لما هممت بالانصراف بعد انتهاء فترة الدوام.. أوقفني المترجم الياباني الذي يعمل معي في الشركة.. واستسمحني أن يسألني أمرا استعصى عليه، فاعتقدت أن تكون كلمة عربية صعبة!
ـ كما تعلم يا زميلي، أني عملت في الكثير من البلاد العربية، قبل أن أتي إلى الجزائر.. سبق لي أن عملت في البحرين والاردن وتونس وليبيا وموريتانيا والكويت.. لقد لفت انتباهي أمر وحيرني. وماهو؟ ولم اتوقع أبدا أن دقة ملاحظة الياباني تكون بهذا الشكل. الرزنامة. وما بها الرزنامة؟
ـ الصور التي تزين الرزنامة.. مختلفة عما هو في كل أنحاء العالم! لا تزينها مبان محلية أو أثار قومية.. وإنما وفي كل البلدان التي عملت فيها، وفي معظم المؤسسات التي تعاملت معها شركتنا تزين الرزنامة صورتان.. صورة الكعبة المشرفة في مكة.. وصورة المسجد الأقصى بفلسطين! لم أفهم كيف استطعتم التفاهم في ما يخص شكل الرزنامات وأنتم المختلفون في كل شيء المهم أو البسيط؟!
ابتسمت وقلت:
ـ القدس في قلب كل عربي.. وفي كل قلب كل مسلم.. أما مكة بجانبها فمعناه أن ايمان أي انسان لا يكتمل الا بمكة والقدس معاً.. الفرحة لا تكتمل حتى تصير القدس مثل مكة حرة ويستطيع أي عربي أو مسلم أن يشد الرحال اليها.
ـ حسب دراستي أتفهم تقديسكم لمكة أما القدس؟
ـ مهد المسيح عليه السلام، أنت ربما لا تعرف ان ايمان أي مسلم لا يصح حتى يحب المسيح وأمه عليهما السلام.. نحن نحبه أكثر من اولئك الاوروبيين الذي يسخرون منه ويتندرون به في كتبهم! وفلسطين أرض عربية.. كما قلت نحن اليوم ضعفاء متفرقون لكن لا يوجد ضعف دام الى الأبد.
هز رأسه أسفا ثم قال: أنا لم أفهم كيف تفكرون؟ حرب بين العراق وايران. ثم انقلاب العراق على الكويت.. واليوم حرب خفية بين ايران والخليج.. حرب بين باكستان والروس.. ثم انقلاب باكستان على الطالبان.. انقلاب تركيا على سورية.. وتقارب سورية مع العراق.. وانقلاب الشعوب على الانظمة.. ثم انقلاب الاسلاميين على الشعوب.. لماذا هذا كله؟ العالم كله يتقدم الا أنتم!
ـ ليس لي القدرة لكي أشرح لك.. حتى أنا غير فاهم جيدا! ربما نكون نحن أبناء هذا الجيل الأضعف.. وعصرنا هو أسوأ العصور، ليس عصر عمر الفاروق ولا عصر المستعصم ولا هارون الرشيد، ولا صلاح الدين ولا بارباروس أو سليمان القانوني.. ورغم ذلك لن نتخلى عن واجبنا في أن نجعل القلوب تنبض بحب القدس، وننقل هذا الحب الى الاجيال القادمة التي يكون لها شرف تحرير القدس وانهاء عصر الضعف العربي.
ـ كلام جميل.. سمعته أجيال واجيال منذ العشرينات والخمسينات.. ـ ولن نمل من ترديده.. فلسطين في القلب.
عبدالقادر رالة – الجزائر