فلسطين الثائرة: تراجع شرعيات وصعود شرعيات

سعيد أبو معلا
حجم الخط
0

رام الله-»القدس العربي»: تتواصل حالة المقاومة الدائرة في عموم فلسطين التاريخية بالتوازي ما بين القدس وغزة والداخل الفلسطيني المحتل عام 1948 وفي الضفة الغربية. حالة من التناغم ندر وجودها في لحظة تاريخية ينظر إليها على أنها استعادة للحقيقة الفلسطينية، ولقيمة الميدان، ومن أبرز نتائجها الخلاص من أوهام كثيرة كرسها مشروع أوسلو، حسب الدكتور عبد الرحيم الشيخ.

ويقول الدكتور الشيخ أنه «لا عذر لأبناء فلسطين المحتلة في العام 1967 على مواصلة الحياد. ولا عذر لأبناء منظمة التحرير الفلسطينية وأبناء السلطة، بعد مرور ربع قرن على كارثية خيارات القيادة العاجزة عن كل شيء إلا تجزئة شعبها، ولا عذر للناس عامة على البقاء تحت وطأة التخدير بعد أطول عملية جراحية في التاريخ لزراعة ثقافة الهزيمة في الجسد الفلسطيني (أوسلو)».
إزاء ذلك الواقع تبدو السلطة الفلسطينية الطرف الأضعف، والأقل ارتباطا بالميادين المختلفة (القدس/ غزة/ فلسطين 48 وحتى الضفة الغربية) فقرارات القيادة الفلسطينية التي خرجت بها بعد اجتماعها الأخير (12/5/2021) وصفت بأنها «خارج السياق» ومراوحة في المكان نفسه، واستخدام المفردات نفسها، وبحسب هاني المصري، المحلل السياسي ومدير المركز الفلسطيني لدراسة السياسات «مسارات» فإن القرارات والخطاب الخاص بمحمود عباس جاء متأخرا أسبوعا كاملا على الأقل والسبب في ذلك أن السلطة في رام الله ما زالت تراهن على وجود متغير يتمثل في الإدارة الأمريكية الجديدة المختلفة عن سابقتها، وهي إدارة بحسب تقديرات السلطة، معنية بالعلاقة معها وإحياء عملية السلام، وهو أمر يشكل إعادة لإنتاج أوهام قديمة ولكن بشكل جديد وواقع ميداني جديد يعيد الاعتبار لكل شيء.
وحول قرارات القيادة في الاجتماع الأخير وخطاب الرئيس قال المصري، إن المسألة لا تتجاوز كسب الوقت وتحايل على اتخاذ القرار، حتى لو كانت قرارات شكلية مثل إيقاف العمل بالاتفاقيات.
وحمل اجتماع اللجنة التنفيذية لمنظمة التحرير ومركزية فتح جملة من التأكيدات ومنها إنهاء الاحتلال، والتمسك بالأرض والبقاء صامدين فيها، وأن تقوم منظمة التحرير الفلسطينية الممثل الشرعي والوحيد بدورها في لم الشمل ورص الصفوف من أجل الدفاع عن القدس والمقدسات، والتأكيد على بقاء القدس عنوان الصراع، وتعزيز المقاومة الشعبية السلمية في القدس وجميع المدن الفلسطينية، وإسناد قطاع غزة وتوفير مقومات الصمود.
كما تم الاتفاق خلال الاجتماع على تشكيل لجنة لدراسة الخيارات الواجب اتخاذها على المستويات كافة، والاتفاق على استراتيجية عمل موحدة للشعب الفلسطيني، ومواصلة التحرك عربيا ودوليا وفي المحافل الدولية من أجل وقف الاعتداءات الإجرامية الإسرائيلية.
بدوره تابع المصري أن هذا الرهان المتجدد، الخاص بإدارة بايدن، انعكس على مواقف السلطة الحالية، حيث «نلحظ ان موقفها من عدوان 2014 كان متفوقا على موقفها الحالي».
ويرى المصري أن السلطة أجلت الانتخابات بدون توافق مع حماس، وكانت القدس هي السبب لكن من دون أن تتكبد أي عناء لخوض أي مواجهة جدية لفرض واقع إجراء الانتخابات بالمدينة المحتلة، وهو ما يضعنا أمام سياسة السلطة في رام الله التي ترتكز على عدم المواجهة مع إسرائيل.
وأضاف: «ماضي فتح يخبرنا أنها كانت تعج بالتيارات والأفكار وأصحاب الرؤى والمنظرين، أما اليوم ففتح وهي السلطة عبارة عن تيار واحد فقط. وفيها يدار صراع على المصالح والمراكز، فيما أطر فتح الداخلية مفرغة من أي قدرة على الفعل، وإن كان هناك أمل فمصدره فتح خارج هذه الأطر الرسمية المسيطر عليها، هذا فقط ما يمكن الرهان عليه حاليا».
ويرى المصري أن هناك احتمالات بسيطة لحدوث صراعات داخل حركة فتح تسمح بتعظيم دورها في الأحداث الحالية، حيث لمس المراقبون مؤخرا وجود موقفين متعارضين مرتبطين بمسألة الانتخابات.
ويؤكد أن السلطة تدرك أن المسألة الحالية تطرح تحولا في الشرعيات، فحماس هي العنوان حاليا، حماس بفعلها الوطني المرتبط بالقدس تقول سياسيا أنا لاعب رئيسي ولا يمكن تجاوزي، ونحن ندرك قيمة ومركزية الأقصى بالنسبة لحماس، فهي قضية جوهرية وهو ما دفعها لدخول المعركة الحالية، من دون أن ننسى أن لها دوافع سياسية أخرى.
ويشير المصري إلى أن الشرعية الفلسطينية كانت متنازعا عليها، وبإلغاء الانتخابات تآكلت تماما، وكان هناك ما يشبه الفراغ، أما اليوم فما يحدث يشير إلى إعادة الشرعية النضالية من خلال المقاومة في غزة، فحماس التي كانت تتهم دوما بأنها تقاتل من أجل ذاتها ومصالحها وحكمها في غزة تقاتل اليوم من أجل القدس، هذا نضال وطني عبر بوابة الأقصى عمل على صنع شرعية حماس النضالية الجديدة.
أما بالنسبة لمحمود عباس فيرى المصري أن المأساة التي صنعها تتمثل في أنه جعل مصدر الشرعية خارجيا، وهو يتكرس مع فشل السلطة في قيادة الناس والشعب الفلسطيني رغم أن الإمكانية موجودة. والواضح للمتابع أن الرئيس لا يريد أن يقود في هذه المرحلة هذا التحول الفلسطيني الهام.
وقال المصري أن إسرائيل تبحث حاليا عن صورة انتصار، وواجبنا نحن أن لا نمنحها هذه الصورة، وفي حال لم تُمنح إسرائيل هذه الصورة فإن وضع السلطة سيسوء، وفي حال حصلت إسرائيل على مبتغاها فإن ذلك سيعني مزيدا من النقد والاتهام لحماس بتدمير غزة في ضوء موازين القوى العسكرية، وبالتالي علينا أن نعمل معا للخروج من العدوان بصورة مشرفة، من دون أن نغالي بالمطالب والشروط، فالأهداف الصغيرة تجعلنا ننتصر انتصارات صغيرة أيضا، في ضوء أن صراعنا مع إسرائيل طويل ولا يمكن حسمه عسكريا لكونها محمية من النظام الدولي.

بين الخطاب والممارسة

برؤية مماثلة للمحلل هاني المصري يرى الدكتور بلال الشوبكي، رئيس قسم العلوم السياسية في جامعة الخليل، أن خطاب السلطة رغم عدم تناغمه مع الشارع الفلسطيني في هذه اللحظة إلا أنه لا يعكس جوهر عمل السلطة ولا سلوكها الميداني، حيث نلاحظ أنه حتى اللحظة تجري عمليات منع بعض الحراكات في كثير من المناطق في الضفة الغربية مثل: الخليل ونابلس وجنين.
ورغم ذلك تتصاعد (اليوم) الجمعة دعوات لحراك ومظاهرات جماهيرية تقودها حركة فتح، فيما يشي انه قد يكون بداية لتحولات في الموقف ستكشفها الأيام القريبة المقبلة وستحدد ملامحها.
وبحسب الشوبكي فإنه يجدر التعامل مع الخطاب بصفته خطابا طالما لم يترجم على أرض الميدان، في ضوء ان السلوك الأمني في الضفة الغربية لا يشير بأي تغيير في قواعد التعامل مع قوات الاحتلال.
ويحلل قائلا: «الموقف اليوم في الضفة وتحديدا داخل حركة فتح لا يعكس قوتها أبدا، فدور فتح بالمواجهة الحالية يجب ان يتطور ويرتقي للمسؤولية الوطنية».
ويرى أن البنية الأمنية في الضفة الغربية وعلى مدى سنوات طويلة عملت على إعاقة ومنع أي تطور ميداني وطني موجه للاحتلال، حتى أن المقاومة الشعبية التي أعلن عنها الرئيس أثناء تصريحه في خطاب تأجيل الانتخابات قائلا: «من شان الله وينها المقاومة الشعبية» أصبحت اليوم أكثر من أي وقت مضى على المحك والاختبار.
ويضيف الشوبكي، فكرة أن تعمل على احتواء الشارع ومداعبة المزاج العام ولا تلتحم مع المقاومة قولا وفعلا تجعل فتح والسلطة هما الخاسران الأكبران في هذه المواجهة.
ويحلل الموقف الرسمي الأخير قائلا: «لقد قدم الرئيس في خطابة جملة من التصريحات وفي نهاية الاجتماع خرج المجتمعون بمجموعة من القرارات والتأكيدات لكنها جوفاء لكونها خالية من أي استراتيجية أو خطة أو خطوات محددة، هناك غياب للأرضية أو الرؤية الواضحة، لا مبادرة إنما انتظار للمتغيرات والاسناد والدعم الدولي».
وشدد الشوبكي أنه: «علينا الاعتراف أن السلطة عاجزة عن القيام بدور أو بإجراءات ضد الاحتلال، الرئيس محمود عباس رئيس السلطة ورئيس حركة فتح ورئيس منظمة التحرير هذا أمر يكرس العجز لكونه ليس هناك حدود بين المناصب الثلاث. يجب ان يكون هناك فض للعلاقة بين سلطة المنظمة والسلطة وحركة فتح كي تمتلك القدرة على الحركة».
ويرى مراقبون وخبراء أن الأحداث اليوم التي تشهدها فلسطين التاريخية تسقط برنامج منظمة التحرير والسلطة الفلسطينية الذي طرح عام 1974 وهو البرنامج الذي أقر بفكرة الدولة الفلسطينية إلى جانب دولة إسرائيل، حيث عبرت الأحداث عن أن فلسطين بتقسيماتها هي «بلد واحد، شعب واحد» لكنها تبحث عن قيادة واحدة تلتقط الأنفاس والجهود وتراكم على الواقع الجديد.
ويؤكد الشوبكي «صحيح أن الأحداث الأخيرة عملت على إعادة بناء النظام السياسي من جديد، فحماس لم تعد إحدى المدخلات في النظام السياسي بل أصبحت إحدى العناصر المشكلة للنظام السياسي وهي عنصر يقوم على الندية مع المحتل. أما القيادة في رام الله فهي حتى اللحظة غير مستعدة ولم ترتق لمستوى الشارع».

قاموس أوسلو

بما يدعم الاستنتاج السابق يؤكد الكاتب الفلسطيني والأديب محمود أبو هشهش أنه «لم يعد قاموس (أوسلو الجيب) صالحاً لشيء. لا للحديث عن الماضي، ولا لتوصيف الحاضر، ولا لمقاربة المستقبل والحلم الجديد. ولا مجال لتنقيحه، أو تحديثه بالمعاني المستجدة أبداً. فلن يتسع لأي منها».
وتابع قائلا: «لقد استعاد اسم فلسطين كامل مبناه ومعناه ودلالاته، واستعاد الفلسطيني كامل وجوده وحضوره البهي في المكان وفي الضمير، ليقول بشكل قاطع وحاسم أنه غير قابل للهزيمة أبداً، وأن الحق الفلسطيني غير قابل للنسيان، لا بالتقادم لأنه لا يتقادم، ولا بالقمع والاستبداد، ولا بالطمس أو التهويد أو التطبيع».
ويرى أبو هشهش أن الميدان يدلل على سحب الفلسطينيين اعترافهم بالواقع، واستعادوا قدرتهم من جديد على جعل العالم يقف على رؤوس أصابعه مشدوهاً بأفعالهم.

تقديرات خاطئة

وفي رأي الباحث الفلسطيني أكرم مسلم فقد أدمن الرئيس أبو مازن الامتثال للمطالب الدولية غير المُنصفة، المتركزة على خلع أظافر الذات، وبهذا تحوّل الموضوع الفلسطيني إلى موضوع إسرائيلي-إسرائيلي، وصار سقف عملنا السياسي مشدودا إلى نتائج التجاذب الإسرائيلي-الإسرائيلي حول مسألتنا.
وتابع في قراءته للمشهد السياسي الإسرائيلي وأثر ذلك على القضية الفلسطينية وأسئلتها الراهنة: «إسرائيليا انتصرت غريزة اليمين المطالبة بكل شيء في ظل الشعور بعدم وجود فلسطينيين، لكن شدّ اليمين الاستيطاني التناقضات إلى مداها الأقصى في مسألتي الاستيطان والقدس قطع الخيط نهائياً، وأعاد السؤال إلى مربعه الأول: النكبة، في انفجار يتجاوز بكثير منطقة الوهم الرسمي الفلسطيني».
المفارقة الجديدة مفادها أن السلطة في رام الله ليس لها شرعية في القدس ولا في فلسطين 48 ولا في قطاع غزة، شرعيتها في الضفة الغربية فقط وهي شرعية مصدرها خارجي حسب هاني المصري وبلال الشوبكي، وبالتالي هي اليوم عمليا فاقدة للقدرة على الضبط والتحكم في المناطق الفلسطينية الثلاث الملتهبة، وهي بعيدة كليا عن توجيه أو التأثير في هذا الفعل المقاوم وهو ما يقود تلقائيا إلى تراجع أكبر في شرعيتها المتوهمة حتى لدى الأطراف الخارجية والدولية.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية