فلسطين مجدداً تفتتح عصر الديمقراطية الوطنية المقاومة
مطاع صفديفلسطين مجدداً تفتتح عصر الديمقراطية الوطنية المقاومة قد يكون العام الحالي هو عام الإجهاز النهائي علي عصر المقاومة العربية، ليس بيد أعدائها من إسرائيليين وأمريكان هذه المرة، ولكن من وراء ظهرها، ومن قبل زمر أهلية أخري من داخل شعوبها التي كان من المفترض أن تكون درعها الواقي، ومستودع ذخيرتها الإنسانية والأخلاقية. فبعد أن تم إخضاع معظم الأنظمة الحاكمة للإرادة الأمريكية، ووفق درجات ونوعيات متباينة، تتراوح بين الرضوخ التام والإلتحاق بأجهزة الإدارة الأمريكية، السياسية منها والإستخبارية، وبين مستويات من التحالفات الظاهرة أو الباطنة المعقودة مع موظفي واشنطن أو تل أبيب، نقول بعد الإنتهاء حتي من مرحلة الممانعة الظاهرية وأقنعتها الزائفة، وصل الدور إلي حقبة التصفية الشاملة للحالة الشعبية المناهضة علناً لأشكال التدخلات الأمريكية التي تتجاوز السلطات الرسمية في الأقطار، وتحاول التغلغل إلي عمق أطياف المجتمع نفسها، وتتلاعب بتوجهاتها العفوية، مستخدمة وسائل الإنتشار المعروفة في (العلاقات العامة)، كالرشاوي المادية والمعنوية، وتسخير مراكز إعلام جاهزة، أو ناشئة مستحدثة بالتمويل المشبوه والمكشوف.لا حاجة إلي التذكير بأن أحد المبادئ المرجعية في القانون الدولي المتعلق بدلالة سيادة الدولة لم يجر اختراقه فحسب عملياً في مختلف أصقاع المعمورة، وخاصة منها المساحة العربية والإسلامية، بل لقد تم اختراع جديد وقح في اللغة الدبلوماسية، تحت مصطلح: حق التدخل. إذ بات هناك ثمة (حق) لأفعال التدخل التي هي في أصلها اعتداءات علي كل الحقوق وأبسطها. لكن جري إسباغ تسويغات وتبريرات ثقافية وتشريعية، علي الحق بالعدوان. وقد شارك في المطالبة به مفكرون كانت لهم انتماءات تقدمية وإنسانية في مرحلة ما. فاعتبر بعضهم أنه يجوز لما يسمي بالمجتمع الدولي، أن يساعد بعض الشعوب المغلوبة علي أمرها من قبل أنظمة إستبدادية جائرة، فيصدر تشريعات أو تسويغات قانونية، مشفوعة بإرادة مجلس الأمن، أو بدونها، تبيح إجراءات قد تصل إلي مستوي الإجتياحات العسكرية، كما حدث ويحدث في يوغوسلافيا القديمة وأفغانستان والعراق، وبعض الدول الأفريقية والآسيوية الشرقية.لكن قصة التدخلات الأمريكية في شؤون الدول العربية والإسلامية لم تكن لتعبأ بالتغطية الدولية إلا في بعض الحالات القصوي. حتي عندما غزت العراق بحرب حقيقية، ومن دون إرادة دولية، بل ضداً علي رفض بعض أقطاب حلفائها الكبار كفرنسا وألمانيا ومعظم دول أوروبا، إلا أنها استطاعت أن تستعيد حالات من الموافقة والإقرار بالأمر الواقع من قبل الحلفاء أو الأخصام مع استقرار الغزو العسكري وتطويره إلي أحد أشكال الإستعمار التقليدي المباشر وكما هو حالياً. فقد شرّع احتلال العراق نوعاً من إشعاع السيطرة شبه المباشرة أو النفوذ عن بعد وعن قرب، ونشرها علي كامل المنطقة المشرقية تقريباً. فصار موضوع خرق السيادة لبقية دول المنطقة والتدخل العلني، تحصيل حاصل. وهنالك الآن دولتان عربيتان وأخري إسلامية كبري، هي سورية ولبنان وإيران، ليست فقط واقعة في دائرة الإستهداف، لكنها أمست معرضة يومياً في المرحلة الراهنة، لأساليب منوعة من ضغوطات الخارج الأمريكي والدولي، والتلاعب في أخص شؤونها الداخلية، كما في لبنان تحديداً، حيثما يحتل مصير المقاومة مركز التجاذبات السياسية، والمدخل التاريخي لاستقرار أهداف الإنقلاب (السلمي)، لا كما حلمت بها طلائع الثورة الشبابية، ورفعتها شعاراتٍ للبنان الجديد، الحر والسيد لكيانه ومصيره، وإنما في تحويل لبنان إلي ساحة تجارب بنيوية رهيبة، تهدد سلامه الأهلي الرخْص أصلاً، عبر سلسلة من انقلابات فرعية شتي، تتناوله في أدق توازناته الكيانية، علي أن تكون المقدمة لكل هذا، تقويض المقاومة، وحذف (حزب الله) من معادلات الواقع الإثني والسياسي في وقت واحد.إسرائيل تنتهز فرصاً ذهبية في حقبة غزو العراق، والتواجد العسكري الأمريكي في قلب المشرق، كيما تجتث أخطر مقاومة فعالة خارج حدودها، وكانت أوقعت في جيوشها الهزيمة العسكرية الوحيدة في تاريخ حروبها العربية. وهي لا تزال تمارس دور الظهير الإستراتيجي للمقاومة الفلسطينية. ومن هنا يبرز المغزي العاجل للإنقلاب اللبناني. فأمريكا وإسرائيل لا تريان في إخراج سورية سوي إزالة عقبة أخيرة من طريق تصفية الوجود العسكري لحزب الله. وعندما يتحقق هذا الهدف يرجع لبنان إلي حال الإنكشاف الشامل التي كان عليها قبل كل أحداث العقود الثلاثة الأخيرة من القرن الماضي. وبالتالي يصبح احتلال لبنان، مدنياً علي الأقل، من قبل النفوذ المشترك لأمريكا وإسرائيل، أمراً واقعاً، ناجياً مقدماً من أية ممانعة قد تقوم في وجهه داخلياً أو إقليمياً. لكن هذه (الممانعة) المفترضة، والمؤجلة إلي ما بعد (الإنقلابات) الفرعية الأخري القادمة، إنما هي قائمة منذ الآن. وقد لا تأتي من مصدر لبناني وحده. فإن نجاح حركة حماس باكتساح مجمل العملية التشريعية لحسابها، مع هذا الفوز الكاسح بأكثر من نصف مقاعد المجلس النيابي الفلسطيني القادم، لن تحصر نتائجه الباهرة في متغيرات الواقع السياسي داخل فلسطين وإزاء إسرائيل فحسب، بل سوف تمتد تداعياته إلي الساحات المشرقية المجاورة. وأولها لبنان حيثما تزدحم عوامل الصراع علي المنطقة، وليس علي جوائزه السياسية الباهرة وحدها، ذلك أن مثل هذا النجاح الباهر، والموصوف بالتشريعي، لا يمكن أن يمر بدون إنتاج معادلات سياسية، بل استراتيجية، غير مسبوقة في سيرة المقاومات العربية حتي اليوم. وأهمها ولا شك هذه الحقيقة الجديدة تماماً. وهي أن المقاومة يمكنها أن تكسب معارك ما يسمي بالعملية السياسية، دون أن تتخلي عن سلاحها أو عقيدتها، دون أن تضطر لتقديم أية تنازلات (وطنية) مجانية للعدو والخصم وحليفه، علي طريقة نهج (أوسلو) مثلاً، الذي كاد أن يدمر مصداقية أكبر حركة تحرر وطني حقيقي، شهده تاريخ الكفاح العربي المعاصر.إذا كان ثمة تفسير مركزي لتدهور الثقة الشعبية بفتح وسلطتها (الحاكمة؟)، كما دلت عليها نتائج هذه الإنتخابات، الديمقراطية عن حق، فهو لا يرجع فحسب إلي (مآثر) الإنحلال في أخلاقية التجربة السلطوية، وما أثارته من فضائح الفساد، والسمسرة حتي مع العدو أحياناً، كما تتردد قصصها في مجالس الناس يومياً، وما بين (الفتحاويين) أنفسهم قبل سواهم، ولا يعود هذا التفسير كذلك إلي فداحة الإنقسامات المتمادية، واستفحال التشرذم والشللية، وداخل الصفوف الأولي والثانية وما بعدها، للحركة الحاملة لكل شعارات التحرر الوطني، واحتكارها لذاتها وحدها، تلك ظواهر صاحبت تطورات فتح عبر تنقلاتها العسكرية بين عواصم اغتراباتها، من عمان إلي بيروت إلي تونس، ثم في رحلة العودة المشروطة بإكراهات أوسلو، إلي بعض الأرض من الوطن المحتل.نقول كل هذه الأعراض لم تكن لتتسلسل عن بعضها كأسباب ونتائج متتابعة، لو لم يقع ذلك الخطأ الكبير في التقدير والتحليل واستشراف الممكنات أو الأخطار، لو لم يحدث الإنحراف التاريخي فعلاً، في صلب المفاهيم الوطنية نفسها، المؤسسة لأية إيديولوجيا تحررية، يعتنقها شعب كامل، ليس مضطهداً في وطنه فقط، بل فاقداً لأرض الوطن أصلاً، وإن عاد بعضه الأقل إلي بقاياه. إنه خطأ التخلي دفعة واحدة، وفي لحظة المنعرج الموعود نحو قطف الثمار الأولي البريئة، عن كل التراث في جوانبه النظيفة، من ماضي الحركة، بتراكماته من تجارب الفكر والممارسة، وهو الماضي الذي ما كان لحاضر الحركة أن يفرض وجوده لولاه، علي الخصم وحماته الدوليين.سقوط فتح كنظام حكم عربي ينخره توأم الفساد والتسلط. لن يكون حدثاً يخص فقط شعب فلسطين في انتفاضته الجديدة السلمية، الموجهة هذه المرة ضد البعض من أهل البيت المتعاونين مع أعدائه، والغادرين بأروع أمانات التاريخ، فيما يخصّ شعباً كاملاً سُرق منه وطنه ومستقبله، لكن أجياله آلت علي نفسها استرداد هذا الوطن من لصوصه الأغراب، ومن مستغليه المخادعين من بعض أهله وقادته. فالحدث الموصوف بالزلزال الديمقراطي الأول من نوعه في الواقع العربي الراكد، سوف يفجر سريعاً فوضي بناءة مختلفة في تضاريس ذلك الواقع وخارطته السياسية والشعبية معاً. إنه يبشر بميلاد نمط (المقاومة الحقيقية الحاكمة). بدلاً من التبشير الأمريكي وأبواقه المحليين بانتهاء حقبة المقاومات المتمردة، من لبنان إلي العراق وفلسطين. ها هو عصر المقاومة الصاعدة، هي وجمهورها، إلي قمة السلطة، مسجلاً إفتتاحيته التاريخية المظفرة. فإن فلسطين الرائدة دائماً باجتراح كل عناوين الثورات العربية المعاصرة، الناجحة منها نادراً والمغدورة غالباً، تمسك اليوم بالعنوان الأهم والمفقود (دائماً) من سجل تلك الثورات، وهو: ريادة الديمقراطية الوطنية المقاومة. بعدها سيأتي مستقبل عربي آخر.9