يبدو أن تجربة تسع سنوات في مماحكة الناس مع نظام الممانعة والاستبداد جعلتهم أقدر على اختبار قاعدة “الثورة تجبّ ما قبلها”، فإذا كان البعض قد تسامح مع فساد وتورط أسماء كبيرة لجهة نظام العصابة على أمل إعطاء الأولوية لانشقاقات تزيد من حجم الفزعة فإن الأيام أثبتت أن من كان فاسداً ولصاً وشبيحاً قبل الثورة ظل كذلك بعدها، حتى لو بات ضد النظام.
هكذا تعاطى كثيرون مع استقالة الإعلامي سامي كليب من قناة الميادين، قال “انسجاماً مع أفكاري وقناعاتي وضميري”(ثم أي موقف مع عبارة “متمنياً لها دوام التقدُّم والنجاح”!)، ولعلهم رأوا فيها ما يشبه استقالة السوري أنس أزرق من قناة “المنار”، بعد تقاريره الإجرامية بحق السوريين.
كليب هو من كتب مؤلفاً بعنوان “خطاب الأسد من الإصلاح إلى الحرب”، المحتفى به في دمشق على أعلى المستويات، ولعله بيع أكثر من أي كتاب آخر، كما عهدنا من قبل في كتب “البعث”، التي تشترى نفاقاً أو إكراهاً. وهو الذي رأى بأمّ العين كيف طبخ غسان بن جدو (مدير القناة) سيناريو “جهاد النكاح”، وربما سيناريوهات أكثر خطورة، من دون أن يستفزّه كل ذلك للاستقالة حينئذ.
إنه يستقيل اليوم إذن، تتبعه استقالة زميلته لينا زهرالدين، مع بيان يقول “انطلاقاً من اللحظات التاريخية التي نعيشها، رأيتُ لزاماً عليّ تقديم استقالتي من قناة “الميادين”، متمنية لها الاستمرارية ولشعوبنا مستقبلاً أفضل”، من دون إسهاب في الشرح، ومن دون اعتذار على أداء السنوات الفائتة، التي كان للإعلام فيها دور خطير في تبرير الإجرام أو التمهيد له.
قبل كليب بحوالى عشرين يوماً فقط شهدت صحيفة “الأخبار”، الناطقة بلسان “حزب الله”، بضع استقالات (وقد خوّلت أسبقية عشرين يوماً إحدى المستقيلات التهكم من زميلها كليب بالقول “أرجو أن لا يتفرّغ لكتابة الشعر”!)، وكذلك، لم يعرف عن هؤلاء أي مراجعة أو أسف على ارتكابات مؤسساتهم، ولو أرادوا أن يكون لاستقالاتهم أثر في ثورة اللبنانيين لوجب فضح ما يدور هناك، وهذا أضعف الإيمان.
لا نطمح بأكثر من مقال أو فيديو يشرح ويوضح ويعتذر كي يفهم ملايين المغرر بهم ما جرى في كواليس المجزرة.
نطالب بأقل من ذلك بكثير، بقليل من الخجل على الوجوه، أن تحمرّ التغريدة خجلاً، من عار المشاركة، أو التغطية، على أفظع مجزرة
إن أبسط مبادئ العدالة الانتقالية أن يحاكَم المتورطون، ثم يقرر الناس إن كان بالإمكان التسامح معهم.
لا نطالب بمحاكمة كليب وزملائه، لا نطمح بأكثر من مقال أو فيديو يشرح ويوضح ويعتذر كي يفهم ملايين المغرر بهم ما جرى في كواليس المجزرة.
يا سيدي، نطالب بأقل من ذلك بكثير، قليلاً من الخجل على الوجوه، أن تحمرّ التغريدة خجلاً، من عار المشاركة، أو التغطية، على أفظع مجزرة ما زالت مستمرة إلى الآن.
تظاهرات عنيفة!
“لبنان: الشباب ينتفض”، تقرير جميل، وافٍ ومؤثر عادت به موفدة “فرانس24” مايسة عواد، وزملاؤها من لبنان. بإمكانك أن ترى فيه بوضوح روعة المتظاهرين وأشكال التظاهر بالغة السلمية، مع تركيز على دور وحضور المرأة، تماماً كما يليق بدورها في التظاهرات، وفي الوقت ذاته يظهر التقرير موقف القوى المناهضة للاحتجاجات، على لسان شبان من “حركة أمل” الشيعية، حيث يقول أحدهم للكاميرا “إنها ثورة مخدرات، دعارة، تحشيش.. هاي مانها ثورة”، كما تقول شابة من “حزب الله”: “عم يسبّوا السيد! نحنا بننزل ع مظاهرة بيسبوا فيها السيد، بَيّنَا!”.
كما تقول سيدة عونية: “العدرا جابت توم، المسيح وميشيل عون”.
وفي الواقع، بمقدار ما يشيع تقرير “فرانس24” الأمل، فإنه ينبئ بالرعب القادم من جهة القوى المسيطرة.
إثر عرض التقرير يسأل المذيع رفيق سحالي موفدة القناة “في بلدان قريبة من لبنان شهدت مظاهرات عنيفة، لكن ما خصوصية هذه المظاهرات بالمقارنة مع هذه بلدان الجوار؟”. تجيب عواد “ربما، إذا أردنا أن نقارن مع مظاهرات في العراق مثلاً، نجد أن هناك طابعاً سلمياً سيطر بشكل عام على المظاهرات، تحديداً لجهة تعاطي الجيش اللبناني مع المتظاهرين”.
وبالطبع فإن الجميع يشهد، وهذا موثق بمئات الفيديوهات والصور، أن تظاهرات الجوار، في سوريا أو العراق لم تكن إلا سلمية، أما تصرفات الجيش هنا أو هناك فلا يمكنها أن تحسب على المظاهرات وتسبغ عليها وصف الـ “عنيفة”.
دبكة أممية
لا ندري ما سبب استعادة مقطع فيديو لدبكة فلسطينية داخل مقرّ الأمم المتحدة على أنه راهن وباعتباره احتجاجاً على سياسات ترامب، الأمر الذي أثار استياءً لدى البعض، حيث اعتُبر احتجاجاً لا يناسب المكان، داعين لأشكال أخرى مبتكرة غير هذه الفوضى في المحفل العالمي الرسمي.
فلسطين أوسع من دبكة وكوفية، وللفلسطينيين، والمتضامنين مع قضيتهم، تاريخ من طرق احتجاج مدهشة، من بينها الحملة الأخيرة الرائعة مع الصحافي الفلسطيني الجريح معاذ عمارنة.
لكن ظهر لاحقاً أن الفيديو نزع من سياقه، فهو جزء من حفل أقيم داخل المبنى الأممي العام 2013 للمغني الفلسطيني محمد عساف بمناسبة يوم التضامن مع الشعب الفلسطيني، لكونه أول سفير إقليمي للنوايا الحسنة للأونروا.
وعلى أي حال، فإن فلسطين أوسع من دبكة وكوفية، وللفلسطينيين، والمتضامنين مع قضيتهم، تاريخ من طرق احتجاج مدهشة، من بينها الحملة الأخيرة الرائعة مع الصحافي الفلسطيني الجريح معاذ عمارنة.
كاتب فلسطيني سوري