عندما كنا ننتقد أولئك الذين صدّعونا بشعار الجهاد البديل، وصدّعونا بشعارات الطائفية المقيتة، كنا نعلم زيف هذه الشعارات لأنها شعارات للدنيا، ولأن أصحابها حتى ولو كان بعضهم ضليعا في الفقه فهو جاهل لمقاصده و جاهل في السياسة، وكنا نملك بوصلة التحليل المنطقي الذي محوره فلسطين، حيث الجهاد الحقيقي في وجه الجهاد البديل، وحيث أهل الرباط الحقيقيون الذين باركهم النبي عليه السلام وبارك رباطهم في القدس وأكناف القدس إلى يوم الدين، أما الذين يرفعون السلاح في وجه مجتمعاتنا يقتلون برّها وفاجرها، ويكفّرون أفرادها وعامّتها، ويفجّرون شوارعها، ويفخّخون ساحاتها، فشرذموا نسيجها الاجتماعي، وفتنوا الأمّة في دينها ودنياها، كنا نُشير لهم إلى بوصلة فلسطين فهي خطة الطريق، حتى اندلع العدوان الإسرائيلي الأخير على غزّة، فكان لزاما أن نُذّكر الذين مازالوا إلى تلك الشعارات عاكفين، وأولئك الذين أقاموا الدنيا، وجيّشوا الجيوش، تحت تلك الشعارات هاهو اختبار فلسطين في غزّة لنعلم المجاهدين من المخلّفين، ونعلم دور من نصّبوا أنفسهم لحماية البلاد، هل تكون لهم الحميّة نفسها، فيدعمون المجاهدين في المقاومة الفلسطينية أم أنهم سيولّون الدبر.
جولة العدوان الإسرائيلي في رمضان وبعده هو درس آخر لمن يريد أن يميز أولوية وحدة الأمة وسلمها الإجتماعي على مطلب فئوي هنا وحق عصبي هناك، ويميز بين جهاد حقيقي لا يختلف فيه اثنان، وجهاد بديل حصاده خراب مجتمعاتنا وتمزق دولنا، يجرّ معه هواننا على عدونا، وبين سُنة تباركنا وتحثنا على الرباط في بيت المقدس وأكنافه وتبشرنا بالعزة والنصر، وسُنة موضوعة تدعونا إلى الرباط في كل الدنيا ماعدا فلسطين، وتدعونا إلى تخريب بيوتنا بأيدينا فيقتل بعضنا بعضا، فيزداد عدونا صلابة وتقانة في عُدّته وعتاده، ونزداد نحن مذلة ووضاعة وهوانا.
عندما شاهدت نتنياهو وهو يتبجح بعدوانه، وشاهدت أولئك الأطفال والنساء بين شهيد وجريح، يستغيثون بصيحة في واد، ثم بحثت عن كل أولئك الذين ملؤوا الدنيا صراخا من فقهاء وسياسيين، وتلك الجماعات المكبّرة على دمنا، ترفع المصاحف وتلوّح براياتها السوداء، وهي تحاصر مجتمعاتها، تساءلت أي حمق سياسي نعيشه، وأي تزوير لحقائق الدين، وقواعد السياسة، وكأن فلسطين خُلقت لتكون فاضحة لكل ذلك العبث وتلك الأخطاء في مسيرة نخبنا وجماعاتنا وعصبنا. إن فلسطين تفضحنا جميعا.
والله لو أننا نقوم بنصف ما نقوم به في حروب داحس والغبراء لفلسطين، لما تجرأ نتنياهو أن يقف مزهوا بقتله لأطفالنا ونسائنا، ولكن نتنياهو يعلم أن كل أولئك السياسيين والفقهاء والجماعات هي زبد، ترغو وتزبد فقط فيما بينها، لا أريد أن أدخل في تسميات ولكن القارئ سيستحضر كل ذلك، ويتساءل مثلي لماذا تختفي عنترياتنا في فلسطين، وأنا لا يهمني السياسي الانتهازي أو فقهاء الأزقة العربية، لأنني أعلم دجلهما وحمق كل منهما، ولكنني أتأسف لذلك الشباب المخدوع بتلك الشعارات، فيتورط هو في حفلة الدعاية دون أن يشاهد خلفيات ذلك، منذ أيام وجدت أن مريدي إحدى صفحات التواصل الإجتماعي لأحد دعاة الفتن، قد قارب عشرة ملايين.
محمد حسن مرين