تنبني التجربة الفنية للفنانة التشكيلية ناجية المرابط على فلسفة العلامة اللونية التي تغني مسلكها الفني على المستوى الجمالي، وعلى مستوى الجهاز المضاميني. فإن كانت العمليات التجريدية في منجز المبدعة تنزاح نحو المبهم؛ فإن خاصيات العلامة اللونية تفصح عن مادة تعبيرية ذات دلالات ومعاني. وإذا كانت بعض التشكيلات المتصلة بالمادة التراثية التي تطل برمزيتها من عمق التجريد تحيل إلى وجود رزمة من العلاقات المحجبة وراء ستار اللون والرمز والعلامة؛ فإن ثمة صيغا جمالية تستجلي قوة العلامة، وتفكك الشكل، وتبرز المعنى، في نطاق فني لا يقتصر على الغوص في عملية البناء المترابطة والمتصلة بتراكمات من الرمزية؛ وإنما يرتكز على نسج مجموعة من العلاقات، وصنع روابط بين المواد في صلب المساحات المحجبة. فيتبدى أن المبدعة تُعبّر بطرق غير مباشرة عن أحاسيس ومشاعر تخالج دواخلها، وتعج بالهواجس التي تفصح عنها الكشوفات النقدية من خلال طُرقها المختلفة في عمليات التوظيف التي تسلكها المبدعة، وهي تمؤسس لفلسلفة العلامة اللونية؛ فتغطي مجمل مساحات الفضاء وتسد بعض منافذه لتخصيب المسلك الفني في أعمالها، ثم تخرج بعضا من المواد التراثية من بؤر تشكيلية تتراءى على نحو من الاتساق، وكذلك على نحو من الاهتزاز الفني بفعل التداخل القوي والتدرج في الظهور.

إن فلسلفة المرابط في التعامل مع العلامة اللونية بنوع من الاتزان وتخفيف البقع والضربات الشكلية والمسح السطحي؛ يقود إلى جملة من التعبيرات القيمية، ويستجلي المكنونات الغائصة في عوالم ذات المبدعة، فرصد الألوان والأشكال على شكل طبقات، وإبراز التداخلات بقدر منظم، وتفكيك الرموز؛ كلها أدوات تستجلي بعضا من قوة التعبير لدى المبدعة، فتتبدى لوحاتها حابلة بالقيم الفلسفية التي تروم العلامة اللونية التي تنتج عنها العديد من المعاني والدلالات. وتظهر أحيانا وسط أشكال متناسقة تلعب فيها الألوان دورا جوهريا سواء من حيث الطلاء الكلي باللون أو بالطلاء الجزئي من خلال صبغ المادة بألوان يتسلل منها الضوء، لتحيل القارئ على الإدراك البصري في تداخل تام بين العديد من العمليات التي تكتنف هذا المنجز، فتحرك الفضاء بكل الصيغ الفنية والمسالك الجمالية.

وإذا ارتكزنا على المادة النقدية، فإن أسلوب الفنانة ناجية المرابط يخضع لسلطة التصور، والإدراك البصري، وفلسفة العلامة، فتنزاح بالمادة التشكيلية إلى عوالم علاماتية جديدة، من خلال استعمالاتها التقنية الموفقة، وعمليات التوظيف المتقنة، لتحد من مجموعة من التباينات داخل الأنساق اللونية في علاقتها بالأشكال ومختلف المفردات الفنية. الشيء الذي يمكنها من توطيد أسلوبها المتفرد، الذي يجعل فلسفتها تتفاعل مع العلامة اللونية، وتؤشر إلى البعد التعبيري داخل المادة التجريدية، لتتجاوب مع كل المناحي التشكيلية المعاصرة، فالتعبير له فلسفته التقنية في أعمال المبدعة، وهو يمر في عمق التجريد بواسطة العلامة. وهي فلسفة تتقاطع مع رصيدها المعرفي التشكيلي، باعتبار أن الرؤى الفلسفية العميقة والأشكال الموظفة المتناسقة والرموز والعلامات اللونية المترابطة، تشكل نسيجا معرفيا، ومسلكا تعبيريا تصنع به معجما متنوع المواضيع، ينم عن وعي المبدعة وثقافتها التشكيلية.
إن التقنيات العالية التي تستعملها المرابط تؤكد تفاعلها القوي مع فلسفة العلامة اللونية، بسحرية وجماليات تكتنز جودة الألوان والخامات وكل الآليات المساهمة في بناء أشكال جديدة، ذات دلالات ومغازي عميقة؛ وهي كلها تسهم في تجسيد تصورات المبدعة ورؤاها الفنية. ما يجعل أسلوبها الحداثي ضمن التموقعات الفنية المعاصرة.
كاتب مغربي