لا أدري من أين أبدأ.. شعور الخذلان والعجز والإحباط والحزن والوجع بكل معانيها ومشتقاتها وأبعادها تقعدني وتشل قدرتي على صياغة الكلمات.. ما نفع الكلمات وما جدوى الكتابة ونحن نقف على شفير النهاية.. نحن اليوم نرتقب موت آخر فلسطيني.. إنها مسألة وقت ونعلن موت فلسطين وفناء شعب بكامله ونسجل للعرب أكبر خيانتهم.. إنها فقط مسألة وقت.. لا لست متشائمة فحسب، بل أضخ تشاؤماً!
مجزرة تلوى أخرى والعالم صامت. لقد استطاعت إسرائيل أن تحقق ما لم يحققه هتلر، وذلك بمباركة كونية.. هكذا نجحت ببث مسلسلات قتلها لآلاف الأطفال ليتابعها الملايين حول العالم، وها هو «العم بيدو» رئيس أكبر بلد في العالم يؤكد كونه صهيونيّاً ويوضح بأنه ليس من الضروري أن يكون الشخص يهوديّاً لكي يكون صهيونياً، كما يشدد على بقاء إسرائيل قوية لتكون ملاذاً آمناً لليهود فقط، ضارباً بعرض الحائط أمن الفلسطينيين متجاهلاً موتهم اليومي، متناسياً العذاب الذي يعاني منه المعتقلون في سجون الاحتلال. هو يدعم وبكل قوته الجلاد الإسرائيلي ويخشى أن يخسر صديقه المجرم بيبي شيئاً من قوته فيتراجع أداؤه الإجرامي في البطش والتعذيب والقتل.
جلاد يجرد السجناء من ملابسهم ويبتكر «أحدث الوسائل» لاغتصابهم بخرطوم طفاية الحريق ويفرغها في داخلهم وبالمسدسات.. جلاد يصلب السجناء على الحيطان ويفلت عليهم الكلاب لتنهش من أجسادهم في «عنبر جهنم» و»عنبر جحيم».. جلاد يجوّع السجناء حتى الموت ويقتلهم بوسائل لا تخطر حتى على بال إبليس.
كيف يمكن لنا أن نستوعب هذا الكم الهائل من الظلم والاضطهاد ونحن نتفرج مكتوفي الأيدي؟ كيف نسكت على مجازر ترتكب بحق شعب أعزل يسعى للبقاء؟ إن التاريخ سيسجل هذا الخزي والعار بأحرف من دماء الأطفال الأبرياء الذين سقطوا ضحية لعالم أعمى عن الحق والعدالة. ماذا سنقول للأجيال القادمة؟ كيف سنبرر لهم صمتنا وخنوعنا وتخاذلنا؟
كلنا نذكر مجزرة مستشفى الشفاء، يومها أُسقطت المستشفى على رؤوس من فيها من مرضى وأطباء حتى الخدج لم يسلموا من بطش ووحشية العدو الإسرائيلي. يومها تحججت السلطات الإسرائيلية بوجود قواعد لحماس في دهاليز المستشفى لكي تستشر وتتلذذ بقتل وذبح الأبرياء. وقد بررت جريمتها بإبراز جدول عمل الممرضين والأطباء كدليل قاطع على وجود عناصر لحماس في أنفاق تحت المستشفى. هذه المجزرة لم تكن الوحيدة، بل كانت واحدة من مجازر عديدة، كان آخرها مجزرة مواصي خان يونس. وقد تكون هناك مجازر جديدة في هذه اللحظة التي تقرأون فيها المقال. ولكن دعونا نتكلم عن مجزرة المواصي تحديداً، باعتبارها واحدة من أكبر «إنجازات» جيش الاحتلال، ونضيء على كيفية تناول الإعلام الإسرائيلي لهذه المجزرة وكيف مرت مشاهدها مرور الكرام أمام أعين زعماء العرب والعالم الذي يتباهى بإنسانيته الوهمية المزيفة الكاذبة!
في تلك الليلة لم ينم المجرم بيبي. كان يعاني من أرق شديد وهو يفكر كيف سيقضي على محمد الضيف، أو ابن الموت، أو الحي الميت، أو مهندس «سبعة أكتوبر»، وهي التسميات التي تداولها الإعلام الإسرائيلي.. ومن شدة قلق بيبي قرر أن يتصل برئيس الشاباك رونين بار وسكرتيره العسكري الجنرال رومان غوفمان. وبعد التداول والتفكير والتدقيق قرروا أنه الوقت «المناسب» لقتل الضيف. هكذا طبخوا معاً عملية الهجوم على خيام المواصي. وأسقطوا بدم بارد، على رؤوس الأطفال والأمهات والمسنين والشباب الأبرياء النائمين على الأرض في خيم تمرجحها الريح، 8 أطنان من المتفجرات. نعم 8 أطنان! كلها فوق رؤوس الأطفال.. كلهم بقوا نياماً.. ولن يصحوا أبداً إلا ليلعبوا بين السحب المضيئة مع رفاق صغار كانوا قد رحلوا قبلهم. أما الأشلاء فقد تجد من يدفنها إن لم تُسرق أو تأكلها الكلاب البوليسية.. إن جيش الاحتلال لم يقتلهم فحسب، بل قتل كل من أسرع لنجدتهم من دفاع مدني وفرق إسعاف.. قتلوهم ولم يكن لا الضيف بينهم ولا أي من المحتجزين الإسرائيليين. لقد تحججت السلطات الإسرائيلية كعادتها بوجود الضيف فقط لتقتل كل الأطفال. هم يرغبون و»ببساطة شديدة» بإعدام فلسطين كلها، وذلك بقتل كل آخر طفل من أطفالها.
أما «حماس»٥
فهي فقط حجة لتصفية الشعب الفلسطيني بشكل كامل. وقد يكون ذلك الهجوم المتوحش أيضاً بمثابة نصر وهمي لبيبي المتلذذ بالدماء والمتعطش لتلميع صورته المهتزة في المجتمع الإسرائيلي.
أما الإعلام الإسرائيلي فقد كان جاهزاً لترويج الأكاذيب والتغطية على موت الأطفال. وبدأ بسرد حكاية وصول محمد الضيف للمجمع في غربي خان يونس بهدف عقد جلسة سريّة حول استمرار القتال في القطاع.
ولم يكتف إعلامهم بهذا الحد من التأليف والتلحين، بل أضافوا أن الجيش قصف طواقم الإسعاف المدني التي كانت قد أسرعت لإنقاذ الضيف بعد تعرضه للإصابة.
كل ذلك ولم يتلفظ الإعلام بكلمة إدانة واحدة للجريمة البشعة التي ذهب ضحيتها أكثر من 350 شهيداً وجريحاً، بل تابعوا بهوس تأليف القصص عن موت الضيف، فهو، حسب الإعلام الإسرائيلي لم يمت ميتة واحدة. لقد مات وانبعث من جديد مرات عديدة وفي هجمات إسرائيلية ماضية. وسيموت ويحيا في المستقبل في كل مجزرة مقبلة!
إن مجزرة مواصي خان يونس ليست إلا واحدة من حلقات طويلة في سلسلة جرائم جيش الاحتلال البشعة، ولن تكون الأخيرة.
كاتبة لبنانية