تأجيل الانتخابات التشريعية، وتنامي عمليات المقاومة الفردية من الاقتحامات الليلية في جنين إلى موجة العمليات في القدس ومناطق في الضفة الغربية، وقرار السلطة الفلسطينية بإطلاق حملة للسيطرة على السلاح وفلتانه.
رام الله ـ «القدس العربي»: يمضي عام 2021 على الفلسطينيين ثقيلا للغاية، أسباب ذلك كثيرة منها أن العام الذي يرخي ذيوله عاش فيه الشعب الفلسطيني في مختلف أماكن تواجدهم أحداثا جسيمة أعادت لهذا الشعب إحساسه بذاته، لكن ذلك لم يستثمر بما يحقق الآمال حتى أبسطها المتمثلة بتحقيق «الوحدة الوطنية».
نقول ذلك لكون الحوادث التي مرت خلال العام كانت تمتلك قدرة تفجيرية عالية، وفيما لو أحسن استثمارها لأمكنها قلب الواقع الفلسطيني كله المليء بالإحباط واليأس وانعدام خيارات الفعل وتفرد الاحتلال الإسرائيلي بالفلسطيني.
ويمكننا القول هنا أن الفلسطينيين عاشوا في ثنائية حملت مفارقة مهمة، إحدى أطراف الثنائية ظهور البطولات الفردية والجماعية غير أنها لم تستثمر لصالح قضية هذا الشعب، وهو ما جعلها تتمم الطرف الثاني لهذه الثنائية حيث الخسارات التي عبر عنها وجود مجموعة كبيرة من الحوادث الداخلية التي عكست تحول النظام السياسي الفلسطيني إلى نظام بوليسي وغير ديمقراطي وهو ما تجلى بعد مقتل المعارض السياسي نزار بنات. برز اسم التوأم المقاوم محمد ومنى الكرد عام 2021 وبالتحديد خلال مواجهة أهالي حي الشيخ جراح لشرطة الاحتلال، حيث نجح الشقيقان في نقل وإيصال صورة وصوت الحي المقاوم أمام آلة القمع الإسرائيلية ومحاولة التهجير القسري، بشكل قوي ومؤثر إلى العالم عبر الحملات الإلكترونية في مواقع التواصل الاجتماعي.
وكانت مجلة «تايم» قد صنفت منى الكرد وشقيقها محمد، ضمن الشخصيات المئة، الأكثر تأثيرا في العالم لعام 2021 اللذين فتحا نافذة سلطت الضوء على كيفيّة العيش تحت الاحتلال في القدس، الأمر الذي أحدث تحوّلًا في الخطاب الدولي حيال إسرائيل والقضيّة الفلسطينية.
وينتمي الشقيقان لعائلة مهددة بالطرد إلى جانب 28 عائلة فلسطينية أخرى، تقيم في منازلها حي الشيخ جراح، منذ العام 1956. وما زالت العائلات تخوض منذ سنوات طويلة معركةً ضدّ إمكانيّة إخلائهم من منازلهم قسريًا لصالح المستوطنين الإسرائيليين.
وفي أيار/مايو الماضي امتدّت التوترات من حيّهم إلى القدس القديمة وصولًا إلى مواجهة مسلحة مفتوحة مع قطاع غزة وفي عموم فلسطين التاريخية. وهو ما أعاد للفلسطينيين حلمهم بوطنهم على كامل ترابهم الوطني المكون من «27 ألف كيلو متر وشوي» وهي الفكرة التي عبر عنها إضراب فلسطين 18 أيار/مايو العظيم.
بهذا التاريخ خرجت أول هبة مقاومة جماهيرية شكلت عودة فعالة لفكرة الأرض بمفهومها الواسع الذي يعني فلسطين التاريخية، وهي نتيجة حاضرة بفعل الحالة النضالية الجديدة بعد أن كان يتم الحديث عن فلسطين بصفتها مناطق أربع: الضفة الغربية، قطاع غزة، القدس، وفلسطين 48 مقسمة ومجزأة ومختلفة الهموم والقضايا.
في 18 ايار/مايو الماضي انقلبت الصورة وتسيد مفهوم «الأرض الفلسطينية» بدلا من الأراضي الفلسطينية. وفي هذا اليوم بدا أنه لا شيء قادر على توحيد الشعب الفلسطيني كالمقاومة، فالإضراب التاريخي أو العظيم الذي عاشته فلسطين أسس لحالة نضالية واحدة في عموم أرض فلسطين. وكان يفترض أن يكون هذا اليوم بداية لـ«معركة التحرير الشامل، وولادة جديدة للشعب الفلسطيني» و«قطيعة مع الهزيمة والخيبة» لكنها لأسباب كثيرة لم تراكم عليها.
في سياق ذلك خاض قطاع غزة حربا طاحنة استمرت على مدى 11 يوما حملت اسم «معركة سيف القدس» بحسب التسمية الفلسطينية حيث أطلقت المقاومة الفلسطينية في غزة الصواريخ على مدينة القدس لأول مرة وهو ما كان إيذانا بمواجهة مسلحة، انتهت الاشتباكات بوقف لإطلاق النار دخل حيز التنفيذ في الساعة الثانية فجرًا من يوم الجمعة 21 ايار/مايو، وذلك بوساطة دولية قادتها مصر.
ودخل الفلسطينيون صراعا على الشرعية بعد تلك المواجهة المسلحة التي راح ضحيتها 243 شهيدا، وبدلا من الاستثمار في انتصار المقاومة بدلالة عدم هزيمتها وصمودها دخل الفريقان السياسيان «فتح وحماس» في خصومات سياسية جديدة أساسها من يمتلك الشرعية والتمثيل الفلسطيني وهو ما عزز الفراق والانقسام السياسي.
أيقونة المعارضين
من الخسارات التي عاشتها فلسطين خلال 2021 كان مقتل المعارض السياسي والناشط المترشح للانتخابات التشريعية الفلسطينية التي تم إلغاءها، على يد عناصر من الأمن الوقائي الفلسطيني في مدينة الخليل.
وفجرت الحادثة غضبا فلسطينيا داخليا لا مثيل له، وهو ما خلق تحركات شعبية فلسطينية طالبت بالعدالة لمقتل بنات فيما ظهرت أصوات تنادي برحيل السلطة الفلسطينية والرئيس محمود عباس. وعدت هذه الحادثة أزمة حادة عصف بالشعب الفلسطيني حيث كادت أن تتحول إلى صراعات داخلية قاتلة.
وكان لرد السلطة الفلسطينية وأجهزتها الأمنية العنيف والوحشي على المتظاهرين المطالبين بالعدالة في الميادين العامة وعلى الصحافيات خاصة وكذلك اعتقال القيادات والنشطاء السياسيين مؤشرات تم التحذير من أنها ممارسات جعلت النظام السياسي الفلسطيني يتحول لنظام بوليسي بدأ يفقد كل مظاهر شرعيته.
وكان من نتائج الاغتيال أن تحول بنات إلى أيقونة للمعارضة السياسية الفلسطينية.
الأسرى يعودون للواجهة
ورغم صعوبة ومأساوية مقتل بنات وما تلاها من أحداث عملت على شق الفلسطينيين بين مؤدين للنظام الحاكم ومعارضين له ومطالبين برحيله جاءت أحداث عملية «نفق الحرية» بمثابة بلسم يشفي الجروح ويخفي الأوجاع.
ففي فجر يوم 6 ايلول/سبتمبر تمكن ستة أسرى من حفر أسمائهم في تاريخ نضال الشعب الفلسطيني عبر عملية طويلة ومعقدة لانتزاع حريتهم من الأسر في سجن جلبوع الذي يعتبر شديد التحصين والسيطرة الأمنية.
وبعملية تشبه الأفلام خلق الأسرى الستة أكبر أسطورة في تاريخ نضالهم وهم: زكريا الزبيدي، محمود ومحمد العارضة ويعقوب قادري ومناضل انفيعات وأيهم كممجي.
وخلال أيام انتزاع الحرية مر الشعب الفلسطيني بمجموعة من المنعطفات المهمة، ففي أيام الهرب الأولى (5 أيام) أسطر الأسير الفلسطيني، بصفته «سوبر مان» قادر على اجتراح المعجزات، حيث عاش الفلسطيني مرحلة الانبهار الخالص، أما المنعطف الثاني فقد بدأ من لحظة اعتقال الأسرى الأربعة وحتى لقاء محاميهم بهم، وخلال هذه المرحلة التي لم تتجاوز ثلاثة أيام عاش الفلسطيني صدمة ووجعا مضاعفا وبدا وكأنه انكسرت أحلامه التي أسقطها على أحلام الأسرى الستة، وهو ما تعزز مع اعتقال آخر أسيرين فارين. أما المنعطف الأخير ففيه أنسن الأسرى وأعيدت لهم فردانيتهم وأحلامهم الصغيرة، عبر ما نشر على لسانهم أو عبر رسائلهم وهو ما رَمم وجع إلقاء القبض عليهم، وتم تجاوزه عبر سيل جارف من التفاصيل التي أصبحت محركا لقضية الأسرى في السجون الإسرائيلية الذين يفوق عددهم الـ 6000 أسير.
ويأبى هذا العام على الرحيل إلا مع ظهور الفيلم الروائي الطويل «أميرة» السينمائي للمخرج المصري محمد دياب، حيث سادت حالة من الغضب لتناوله قضية تهريب النطف الخاصة بالأسرى في السجون الإسرائيلية وفيه يعرض أن سجانا إسرائيليا قام بتبديل نطفة أسير حاول تهريبها لزوجته بنطفته.
وترتب على الحملة الكبيرة الغاضبة من رسالة الفيلم أن قام المخرج والجهات المنتجة بوقف عرض الفيلم ومن ثم وقف ترشيح الفيلم لجائزة الأوسكار.
وفي العام 2021 حضرت بلدة بيتا كأيقونة جديدة في المقاومة الشعبية الفلسطينية التي تستمر في مقاومتها المبدعة حتى اللحظة في سبيل خلاصها من كابوس بؤرة استيطانية جديدة على جبل صبيح الذي يعود لأهل البلدة وقرى مجاورة.
بلدة بيتا التي قدمت خلال نضالها المتواصل والممتد حتى اللحظة منذ سبعة شهور كانت حالة ناجحة في مواجهة الاستيطان الإسرائيلي في الضفة الغربية، حيث شهد هذا العام أكبر الهجمات عددا على الفلسطينيين لدرجة دفعت البعض للقول إن المستوطنين هم من يشنون «انتفاضة» على الفلسطينيين، وهو الأمر الذي تعزز مع هجمات المستوطنين في موسم قطف الزيتون وما تلا ذلك على طول الضفة الغربية.
ملفات كثيرة مرت في هذا العام الساخن منها تأجيل الانتخابات التشريعية بعد قرار إجرائها بعد توقفها منذ سنوات، وكذلك حضور الجامعات للواجهة من مدخل العنف الطلابي ودور الحركات الطلابية في مواجهة الاحتلال، وكذلك الجدل الحاد عن اتفاقية القضاء على جميع أشكال التمييز ضد المرأة «سيداو» على الرغم من مرور خمس سنوات على انضمام دولة فلسطين لها، وتنامي عمليات المقاومة الفردية بدءا من مقاومة الاقتحامات الليلية في مدينة جنين إلى موجة العمليات في القدس ومناطق في الضفة الغربية، وصولا إلى قرار السلطة الفلسطينية بإطلاق حملة أمنية للسيطرة على السلاح وفلتانه.
ولا يمكن أن ننسى من عام 2021 سلوك المنصات الرقمية وشبكات التواصل الاجتماعي التي تعاملت بوحشية مع المحتوى الرقمي الفلسطيني، حيث شهد هذا العام تنامي واستفحال سياسات القمع والإعدام الرقمي الخاص بالمحتوى الفلسطيني.
كل ما سبق ملفات صبغت العام الفائت وهي بمجملها عززت الثنائية التي تحدثنا عنها في بداية هذا الاستعراض حيث البطولات الكبيرة والخسارات المريرة.