فلسطين في تناقضات المشهد المصري

حجم الخط
0

طرحت ثورة الخامس والعشرين من يناير مجموعة من الإصلاحات السياسية والاجتماعية والاقتصادية والدستورية، بعد إسقاط نظام الرئيس المصري المخلوع حسني مبارك، الذي كان بمثابة أخطبوط يمثل الحزب الوطني الحاكم أقوى أذرعه، لاسيما وإنه استحوذ على مقدرات الشعب المصري وبنى نسقاُ من النظام السياسي عاث في البلاد فساداً والعباد ظلماً وفقراً.

نجحت الثورة في قطع أحد أذرعه، فنُحي مبارك، لكنه ورث ذيول الفساد ليتدرج نهجاً إلى عصب الحياة السياسية والاجتماعية والأمنية ضمن خارطة طريق منظمة بدأت مهامها منذ اليوم الأول لاندلاع الثورة ضمن مسار يعتمد على المواجهة الأمنية العنيفة التي تصدرها وزير الداخلية السابق حبيب العادلي القابع خلف قضبان السجن بسبب استخدامه آلة القمع البوليسية، التي أودت بحياة العديد من المتظاهرين، كما استخدم النظام أحد أذرعه الاخرى منها صفوت الشريف وفتحي سرور وزكريا عزمي وغيرهم ممن زينوا له طريق الفساد وعبّدوه بالقوانين والتشريعات المدلسة كالتوريث السياسي وغيره من القوانين لإحكام السيطرة على البلاد.

أساليب قمعية لم يستطع النظام أن يثني عزيمة شباب الثورة عن المضي في مطالبهم المشروعة، حيث عمد بعدها إلى وضع سيناريو للفت الانتباه عن المطالبات بمحاكمة رموز النظام المتورطين بالفساد، ولعل أحد أهم فصولها إشاعة اضطرابات داخلية للإضرار بأمن البلاد، الأمر الذي تؤكده أحداث الفتنة الطائفية بين المسلمين والأقباط في واقعة امبابة.

في ذات السياق تشير مراكز دراسات استراتيجية في مصر إلى أن الثورة المضادة تسير بشكل منظم، وممنهج، وتتهم عناصر النظام السابق وجهاز الأمن بتنفيذها، بتمويل من رجال الأعمال وبتوجيه من سياسيين كانوا قد تصدروا المشهد السياسي خلال السنوات الماضية، وانهم عادو ليطلوا برؤوسهم من جديد لتعطيل الاستحقاقات المقبلة التي يترتب عليها إجراء انتخابات برلمانية ورئاسية، وإعاقة تعديل الدستور ريثما يعيدون ترتيب صفوفهم ليتصدروا المشهد السياسي المصري مجدداً، تارة من خلال الدعوة إلى حوار وطني تحت عنوان ‘عفا الله عمات سلف’، وأخرى من خلال تأييد ودعم دولي وعربي لبعض الرموز المرشحة لموقع الرئاسة، التي أكدت غير مرة التزامها بالاتفاقيات الدولية والاقليمية الموقعة، في إشارة إلى اتفاقية ‘كامب ديفيد’ بين الكيان الاسرائيلي والنظام المصري، ولاسيما تبني هذا الموقف من قبل المجلس العسكري الأعلى للقوات المسلحة. غير ان الثورة استطاعت أن تفرض بعضاً من إرادتها السياسية فيما يتعلق بالموضوع الفلسطيني، فكان فتح معبر رفح الحدودي مع قطاع غزة، وما التظاهرات التي شهدها ميدان التحرير وسط القاهرة بالذكرى الثالثة والستين للنكبة، ومحاولة توجه بعض المتظاهرين إلى المعبر لفك الحصار عن القطاع، وما رافقها من تظاهرات حول السفارة الاسرائيلية تطالب بطرد السفير وإزالة العلم الاسرائيلي، رغم القمع والاعتقالات التي تعرض لها المتظاهرون من قبل الأمن المصري، إضافة الى فرض ارادتها في موضوع ملف المصالحة الفلسطينية، ما هي إلا تأكيد على حضور القضية الفلسطينية في المعادلة المصرية، في حين قابلتها دعوات مضادة ممن خرجوا من بين ظهرانية الثورة والنظام السابق تقول ان حاجة مصر القطرية هي التي تحدد أولوياتها القومية وتعتبر المظاهرات المؤيدة للفلسطينيين مضرة بأمن واستقرار مصر.

تناقضات المشهد المصري تفسر أن الطابع العفوي على المستوى السياسي كان السمة الغالبة للثورة، مما أدى الى غياب البديل القادر على تسلم السلطة بعد اسقاط النظام مباشرة، إذ لم يكن هنالك خيار أمام الطبقة السياسية الحاكمة سوى تسليمها لقيادة الجيش، وذلك للحفاظ على مصالحها الاقتصادية وضمان سيطرتها السياسية.

في ذات الوقت لم تستطع هذه الطبقة أن تمنع استمرارية الاحتجاجات الشعبية واتساع نطاقها، حيث كانت لهذه الموجة الاحتجاجية قدرة عالية على التأثير في صناعة العديد من القرارات السياسية وإن كان الشباب يعتبرون أنها لا تفي بجميع مطالب الثورة، التي يسجل لها أنها أسقطت النظام وحولت رموزه إلى التحقيق القضائي، وفتحت العديد من ملفات الفساد، كما انها حلت جهاز أمن الدولة والحزب الوطني، وأعادت القضية الفلسطينية الى أحضان الشعب المصري، لكن ما يخشى منه هو أن يتم تقويض الانجازات التي حققتها الثورة، خصوصا أن مصر مازالت أمام حالة من ازدواجية السلطة بين المجلس العسكري الذي يقود البلاد، وثورة جماهيرية لم تحقق جميع أهدافها بعد، لكنها تؤكد استمراريتها حتى تحقيق الهدف.

ناصر ستة

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية