يصف الكاتب الأمريكي ميلتون فيورست، زيارة له إلى قطاع غزة عام 1993 ضمّنها في كتابه «قلاع رملية». يدخل الكاتب القطاع من الشمال حيث يمر بساحة كان يسميها الغزيون والإسرائيليون، حسب قوله، «سوق العبيد» وهو موقع مفتوح كان يستخدمه الإسرائيليون لاختيار من يريدون من العمال المياومين الفلسطينيين. يصوّر فيورست الرحلة عبر مشهد متناقض لرحلة الساعة ونصف الساعة من الضفة إلى غزة بين القرى الخضراء للداخل الفلسطيني والسهل الغزاوي الكئيب.
يتابع فيورست مسار المفارقات بلقاء أبي فايز عكاشة، وهو مختار نزح إلى غزة من قريته ضمرة التي هدمها الإسرائيليون، لكنه نجح بتأمين أولاده في جامعات ووظائف في أمريكا والخليج العربي، ولقاء عبد الفتاح أبو زيدة في مخيم جباليا الذي شارك أبناؤه في الانتفاضة الأولى فهدمت السلطات الإسرائيلية منزله. التقى أيضا بالشيخ أحمد ياسين، مؤسس حركة «حماس»، وراقب، خلال زيارته، الأثر الذي أحدثه المشهد المفزع لعبور دورية عسكرية إسرائيلية في أحد شوارع غزة الذي دفع الشبان إلى العودة لبيوتهم تحسبا.
تأسست الحركة عام 1987، أي بعد قرابة عشرين عاما على احتلال إسرائيل للقطاع، وكان العام الذي بدأت فيه الانتفاضة الفلسطينية الأولى، التي اشتعلت بعد حادث على حاجز «إريز» نفسه الذي عبر منه فيورست، حين دهس سائق شاحنة إسرائيلي مجموعة من أولئك العمال الفلسطينيين آنفي الذكر. توقفت الانتفاضة، كما هو معلوم، مع توقيع اتفاقية أوسلو بين إسرائيل ومنظمة التحرير الفلسطينية عام 1993.
لم يكن لقطاع غزة، كمسمى سياسي، وجود قبل حصول النكبة الفلسطينية عام 1948، وكان عدد سكان هذا المقطع الجغرافي قرابة 80 ألفا عندها، وكان مشهورا ببيارات البرتقال التي كانت تصدر منتجاتها إلى أوروبا. لجأ إلى القطاع حينها قرابة نصف مليون فلسطيني سكن أغلبهم في مخيمات مكتظة يسودها فقر مدقع تفاقم بشدة لاحقا بعد طرد مئات آلاف الفلسطينيين، الذين كانوا يدعمون أهاليهم ماديا، من الخليج، بعد حرب الخليج الثانية (1990-1991).
مقتل ياسين و«وفاة» عرفات!
تحدّث الشيخ ياسين حينها، لفيورست، عن الخلافات الأيديولوجية لمنظمته مع حركة «فتح»، وكان حديثه مع الكاتب محطة قصيرة قبل أن تزج السلطات الإسرائيلية بالرجل المقعد شبه الضرير في السجن، بتهمة تشكيل تنظيم عسكري والتحريض على الدولة اليهودية، وأفرجت عنه عام 1985 بصفقة تبادل أسرى مع «الجبهة الشعبية – القيادة العامة»، ثم اغتالته، في 22 آذار/ مارس 2004، رفقة 7 من مرافقيه، بعد تنفيذ «حماس» عملية عسكرية في ميناء أسدود أودت بحياة 10 إسرائيليين وجرحت 20. قرار القتل جاء من وزير الأمن شاؤول موفاز الذي كان في واشنطن، ليعود ويقرر «إلغاء الفروقات في الاستهدافات بين القيادة العسكرية والروحية لحماس»، وإعلان القتل جاء على لسان زئيف بويم نائب موفاز، الذي قال حينها: «الشيخ يستحق الموت».. لا يلبث زعيم فتح التاريخي، ياسر عرفات، أن يتوفى هو أيضا بعد أشهر (11 تشرين الثاني/نوفمبر 2004)، بعد سنتين من حصار الجيش الإسرائيلي له في مقره في رام الله (مع إشاعات قوية أنه جرى تسميمه).
في 25 كانون الثاني/يناير عام 2006 فازت حركة «حماس»، في المشاركة الأولى لها في الانتخابات التشريعية في الأراضي الفلسطينية بعد عشر سنوات من هيمنة حركة «فتح». أعلنت الحركة حكومة برئاسة إسماعيل هنية، لكن إسرائيل وأمريكا رفضتا الاعتراف بالحكومة، ووقعت اشتباكات دامية بين أنصار الحركتين في قطاع غزة فأقال محمود عباس، رئيس السلطة الفلسطينية، هنية، وأعلن حالة الطوارئ. جرت مواجهات بين قوات الحركتين وطردت «حماس» عناصر «فتح» وسيطرت على القطاع.
لم يكن لقطاع غزة، كمسمى سياسي، وجود قبل حصول النكبة الفلسطينية عام 1948، وكان عدد سكان هذا المقطع الجغرافي قرابة 80 ألفا عندها، وكان مشهورا ببيارات البرتقال التي كانت تصدر منتجاتها إلى أوروبا.
تشكّل هذه الوقائع المتشابكة المشهدية السياسية ـ العسكرية الواسعة، التي حرّكت دينامياتها أحداث سقوط السلطنة العثمانية، وقرار بريطانيا عام 1917، والتي ستحتل فلسطين عام 1922، تأسيس «وطن للشعب اليهودي» فيها، وصعود النازية والستالينية في أوروبا واشتعال الحرب الكونية الثانية، ومقتل ملايين اليهود في «المحرقة»، وتصاعد الهجرة والاستيطان اليهوديين في فلسطين، وما تبع ذلك من هزيمة الجيوش العربية عام 1948 (وهي هزيمة متوقعة لجيوش ضعيفة يقارب عديدها 30 ألف جندي أمام القوات الإسرائيلية التي تعادل 70 ألف جندي)، وتأسيس إسرائيل، ثم تأسيس حركة «فتح»، عام 1957، كمنظمة فلسطينية لمقاومة إسرائيل، ثم هزيمة حزيران/يونيو 1967 العربية التي أدت لسقوط الضفة الغربية والقطاع تحت السيطرة الإسرائيلية، وحرب تشرين 1973، التي أدت لتسوية سياسية إسرائيلية مع مصر، عام 1978، ثم تشكّل «حماس» عام 1987، التي شكّلت، بتوجهها الإسلامي، الخصم الأيديولوجي لـ»فتح» (الحركة العلمانية التي كانت لديها أيضا جذور إسلامية قوية أيضا).
من «الحل النهائي» إلى الكارثة الكبرى!
تشكّل عملية «حماس» في 7 تشرين الأول/ أكتوبر الجاري حدثا سياسيا هائلا. لا نعرف شيئا عن كيفية اتخاذ القرار داخل قيادة «حماس» العسكرية. المشهد العام لما حصل هو اختراق قرابة 2500 عنصر من «حماس» و»الجهاد الإسلامي» و»الجبهة الشعبية لتحرير فلسطين» للسور الذي يعزل غزة عن إسرائيل ما أدى لمقتل 1400 إسرائيلي وأخذ أكثر من 200 رهينة. هزّ الحدث العالم الغربي لدرجة تشبيهه بحدث هجمات 11 أيلول/سبتمبر 2001 في نيويورك، وبهجوم اليابان على ميناء بيرل هاربر عام 1941. التقطت إسرائيل المبادرة، وتماهت دول غربية، كل لأسبابها الخاصة، مع هذه التشبيهات، لكنّ الرئيس الأمريكي جو بايدن، أضاف مبالغة كبرى، بتشبيه «حماس» بروسيا، وإسرائيل بأوكرانيا. «حماس» في هذه الحالة هي دولة نووية عظمى تقوم باحتلال بلد ضعيف مجاور، وإسرائيل النووية، التي تملك أقوى رابع جيش في العالم، تتعرض لتهديد وجودي من خصم أكبر وأقوى منها بكثير!
يمثل الحدث خلاصة تاريخية لتعقيد عالمي وإقليمي وعربي هائل، تتشابك فيه عقابيل «الحل النهائي» الأوروبي للمسألة اليهودية، وتصطدم في خلاله تداعيات التصنيع الغربيّ لدولة على قياس سرديّة دينية شديدة التناقض (كما يبين باحثون يهود مثل فنكلشتاين، وشلومو ساند، وأيلان بابيه)، بالكارثة الكبرى التي حلت على الشعب الفلسطيني وشعوب المشرق العربي.
بدا الأمر لكثير من الفلسطينيين، وغير الفلسطينيين، قرارا من الأسرى بالهروب من السجن الكبير المحكم مثل قفص حديدي، والانتقام الفظيع من تاريخ طويل من المعاناة الهائلة مع ما يعتبرونه «الشر المطلق»، رغم علمهم، بانفتاح بوابات انتقام الحلف الإسرائيلي ـ الغربيّ عليهم، وهو حلف لا يقوم على السياسة والاقتصاد والجيوش فحسب، بل يقوم أيضا على حيز هائل من الأيديولوجيات والسرديات التي قامت الواقعة بتفجيرها. أما بالنسبة للأوروبيين، فرأت دول ومؤسسات ونخب، أن ما حصل هو اعتداء على امتداد مجتمعاتها اليهودية.
في حدث شديد الرمزية، قام معرض فرانكفورت في ألمانيا، التي تشكل «المحرقة» هاجسا أساسيا في تأسيسها الحديث، بإلغاء فعالية عن رواية «تفصيل ثانوي» للكاتبة الفلسطينية عدنية شلبي. خلال تاريخ الحروب والمجازر الهائلة التي تبعت تأسيس إسرائيل وتهجير الفلسطينيين، تكرّر كثيرا تعامل العالم والإقليم والأنظمة العربية، مع الفلسطينيين على أنهم «تفصيل ثانوي» يمكن تجاوزه ليأتي حدث غزة فيفجّر الرواية والساردين ويدفع تجاهل هذا «التفصيل» عبر الحل الأوروبي للمسألة اليهودية، أو التطبيع العربي الذي يطير فوقهم، للاشتباك بوجود الفلسطينيين، معطوفا على كوارث المنطقة العربية، والمحاور الإقليمية، لنستفيق على مقتلة كبرى تعيد الدائرة إلى بدايتها.
كاتب من أسرة «القدس العربي»