فلسطين: المقاومة تكتيكية والاحتلال استراتيجي!

هشام عبد الله
حجم الخط
0

لم يلتفت كثير إلى خبر امتلاء مقبرة الشهداء في مدينة جنين شمال الضفة الغربية، وسرعان ما دشن شهداء قضوا في العدوان الإسرائيلي الأخير على مخيم جنين، مدفنا آخر جديدا. دفن الفلسطينيون قتلاهم وسط الدمار الذي خلفته قوات الاحتلال الإسرائيلي، فرحين بدحرها إلى معسكراتها الرابضة على مرمى حجر.
صمدت المقاومة في مخيم جنين أمام قوات الجيش الإسرائيلي المؤلفة من أكثر 1000 جندي والمدججة بمختلف أنواع الأسلحة. بقيت المقاومة في جنين ونابلس وأريحا وغيرها من مدن وبلدات الضفة الغربية، وما زال الاحتلال الإسرائيلي جاثما على هذه الأراضي.
ومنذ قيام إسرائيل عام 1948 حتى عام 2020 سقط ما يزيد عن مئة ألف شهيد من الفلسطينيين والعرب داخل وخارج فلسطين، حسب أرقام جهاز الإحصاء المركزي الفلسطيني الذي أوضح ان نحو 11 ألفا سقطوا في العشرين عاما الأخيرة، بينهم أكثر من ألفين سقطوا في العدوان الإسرائيلي على قطاع غزة عام 2014.
وخلال النصف الأول من العام الحالي 2023 حيث تصاعدت حدة المواجهات بين المقاومة الفلسطينية من جهة والجيش الإسرائيلي والمستوطنين من جهة أخرى، ارتفع عدد الشهداء إلى نحو 200.
وحسب الإحصاءات المتاحة فإن عدد الفلسطينيين والعرب الذين قتلوا منذ قيام إسرائيل بلغ نحو خمسة أضعاف القتلى اليهود في ذات الفترة.
على مدار عقود دخلت المقاومة الفلسطينية في مراحل صعود وهبوط، وتغيرات تتعلق بأماكن تواجدها وفاعليتها التي ارتبطت بسياسات داخلية فلسطينية وأخرى تأثرت بالعلاقة مع الدول العربية، لاسيما المجاورة لفلسطين، ناهيك عن تأثرها بالعلاقات الدولية.
وفي المقابل نجحت إسرائيل بفرض تواجدها العسكري والأمني على معظم الأراضي التي احتلتها عام 1967 بما فيها القدس الشرقية.
وفي حين حافظت إسرائيل، مسلحة بدعم غربي ودولي لا محدود، على تفوقها النوعي على المقاومة الفلسطينية ورسخت احتلالها لأراضي عام 1967 بحملة التوسع الاستيطاني المحموم والمتواصل، ظلت المقاومة الفلسطينية تخضع لضغوط عربية ودولية اضطرتها إلى اللجوء إلى التكتيك والتخلي عن الكفاح المسلح طريقا لتحرير فلسطين التاريخية.
وما لبثت قيادة المقاومة ان انتقلت مضطرة من الأردن إلى لبنان بداية السبعينيات، حتى ارتحلت مجددا عام 1982 إلى تونس لتدخل تغيرا جذريا مع انتقال المقاومة المسلحة التي كانت شهدت فترة تراجع كبير داخل الأرض المحتلة، إلى المقاومة الشعبية حيث اندلعت انتفاضة الحجارة 1987-1994.

سلطة الحكم الذاتي

مع تصاعد الضغوط (عربية ودولية) على منظمة التحرير الفلسطينية وقبولها بدولة فلسطينية مستقلة على حدود الرابع من حزيران/يونيو عام 1967 ودخولها مسار التسوية السياسية واعترافها بإسرائيل، دخلت المقاومة مرحلة جديدة مع اتفاق أوسلو وانبثاق سلطة الحكم الذاتي عام 1994.
كانت حركة حماس التي عارضت اتفاق الحكم الذاتي قد أرست نظامها الخاص بالمقاومة المسلحة الذي انطلق بالعمليات «الانتحارية» مرورا بتشكيل قواتها الخاصة أثر سيطرتها على قطاع غزة عام 2007.
وذلك فإن دور السلطة الفسطينية في التنسيق الأمني مع إسرائيل، استنادا إلى اتفاق أوسلو، أربك مفهوم المقاومة المسلحة مجددا، وقد تضاعف هذا الإرباك والتعقيد مع المواجهات المسلحة الأولى بعد قيام السلطة الفلسطينية عندما شاركت قوات الأمن الوطني الفلسطيني في المواجهات المسلحة التي عرفت باسم «انتفاضة النفق» في أيلول/سبتمبر عام 1996 ردا على شروع حكومة بنيامين نتنياهو حينها في حفر نفق أسفل المسجد الأقصى.
لكن المواجهة الفارقة في عمر المقاومة المسلحة الفلسطينية كانت تلك التي اندلعت مع الانتفاضة الثانية، أو ما عرف باسم انتفاضة الأقصى عام 2000 والتي تطورت إلى مواجهات مسلحة شاركت فيها القوات المسلحة الفلسطينية جنبا إلى جنب مع حركة حماس الإسلامية.
كانت تلك المواجهة المسلحة، الفصل الأخير في عهد الزعيم الراحل ورمز المقاومة الوطنية الفلسطينية الحديثة ياسر عرفات، الذي قضى وهو تحت الحصار الذي فرضته إسرائيل عليه مع اندلاع الانتفاضة الثانية.
إثر وفاة عرفات وسيطرة حماس على قطاع غزة كانت المقاومة الفلسطينية تدخل مرحلة جديدة أخرى، في حين كانت استراتيجية الاحتلال القائمة على السيطرة على الحدود والآرض وترك السكان تحت إدارة مختلفة، ما زالت تترسخ وتتجذر.
انشغلت حركة حماس ببناء قوة عسكرية في قطاع غزة الذي تركته إسرائيل محاصرا بعد انسحابها الأحادي من محيطه. وكانت الضفة الغربية تحت حكم الرئيس عباس تنتقل إلى مرحلة مختلفة تماما عن عهد الرئيس الراحل ياسر عرفات.

الحوار والمفاوضات

كان التنسيق الأمني مع إسرائيل كما قال عباس في أكثر من مرة «مقدسا». تم التخلي عن معظم القيادات والعناصر الذين خدموا مع عرفات، وتمت إعادة تشكيل قوات أمن جديدة عقيدتها تتناقض بالكامل مع أي شكل من أشكال المقاومة المسلحة.
ورسخ عباس سياسته التي تعتمد الحوار والمفاوضات والالتزام بالاتفاقات الموقعة مع إسرائيل حرفيا. وفي حين أصر عباس على أن الطريق الوحيد للتعامل مع إسرائيل هو سبيل المفاوضات والحوار، كانت إسرائيل قد تنصلت بالفعل من كل ما يتعلق باتفاق أوسلو، حتى التنسيق الأمني الذي التزمت به قيادة عباس، كانت إسرائيل تتجاوزه حين تشاء.
ظلت الأمور تسير على ذات النسق حتى انهيار مفاوضات التسوية مع إسرائيل عام 2014 وفي حين أصر عباس على دعم المقاومة الشعبية فقط، كانت بذور المقاومة المسلحة تنمو مجددا في الفضة الغربية.
وقد ساهمت المعارك التي خاضها قطاع غزة بقيادة حركة حماس مع إسرائيل وتنامي قدرة المقاومة هناك وقدرتها على قصف إسرائيل مرارا وتكرارا، في إذكاء روح المقاومة في الضفة الغربية وفتح الباب مجددا أمام عمليات مسلحة.
لم يطل المقام طويلا، توقف قطار التسوية السياسية مع إسرائيل ووصل الرئيس الأمريكي السابق دونالد ترامب إلى رئاسة البيت الأبيض وقرر نقل السفارة الأمريكية في إسرائيل إلى القدس، وتناوب اليمين المتطرف على سدة الحكم في إسرائيل، وتمدد الاستيطان وتصاعد عنف وشراسة المستوطنين، وعجز السلطة الفلسطينية عن فعل شيء، كل ذلك وغيره أيضا، كان يصب في خزان وقود المقاومة لتشتعل مجددا.
جذوة الحراك كانت تتقد مع انطلاق سلسلة الهجمات المنفردة التي نفذها شبان من خارج إطار الفصائل والحركات الفلسطينية في الأعوام 2015 و2016 ومن ثم مع معركة البوابات الإلكترونية في باحة المسجد الأقصى في القدس والتي تحولت سريعا إلى مظاهرات عارمة في مختلف أنحاء الضفة الغربية.
لكن الاحتلال الإسرائيلي الذي لم تتغير استراتجيته، وان تراجع في قضية البوابات الإلكترونية، فإنه ضاعف جهوده في اقتحامات المستوطنين للمسجد الأقصى، وكثف من بناء الوحدات الاستيطانية حول القدس وفي الضفة الغربية.
في غضون ذلك كانت المجموعات المسلحة في جنين، نابلس وأريحا قد استقرت على رأي استئناف العمل المسلح مجددا، اللافت هذه المرة أن المجموعات ضمت عناصر من مختلف التنظيمات الوطنية والحركات الإسلامية لأول مرة منذ معركة الانتفاضة الثانية في عهد عرفات الأخير.
اللافت أيضا، أن استئناف انطلاق المقاومة المسلحة في الضفة الغربية كان من مخيم جنين، حيث خاضت المقاومة هناك آخر معاركها بمشاركة كل الفصائل والحركات بما فيها حركة فتح عام 2002.
ما زال التكتيك يسود نمط المقاومة المسلحة الفلسطينية، وليس ثمة مؤشرات قوية وواضحة كيف سيكون مآلها هذه المرة، غير ان الاحتلال الإسرائيلي لم يغير استراتيجيته حتى اللحظة.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية