومي تبلغ 30 في المئة فقط. كذلك تصاعد اللغط والجدل حول عملية تقديم استئنافات الراسبين على نتائج امتحانات الترخيص الرسمية وما يرافقها من مؤسسات تجارية خاصة تجبي رسوما وأرباحا كبيرة مقابل تقديم الخريج الراسب استئنافا ربما يسعفه في نيل علامة النجاح 60.
ويستدل من نتائج رسمية في إسرائيل أن أغلبية كبيرة من خريجي كليات الطب في الخارج خاصة من جامعات شرق أوروبا لا يجتازون امتحان الترخيص، وطبقا لهوية هذه الدول يبدو أن معظمهم عرب من فلسطينيي الداخل (وزارة الصحة لا تكشف عن هويتهم القومية). يشار إلى أن هناك إقبالا واسعا من قبل فلسطينيي الداخل على مهنة الطب بعدما كانت حكرا على اليهود الذين انتقلوا في العقدين الأخيرين للمهن التكنولوجية والأعمال حيث الأرباح أكبر. ولذا يكاد لا يخلو أي قسم في أي مستشفى في البلاد من أطباء وطبيبات عرب مما يفسر تصاعد الإقبال على تعلم الطب في البلاد وخارجها بعدما كان فلسطينيو الداخل (17في المئة) يشكون من اعتبارات عنصرية تميز ضدهم في موضوع الطب ومعايير القبول.
ويبدو أيضا أن مرد ظاهرة رسوب الخريجين العرب في امتحان الترخيص ليس فقط عدم إتقان اللغة العبرية لنسيانها منذ سافروا خارج البلاد وهي ترتبط في أحيان كثيرة بجودة الدراسة وبنوعية الجامعة وهذا ما يفسر نسبة النجاح العالية لدى خريجي الجامعات في إسرائيل والسلطة الفلسطينية والأردن ودول غرب أوروبا كما يستدل من معطيات رسمية. هذه الحالة بالأساس دفعت وزارة الصحة الإسرائيلية في 21.01.2019 لإصدار ورقة موقف بعنوان ” الاعتراف بدراسة الطب في خارج البلاد” حددت فيها معايير قبول خريجي طب للتقدم لامتحانات الترخيص التي تشرف عليها وذلك مساهمة في الحفاظ على مستوى طبي لائق وتشجيع الطلاب على دراسة المهنة في كليات مستواها عال. ونوهت إلى أن هذه المعايير سارية المفعول بدءا من الدراسة الأكاديمية 2019. وحسب هذه المعايير يتم الاعتراف فقط بالكليات ومستشفيات التعليم التي تنال اعتراف مؤسسات أكاديمية مختلفة في العالم يحدد هويتها “الاتحاد العالمي لتعليم الطب” وهذه مبادرة عالمية انطلقت في 2018. ومن هذه المؤسسات الأكاديمية التي تعترف بها وزارة الصحة الإسرائيلية لغرض المصادقة على شهادة الخريج مستشفيات تعليمية – تأهيلية خارج البلاد: مؤسسة “جي سي أي ” في الولايات المتحدة و”أي سي” في كندا و”شكس” في أستراليا و “دي ان في جل” في ألمانيا. وعليه تقضي هذه المعايير بدءا من 2019 بأن بمقدور كل طالب / خريج طب في كلية طب خارج البلاد التقدم لامتحان الترخيص فقط في حال درسوا كافة سنوات تعلمهم في واحدة من الكليات التي تلبي أحد المعايير التالية: كلية طب في واحدة من دول منظمة التعاون والتنمية العالمية “أو أي سي دي” أو كلية حازت على مصادقة الاتحاد العالمي المذكور أو مستشفى حاز على مصادقة واحدة من المؤسسات الأكاديمية المذكورة كما ذكر سابقا. وهناك معايير أخرى تتعلق بطلاب بدأوا بدراسة الطب في الخارج قبل 2019 وأخرى تتعلق بزيادة القسم الخاص بالطب السريري مما يعني أن احتمالات اجتياز الامتحان الرسمي ستكون أصعب مستقبلا.
13 في المئة من الأطباء في إسرائيل عرب
واللافت هنا ازدياد واسع جدا في عدد الأطباء العرب في البلاد وكثر منهم متفوقون وحائزون على جوائز تقدير وتميز كما تفيد سجلات وزارة الصحة الإسرائيلية. وفيما يلي عينات من معطيات رسمية لجمعية “الجليل” للبحوث الصحية تدلل على تصاعد كبير في الإقبال العربي على مهنة الطب:
في العام 2000 بلغ عدد الأطباء في إسرائيل 26214 طبيبا (الرقم يشمل كل الأطباء بمن فيهم من خرجوا للتقاعد) منهم 1527 طبيبا عربيا أي 6 في المئة وترتفع النسبة إلى 7 في المئة لو اقتصر العدد على الأطباء العاملين أي دون جيل الـ 67. في العام 2010 ارتفع العدد إلى 31188 طبيبا منهم 2319 طبيبا عربيا أي7 في المئة من مجمل الأطباء ترتفع إلى 9 في المئة من الأطباء العاملين. واستمر الارتفاع بطبيعة الحال لدى العرب أكثر مما هو لدى اليهود ففي 2017 بلغ عدد مجمل الأطباء في البلاد 37400 طبيب منهم 3921 طبيبا عربيا أي 10 في المئة وهي نسبة ترتفع إلى 13 في المئة من الأطباء العاملين (دون جيل الـ 67).
من الأحلام إلى فرص العمل
ومع الإقبال المتصاعد على مهنة الطب وكل المهن الطبية لدى الشباب العرب في البلاد يزداد في طبيعة الحال عدد الراسبين في امتحان الوزارة مما يفتح الباب أمام ازدياد عدد مكاتب وشركات تجارية عربية ويهودية تعمل على مساعدة عدد من الراسبين في تقديم استئنافات مقابل رسوم عالية. والحديث يدور عن الشريحة التي حازت على أقل من علامة النجاح 60 بعلامات قليلة.
تفوق الجامعات الفلسطينية والأردنية
ويستدل من معطيات وزارة الصحة الإسرائيلية أن عدد خريجي الطب الذين يتقدمون لامتحان الترخيص كل عام في البلاد يبلغ حوالي 2200 خريج دون تمييز بين عرب ويهود، ينجح منهم في امتحان الترخيص أو التأهيل بالمعدل 30 في المئة فقط ويرسب فيه 70 في المئة. ويستدل من معطيات رسمية حول نسبة النجاح في كل دولة وأخرى في السنوات 2018-2014 أن خريجي دول شرق أوروبا بأغلبيتها الساحقة هم الأكثر رسوبا بينما تتصدر لائحة النجاح مع نسبة النجاح الأعلى لطلابها هي كليات الطب في الجامعات الفلسطينية (99 خريجا نجحوا في الفترة المذكورة أي بنسبة نجاح 91 في المئة) وهي أكثر من ألمانيا (حيث نجح خلال الفترة المذكورة 294 خريجا أي بنسبة نجاح 64 في المئة) وتليها جامعات الأردن (247 خريجا نجحوا في الفترة ذاتها أي بنسبة 86 في المئة) ثم هنغاريا (315 خريجا قد نجحوا أي بنسبة 71 في المئة). ويستدل بوضوح أن النسب المتدنية هي في جامعات دول شرق أوروبا حيث يدرس عدد كبير من الطلاب كثيرون منهم عرب، ففي أوكرانيا نجح في امتحان الترخيص 1059 خريجا أي بنسبة 25 في المئة وفي أرمينيا (326 خريجا نجحوا أي بنسبة 7 في المئة) وهكذا في مولدافيا (1563 خريجا قد نجحوا أي نسبة نجاح 25 في المئة فقط) وفي بلغاريا (70 خريجا فقط نسبتهم من مجمل الخريجين 9 في المئة فقط) وفي روسيا حيث عدد الطلاب الأكبر العرب من أراضي 48 بسبب منح دراسية للحزب الشيوعي نجح 2015 خريجا وهم يشكلون 18 في المئة فقط من مجمل الخريجين الذين تقدموا للامتحان ورسب منهم 82 في المئة. ويضطر الراسبون لإعادة الامتحان بعد مساق استكمالات إلزامي أو تقديم استئناف على النتيجة وتقبل نسبة قليلة من طلبات الاستئناف.
220 سؤالا
يشار هنا أن لجنة الامتحانات مكونة وفق مزاعم الوزارة من أطباء كبار مختصين في مجالات ذات صلة بمواضيع الامتحان وتجتاز نصوص الأسئلة عدة مراحل من الكتابة، التحرير، الرقابة والترجمة بهدف التوصل لامتحان يتمتع بجودة ومصداقية. وتعلل وزارة الصحة الإسرائيلية تكرار ظاهرة قبول استئنافات قسم من الخريجين عاما مما يشي بتكرار أخطاء في الامتحان عاما بعد عام بالزعم أنها تبذل مساع كبيرة في إعداد الأسئلة ومع ذلك يحتمل وقوع خطأ في واحدة من الـ 220 سؤالا في امتحان الترخيص ولذلك تتاح آلية الاستئناف. معتبرة أن استئنافات أخرى مصدرها ليست أغلاط بل في تقديم مسوغات علمية من الأدبيات الطبية تبرهن إمكانية وجود إجابة أخرى عدا تلك التي اختيرت في البداية. ومن بين الادعاءات أيضا أن بعض الاستئنافات العينية تقبل وبعضها يرفض والتصحيح المثبت في الاستئناف ينطبق على بقية المتقدمين للامتحان فورا ولذلك ربما ترتفع علامتهم دون تقديمهم استئنافا”. وعلى خلفية النتائج المذكورة أعلنت وزارة الصحة الإسرائيلية هذا الأسبوع أنها لن تعترف بدءا من اليوم بشهادات كليات الطب في جامعات مولدافيا وأرمينيا بسبب تدني مستوى التعليم فيها.
تقديم الاستئنافات تجارة رابحة؟
في ظل الأعداد الكبيرة من الراسبين العرب في امتحان ترخيص الطب ظهرت مجموعة من المؤسسات والشركات الخاصة التي تعنى بتقديم الامتحان وهي تهدف في الأساس للعمل وتحقيق الأرباح المالية وإن كانت ترفع أحيانا شعارات مشجعة لتعليم الأبناء كما هو الحال لدى صاحب شركة “أكاديميا” البروفيسور في الصيدلانية رياض اغبارية.
وبداية يوضح اغبارية لـ “القدس العربي” أن نسبة الطلاب العرب الذين يدرسون الطب اليوم تتراوح بين 15-25 في المئة من مجموع طلاب الطب في البلاد (وعددهم الكلي 500 في خمس جامعات) وتتفاوت النسب بين سنوات التعليم المختلفة. حيث قد تصل إلى 25 في المئة للسنة الأولى ويحدث انخفاض مع التقدم في السنين التعليمية بسبب تسرب الطلاب بمعدل 30 في المئة لأسباب أكاديمية أو ترك التعليم بهدف الالتحاق بكليات ومواضيع غير طبية. ويرى اغبارية أن السبب الرئيسي للإقبال الكبير من قبل طلاب عرب على دراسة الطب يعود في الأساس لعدم توجيه صحيح ورغبة الأهل في أبناء أطباء كمكانة اجتماعية. ويتابع “هذا ما يفسر وجود قرابة خمسة آلاف طالب وطالبة عربي يدرسون الطب خارج البلاد بينما بقية المواضيع، والأدبية خاصة، قليلة جدا أو معدومة. وحاليا هناك نقص في الأطباء بشكل عام في البلاد يقدر بـ3 آلاف طبيب مع أنه لا توجد ملاكات من قبل الدولة لاستيعابه في المؤسسات الطبية المختلفة. ويتم تفضيل استيعاب خريجي البلاد أولا (نسبة النجاح بالامتحان لخريجي جامعات البلاد 99 خمسة آلاف طالب وطالبة عربي يدرسون الطب خارج البلاد) بالعمل والتخصص بينما نسبة استيعاب خريجي خارج البلاد ضئيلة. أضف إلى ذلك، صعوبة النجاح في امتحان مزاولة المهنة لخريجي خارج البلاد”.
ونسأل رياض اغبارية:
*لماذا تقوم شركتكم بجباية رسوم باهظة من مقدمي الاستئناف تبلغ نحو 2000 دولار؟
**بالنسبة للتكاليف التي يدفعها المستأنفون العرب فهي متفاوتة وهذا يتعلق بالموضوع وبالمراحل، على سبيل المثال يدفع المستأنف عندنا في مركز “أكاديميا” نحو 300 دولار مقابل فتح ملف واستشارة أولية، ومبلغ 600 دولار تقريبا مقابل استشارة وفحص صياغة الاستئناف بشكل مهني، وفي حال قبول الاستئناف والنجاح يدفع مبلغ 600 دولار وفي حال عدم النجاح لا يدفع المبلغ الأخير. وتجبي بعض المراكز الأخرى مبالغ مشابهة وأكثر. أعتقد أن المبالغ غير مبالغ بها إذا ما أخذ في الحسبان تكاليف خدمة اخصائيين في المجالات الطبية الذين يقدمون الاستشارة وإذا ما قورنت بالتكلفة بالجانب اليهودي قد لا تصل للنصف أو الثلث.
*ألا تعتقد كمحاضر في مجال العلوم الطبية أن هناك حاجة لتعديل نظام الاستئنافات بتشريعات جديدة؟
**كما ذكر سابقا لجنة الاستئنافات هي لجنة خاصة لفحص استئنافات الممتحنين وهي مستقلة عن لجنة صياغة الامتحان. قرارتها نهائية ولا توجد امكانية الاستئناف عليها سوى حالات خاصة ونادرة جدا. في رأيي لا توجد حاجة لتشريعات إضافية كون المعايير هي نفسها تعتمد في الجامعات المحلية والعالمية وخاضعة لرقابة لجنة العمل والتربية والتعليم للكنيست أيضا.
*إن استمرار الأخطاء والاستئنافات المكلفة ماليا دون البحث عن نظام جديد (يمنع تكرار الأخطاء وبالتالي الاستئنافات) تفتح الباب أمام التحليل التأويل لحد القول ان هناك تعاونا بين جهات في وزارة الصحة الإسرائيلية وبين شركات ربحية خاصة تقدم الاستئنافات؟
**هذه تهمة خطيرة لا أساس لها من الصحة وهي بالضبط كالادعاء بان المحاكم ووزارة القضاء تفتح الباب أمام التحليل والتأويل لحد القول ان هناك تعاونا بينها وبين مكاتب المحاميين والمرافعين أمام المحاكم عن المتهمين. لا توجد أي علاقة بين الاطراف وان وجدت فهي غير قانونية.
*إذا كان الموضوع يمس مئات الطلاب سنويا لماذا لا يتم التعامل مع الاستئنافات بشكل جماعي؟ القصد هيئة عامة كجمعية “الجليل” للبحوث الصحية والعمل من أجل تغيير النظام بحيث نوفر على الطلاب نفقات الاستئناف؟
**فكرة مبادرة جمعية، مثل جمعية “الجليل” أو غيرها، بالتنسيق وتقديم الاستشارة للمستأنفين ممتازة وحبذا ان يبادروا لها وشخصيا على استعداد تقديم أي مساعدة لتحقيق الفكرة.