فلسطين… الحق والأيديولوجية

اختبرت كلمة الأيديولوجية Ideology سلسلة من التّحولات على مستوى المفهوم والإحالات، فقد كانت تشير قديماً إلى مجموعة من المتعصبين للديمقراطية، ولا سيما من وجهة نظر نابليون بونابرت، الذي هاجم بعض دعاة التنوير، كما يذكر الناقد البريطاني ريموند وليامز، في معرض تحليله للسياق التاريخي لتطور الكلمة. في حين أن غليفورد غيرتز يرى أن كلمة الأيديولوجية، تطفو فوق التحديد الصارم، لا بوصفها إحالة إلى الأفكار وحسب، إنما هي تتعلق بالإشارة، والرمز، ورؤية العالم، بالإضافة إلى الذّات التي تسعى لأن تؤسس وجودها، بينما يذكر المفكر المغربي عبد الله العروي، أن الكلمة في السياق الغربي تعني علم الأفكار، بيد أنها يجب أن تتأطر ضمن منظومة عقدية أو ذهنية، وهنا ينبغي التّشديد على مفردة منظومة، بوصفها تكويناً معقداً لتواشج قناعات لا يمكن أن يطالها اللبس، أو التشكيك، كونها تتسم بالثبات، خاصة لدى معتنقي الفكرة على الأقل، وفي مجال آخر يرى العروي أن الأيديولوجية عملية يتخيّر الإنسان من خلالها الأشياء، أو يقوم بتأويل الوقائع بصورة تظهرها دائماً على أنها الحق، وفي بعض الأحيان تتحول إلى قناع، وهكذا نستنتج مدى هشاشة التحديد الاصطلاحي للأيديولوجية تبعاً لجملة من المقاربات.
في هذا الزمن باتت الأيديولوجية ضرباً من ضروب المقايضة لتحقيق مكاسب ذات طابع سياسي، ضمن مبدأ التأويل، وهذا آني لا يتصل بأي صورة من الصّور بالأفكار، إنما ثمة مقاومة شديدة للأفكار، كي لا تتحول إلى تهديد لنموذج السلطة القائمة، وقديماً أو قبل عقود كانت الأيديولوجية في ذروتها، ولاسيما مع تصاعد التيارات اليسارية والدينية والقومية وغيرها، غير أنّ هذا النهج خضع لخرق مع بروز الإعلام الحديث، الذي أحدث تحولاً في توجيه الأفكار، ومقاومتها تبعاً لموقع السلطة، التي يمكن أن تؤيد فكرة على حساب فكرة أخرى، أو ربما تمارس رقابة شديدة السّطوة، كما في رواية جورج أورويل (1984).
إن علاقة الأيديولوجية في ما يتعلق بمسألة فلسطين في الوعي العربي، شديدة الجدلية والحساسية، حيث كان ينظر إلى هذه القضية بوصفها «قضية أيديولوجية» ذات مظهر عابر للاختلافات، إذ بدت أقرب إلى (تابو) من حيث رفض التشكيك بقيمها، وعدالتها، فثمة توافق على أنها قضية عادلة، بغض النظر عن حمولات الأيديولوجية، أو في ما يتعلق بتفسيراتها، أو الاستقطابات السياسية، التي سادت العالم العربي لعقود، من منطلق توفر ذخيرة عاطفية شديدة التجذّر في الوعي العربي، الذي خضع – للأسف- لتشقق مبدئي مع توقيع اتفاقية السّلام بين مصر وإسرائيل، وحينها بدت حادثة شديدة الخطورة على عدالة القضية، إذ غالباً ما ينظر إلى هذا السلام بوصفه أولى التشققات في جدار القضية، التي بدأت منظومة عقدية أو فكرية متعالية جوهرها العدالة، غير أنها انتهت عرضة للاختراق، نتيجة سلسلة مغامرات السلام البائسة، التي افتقرت لوعي سياسي ومعرفي حقيقي.
إن تحليلنا لعوامل هذا الانهدام، لا يتصل في جوانب منه بإشكاليات تتعلق بالفعل السياسي فقط، أو نتيجة التوجه نحو عملية السلام، أو التّجاذبات الجيوسياسية والتاريخية، لواقع الدول العربية الهشّة، ولا حتى لمحاولات البعض تصوير الفلسطيني بكتل من التّمثيلات السّلبية، حيث شكلت تلك العوامل تحولاً بطيئاً، غير أن ما نشهده الآن من تحطيم واضح للأيديولوجيات، التي تتعلق بعدالة القضية الفلسطينية، لا ينتج عن وعي عميق، إنما هو نتاج فعل تسهم فيه عقليات لا تنتمي إلى وعي أيديولوجي – حقيقي أو مقنّع على الأقل – بمقدار ما هو نتاج فراغ معرفي عميق، ما يعني غياب الفكرة أو منظومة الأفكار بشكل كلي، ولأن ثمة منظرين للأفكار فإن بعض التّوجهات السّياسية (قبل عقود) كانت قادرة على إحداث أثر لما تؤمن به، ولكن في غياب الفكرة فإن التعبير عن هذا العوار الأيديولوجي لا يتحقق إلا عبر أدوات سطحية، ونعني توظيف مواقع التواصل الاجتماعي، التي أتاحت لبعض الذي يعملون بوعي تنظيمي فارغ هدفه ترويج أكاذيب، وهرطقات سياسية تتعلق بالفلسطيني، وعدالة قضيته، ومن ذلك تزوير التاريخ، وخلق سلسلة لا متناهية من عمليات التشوية نتيجة التخلف المعرفي، الذي يستهدف تلويث قداسة هذه القضية؛ بغض النظر عن كافة الأخطاء التاريخية التي ارتكبت من قبل أصحابها ومؤيديها، نتيجة سياقات محددة؛ معظمها يتصل بقصور معرفي بآليات التفاوض، وفهم السّياقات التاريخية.

من أشد مفاسد الحياة أن تضطر لقراءة كتابات بعض المثقفين الذين يميلون مع السلطة حيث مالت، فقراءة جملة المتناقضات في خطابتهم تعني بأنهم عبارة عن مثقفين من ورق، على الرغم من محاولاتهم لتعرية الواقع التاريخي، والقبض على أنساقه الثقافية المتوارية.

إن مكمن الفرق بين الوعي القانوني والوعي العاطفي كبير، فالعرب طالما نظروا إلى القضية الفلسطينية بوصفها قضية عاطفية، تتجذّر في المكوّن العقدي والقومي، وهذه قضايا أو منظومات أصابها العطب، وطالها الهدم نتيجة عوامل متعددة، ولأن العربي ليس إلا نتاج مجتمعات رعويّة لا تدرك مفهوم القانون، فإنها سرعان ما تتنازل عن قناعاتها التي تتعرض للتبديل، تبعاً لحاجتها الآنية، أو مصلحتها الضيقة الأفق، كما الخالية من البعد الاستراتيجي، وعلى الرغم من أن مأساة الفلسطيني نتجت بفعل القوى الاستعمارية الكبرى، فإن بعض الدول الغربية (الأوروبية) ما زالت تحمل موقفاً واضحاً، قوامه تقديم القانون الذي توافق عليه العالم في ما يتعلق بوجود دولة فلسطينية، انطلاقاً من قرارات مجلس الأمن، وأي تغيير على هذا الوضع فإنه لن ينال اعترافاً.
هذا الوعي القانوي يبدو أكثر ثباتاً وموضوعية مما تتميز به العقلية العربية التي تقودها الأهواء، ولا تعي التاريخ، وأي جهل لا يحتاج إلا إلى جملة من أنصاف المثقفين، الذين يسعون لتحقيق معادلة السلطة والمثقف، وبعضهم لا يمكن أن نعدّه مثقفاً، كونه لا يملك وعياً إنما هو على أبعد تقدير كاتب في مستوى بدائي من الإدراك. ولعل هذه الحشود من ناشطي مواقع التواصل الاجتماعي، أو الكتاب الخاضعين لنخب السلطة، قد امتلكوا المنصة التي لا تتيح خلق هذا الزيف، بغية هدم التضامن العاطفي وحسب، إنما بهدف التّسلل إلى الوعي القانوني المؤيد للقضية الفلسطينية، فعالم اليوم يحتشد بكتابات لامتناهية من فساد أنتجته مواقع التواصل الاجتماعي، التي تعيد تدوير نفسها، وتلويث الفضاء المعرفي، فكل قاصر معرفياً بات قادراً على التشكيك تاريخياً بعدالة أي قضية، غير أنّ هذا الإفساد لا يمكن أن نعدّه بلا مخاطر، كونه يراهن على فاعلية الزمن، وقيم التأكيد التي تتأتى من التكرار في ما يتعلق بمقولات قام بإملائها المخطط الصهيوني، ووجد في البعض أداة لتحقيق هذه الرؤية.
من أشد مفاسد الحياة أن تضطر لقراءة كتابات بعض المثقفين الذين يميلون مع السلطة حيث مالت، فقراءة جملة المتناقضات في خطابتهم تعني بأنهم عبارة عن مثقفين من ورق، على الرغم من محاولاتهم لتعرية الواقع التاريخي، والقبض على أنساقه الثقافية المتوارية؛ ولهذا كان يفضل الاكتفاء بالسكوت والصمت، وألا يضطر البعض لأن يكون على حد سواء في المنزلة عينها، التي يتساوى فيها مع مغرد أو ناشط على مواقع التواصل الاجتماعي، من حيث الافتقار للوعي المعرفي، والقانوني، ومن هنا ينبغي على المثقف الحقيقي نتيجة سياق ـ على الأقل – أن يمارس أضعف الإيمان، ونعني الصمت.
إن المقاومة حق طبيعي على الرغم من مشروعية الدّعوة للسلام، الذي يتحقق عبر مبادئ واضحة، فأكبر منظري أو دعاة النموذج المتشدد لحكم القانون، أو النظام، ونعني الفيلسوف الإنكليزي هوبز، الذي يرى في السلام وسيلة لتجاوز الحالة الطبيعية التي تنهض على الحرب المستمرة، ومن هنا وجب تحقيق السلام، ولكن هذا لم يترك بلا أي ضوابط… إنما يجب توفر شروط من أجل تجاوز فكرة «حرب الكل على الكل» التي تؤدي إلى الفوضى، ولكن ضمن سياق قانوني، بالتّضافر مع الأعراف الإنسانية، ومنها ما ينهض على مقولة «عامل الناس كما تحب أن يعاملوك»، وفي أزمنة الاستعلاء الصهيوني، الذي استطاع – في غفلة من العرب- أن ينخر الجسد العربي، وعقله، فبات الوعي العربي (عقلياً وعاطفياً) يستمرئ وجود الكيان الصهيوني من أنّه باطل وجوداً، ولغة، فالسلام يعني أن تتجاوز عن جزء من حقك، مقابل تنازل الطرف الآخر – كما يرى هوبز- بيد أن هذا الكيان نال السّلام بأبخس الأسعار، حيث لم يستجب يوماً لمنظومة القانون الدولي، وبناء عليه؛ فإن السعي للسلام سيكون باطلاً طالما هنالك أرض محتلة، فالأمم الحرة لا يمكن أن تقبل احتلالاً خارجياً – على الرغم من إمبريالية بعضها- كما فعل الفرنسيون في الحرب العالمية الثانية، والأمريكيون في حرب الاستقلال، كما سائر الأمم التي تعرضت للغزو أو الاحتلال، وعلى الرغم من أن الفلسطينيين استجابوا للسلام البائس، غير أنهم لم يمضوا إلى نهايته، وما زالوا يدفعون ثمن هذا الخطأ الاستراتيجي الذي أضرّ بمصالحهم، ولكن هذا لا يعدّ مسوّغاً لأن نتجاوز حقيقة مشروعية الحق بوصفه أمراً لا يمكن أن نختلف عليه قانونياً، على الرغم من محاولات البعض النيل منه، عبر تسويق نظم خطابية تبدو على قدر كبير من الهزال والضعف.

٭ كاتب أردني فلسطيني

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية