فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع
تدرج الوحي جاء مراعاة للعقل الانساني.. بدءاً من العقل الاحيائي الي العقل التقابلي وانتهاء بالعقل البرهانيهل من سبيل لاحياء العقلية المقاصدية والنهوض بالعقل المسلم المعاصر والإقلاع في سماء التجديد والتطوير؟فلسفة تطور العقل وتدرج الشرعد. عبد الحكيم الفيتوري هناك حقيقة في الخطاب الديني ينبغي معرفتها والتركيز عليها عند محاولة فهم إشكاليات الخطاب الديني، وممارسة عملية تفكيكه وتحليله وإعادة قراءته حسب مستجدات الواقع ومتغيرات الزمان وحاجات الانسان، وهذه الحقيقة تكمن في تصور قضيتين، القضية الأولي: رصد وفهم فلسفة تطور العقل البشري في أطواره المتعددة؛ من عقل إحيائي، مرورا بالعقل التقابلي، ومنه إلي العقل البرهاني، وصولا إلي العقل المقاصدي ؛الذي يعد بمثابة العقل الختامي في سلم تطور العقل البشري. القضية الثانية: فهم مقاصد تدرج الوحي، وعلّية نزال الشرائع باعتبار مراحل تطور العقل الانساني ضمن إطاره الزماني والمكاني. وأحسب أن فهم فلسفة هاتين القضيتين (تطور العقل وتدرج الشرع) يضعنا أمام إجابة منطقية لقضية انقطاع السماء عن الأرض بإرسال الرسل، وانزال الكتب منذ أكثر من أربعة عشر قرنا، أي منذ وفاة الرسول الخاتم محمد صلي الله عليه وسلم وشريعته المهيمنة، حيث تكفل الله سبحانه بحفظ الشريعة الخاتمة (القرآن) كاملا وجعل العقل (المقاصدي) مناطا للتكليف فهما وتنزيلا، بمعني أن تشكل العقل واكتمال أطواره حل محل الوجود الشخصي للرسول، أو ارسال الرسل بعده. وهذا يقودنا إلي أن فهم هذه المعادلة أمر ضروري وأس أساسي لعملية المراجعة الجادة والتجديد الحقيقي، وبدون فهم هذه المعادلة يصبح عمل المفكرين عملا انتقائيا من جهود الأسلاف في التاريخ، والرجوع بالعقل إلي أطواره الأولي بكونه آلة ناقلة تحفظ النصوص وتمارس عملية القياس علي ما استقر من نتاج عقلي عند الأسلاف !!لذلك فإن إدراك العلاقة بين تدرج الوحي وتطور العقل يعتبر من أهم القضايا المحورية التي تؤسس لفهم مطلقات خطاب الوحي عبر الواقع النسبي المتجدد، وهي لذلك قد شغلت عقول العلماء والمفكرين والفلاسفة منذ القدم، واتخذت اشكالا مختلفة، وانتحلت اسماء متغايرة، فهي قضية السمع والعقل، والنقل والعقل، والخبر والعقل، وهي قضية الرأي مقابل الحديث، والقياس مقابل النص، والفهم الظاهر مقابل التأويل، وهي قضية البرهان مقابل البيان والنظر مقابل العرفان. كذلك انقسم العلماء في تعريفهم للعلاقة بين الوحي والعقل في دائرة الفقه إلي مذاهب كالأحناف والشافعية، وفي دائرة التوجه العقدي إلي فرق كالخوارج والشيعة والسنة، وفي دائرة التصور إلي مدارس كالحشوية والمعتزلة والأشاعرة والفلاسفة. فالوحي بإيجاز: هو المنزل من عند الله قرآنا يتلي، وهو أصل التشريع والتكليف، إذ كان ولم يكن شيء معه مذكورا، ويتألف هذا الوحي من نصوص قطعية الثبوت، فمنها ما هو قطعي الدلالة ومنها ظني الدلالة (هو الذي أنزل عليك الكتاب منه آيات محكمات هن أم الكتاب، وآخر متشابهات)، ومن خصائصه أنه محفوظ في الألواح (بل هو قرآن مجيد، في لوح محفوظ) وقد تكفل الله سبحانه بحفظه (إنا نحن نزلنا الذكر وإنا له لحافظون)، وأنه لا اختلاف فيه (ولو كان من عند غير الله لوجدوا فيه اختلافا كثيرا )، وأنه لا نسخ فيه، وأن ما نسخ منه قد رفع وأنزل بدلا منه (ما ننسخ من آية أو ننسها نأت بخير منها أو مثلها) وأنه مأمور بتدبره (أفلا يتدبرون القرآن أم علي قلوب أقفالها) وأنه يهدي للتي هي أقوم (إن هذا القرآن يهدي للتي هي أقوم) .كذلك فإن قيم الوحي الأخلاقية والقانونية في سنن الاجتماع البشري وسنن الكون مطلقة وليست نسبية ؛ بمعني أن فهمها غير مقيد بإطار زمان ومكان وإنسان، وإنما تتنزل تلك القيم علي الواقع والاشياء حسب فهم الانسان لها في إطار زمانه وحيز مكانه وتدافع حاجته، ولا شك أن تلك الفهوم البشرية لقيم الوحي والتي تجلت عبر تجادل الانسان مع واقعه في إطار زمانه ومكانه لا تضاهي قيم الوحي المتعالية في دلالتها ومقتضياتها، ناهيك عن أن تكون تلك الاجتهادات البشرية والتجارب العلمية معيارية تقاس عليها أفعال الخلف وأقوالهم !!والعقل: هو الوصف الذي يفارق الانسان به سائر البهائم وهو الذي استعد به لقبول العلوم النظرية وتدبير الصناعات الخفية الفكرية .كما قال الحارث المحاسبي في حد العقل: (إنه غريزة يتهيأ بها إدراك العلوم النظرية وكأنه نور يقذف في القلب به يستعد لإدراك الأشياء ولم ينصف من أنكر هذا، ورد العقل إلي مجرد العلوم الضرورية .. ). ولا سيما وقد ظهر شرف العلم من قبل العقل، والعقل منبع العلم ومطلعه وأساسه. والعقل علي هذا الأساس هو الآلة التي أنيط بها التكليف في هذه الحياة الدنيا، لمعرفة الخطاب التكليفي والوضعي، والكشف عن سنن الله ونواميسه في الكون والنفس، وبالجمع بينهما يتحقق للإنسان العاقل أهداف استخلافه في الأرض (إني جاعل في الأرض خليفة) ويسعد بالأمن والراحة في هذا الكون (من أعرض عن ذكري فإن له معيشة ضنكا ونحشره يوم القيامة أعمي). واللافت للنظر أن الوحي تدرج في تنزيل الشرائع مراعاة لتطور العقل وتشكله واكتماله، ويمكن أن يلحظ هذا التدرج كل متدبر للقرآن الكريم حيث يجد أن التدرج بمعانيه الشاملة سنة ثابتة ؛ تدرج في الخطاب الاصطفائي، تدرج في الخطاب التكليفي، كل ذلك مراعاة لمراحل نمو وتطور مدارك العقل البشري في إطار تدافعه مع واقعه المعيش . الخطاب الاصطفائيـ فمثلا في مراحل الخطاب الاصطفائي: كان الخطاب الإلهي ابتداء من آدم وانتهاء إلي محمد عليهم السلام خطابا(حصريا ) يقوم علي (الاصطفاء ) ويتوجه إلي دوائر بشرية معينة كما قال تعالي: (إن الله اصطفي آدم ونوحا وآل إبراهيم وآل عمران علي العالمين ذرية بعضها من بعض والله سميع عليم). فآدم أول البشر رتقاء إلي مرتبة الاصطفاء بعد ما تدرج في مراتب الإنابة والتوبة (ثم اجتباه ربه فتاب عليه وهدي). فكان هاديا مهديا وكان في ذريته من النبيين والمرسلين من شاء الله تعالي. وأما نوح عليه السلام فقد حدث علي عهده ذلك الطوفان العظيم فانقرض من السلالة البشرية من إنقرض ونجا هو وأهله في الفلك فكان بذلك ابا ثانيا للجمع الغفير من البشر، وفشت فيهم الوثنية حتي ظهر فيهم إبراهيم عليه السلام نبيا مرسلا وخليلا مصطفي وتتابع النبيون والمرسلون من آله وذريته (ووهبنا له إسحاق ويعقوب كلا هدينا، ونوحا هدينا من قبل، ومن ذريته داود وسليمان وأيوب ويوسف وموسي وهارون، وكذلك نجزي المحسنين، وزكريا ويحيي وعيسي وإلياس كل من الصالحين، وإسماعيل واليسع ويونس ولوطا وكلا فضلنا علي العالمين، ومن آبائهم وذرياتهم وإخوانهم واجتبيناهم وهديناهم إلي صراط مستقيم).وبعد انتشار الانحرافات المتنوعة في ذرية إبراهيم عليه السلام خاصة فيما بين اتباع موسي وعيسي عليهما السلام، وادعي كل واحد منهما أنه صاحب المنهج الإبراهيمي كما صوره لنا القرآن (وقالوا كونوا هودا أو نصار تهتدوا، قل بل ملة إبراهيم حنيفا وما كان من المشركين)، جاء الخطاب الإلهي يمهد لعملية الانتقال الاصطفائي من بني إسرائيل إلي بني إسماعيل، ومن قيادة بيت المقدس إلي بيت الله الحرام (سبحان الذي اسري بعبده من المسجد الحرام إلي المسجد الأقصي) حيث بشر موسي وعيسي عليهما السلام بهذه المرحلة النهائية من الأصطفاء (وإذا قال عيسي ابن مريم إني رسول الله إليكم مصدقا لما بين يدي من التوراة ومبشرا برسول يأتي من بعدي اسمه أحمد )، فكان هذا الاصطفاء الأول من ذرية إسماعيل والبشري بسيد الأولين والآخرين وخاتم النبيين والمرسلين محمد النبي الكريم صلي الله عليه وسلم (ما كان محمد أبا أحد من رجالكم ولكن رسول الله وخاتم النبيين) ثم الاصطفاء المؤقت المرحلي للعرب من ذرية إسماعيل (وإنه لذكر لك ولقومك وسوف تسألون) (وانذر عشرتك الأقربين)، كل ذلك تمهيدا لإلغاء مرحلة الخطاب الاصطفائي الحصري والخلائفي وتأسيسا للخطاب العالمي الذي يشمل كافة البشر إلي يوم الدين (قل يا أيها الناس اني رسول الله إليكم جميعا الذي له ملك السموات والأرض، لا إله إلا هو يحيي ويميت، فآمنوا بالله ورسوله النبي الأمي الذي يؤمن بالله وكلماته واتبعوه لعلكم تهتدون).فكان هذا الخطاب العالمي إيذانا بإحلال المنهج الرباني عن ابتعاث الرسل والخطاب الاصطفائي (هو الذي أرسل رسوله بالهدي ودين الحق ليظهره علي الدين كله) وجعل الرسالة الخاتمة المنهج الرباني الخاتم مهيمنا علي كافة الرسائل السماوية السالفة (وأنزلنا إليك الكتاب بالحق مصدقا لما بين يديه من الكتاب ومهيمنا عليه) هيمنة احتواء واستعاب.تدرج الوحيـ أما تدرج الوحي في انزال الشرائع حسب تطور عقل الانسان وحاجاته لضبط علاقته بغيره من بني الانسان، ومعرفة قوانين استعمار الأرض، فقد تجلي في قصة ابني آدم (واتل عليهم نبأ ابني آدم بالحق) ففي أحكام النكاح مثلا جاء في الأثر عن ناس من الصحابة، أن آدم كان يزوج ذكر كل بطن بأنثي الآخر. وفي أحكام القصاص وعقوبة القتل (قال لأقتلنك، قال إنما يتقبل الله من المتقين، لئن بسطت إلي يدك لتقتلني ما أنا بباسط يدي إليك لأقتلك) فكانت عقوبة القتل آخروية (إني اريد أن تبوء بإثمي وإثمك فتكون من أصحاب النار) ولكن بعد تكاثر الناس وتدافعهم في الحياة تنزل قوله تعالي (من أجل ذلك كتبنا علي بني اسرائيل أنه من قتل نفسا بغير نفس أو فساد في الأرض فكأنما قتل الناس جميعا) ثم قوله تعالي (وكتبنا عليهم فيها أن النفس بالنفس، والعين بالعين، والأنف بالأنف، والأذن بالأذن ). وهكذا الوحي في تدرج ملحوظ حسب تطور العقل البشري وحاجاته لضبط جدلية الحياة وتوفير الأمن، ثم نزل قوله تعالي (إنما جزاء الذين يحاربون الله ورسوله ويسعون في الأرض فسادا أن يقتلوا أو يصلبوا .. الآيات) لتأمين حياة الناس دولة ومجتمعا وعدم ترويعهم وتفزيعهم، ثم كانت (والسارق والسارقة فاقطعوا أيديهما) لتوفير السلامة في الأموال والمتاع، ثم توالت الآيات التي تحكم علاقة الناس بعضهم ببعض بحسب ظروف بيئاتهم وتقلب معاشهم وتغير مساكنهم. ولا يخفي أن تدرج الوحي كان سمة بينة في القرآن الكريم، كما قال تعالي (وقرآنا فرقناه لتقرأه علي الناس علي مكث ونزلناه تنزيلا )، وفصلت السيدة عائشة رضي الله عنها ذلك بقولها: إنما نزل أول ما نزل منه سورة من المفصل فيها ذكر الجنة والنار، حتي إذا ثاب الناس إلي الإسلام نزل الحلال والحرام، ولو نزل أول شيء : لا تشربوا الخمر، لقالوا: لا ندع الخمر أبدا، ولو نزل: لا تزنوا، لقالوا: لا ندع الزنا أبدا … (البخاري) ـ أما عن مراحل نمو وتطورالعقل البشري فقد أشار الحديث الي أنه: (أول ما خلق الله العقل، فقال له: أقبل فأقبل، ثم قال له: أدبر فأدبر. ثم قال الله عز وجل: وعزتي وجلالي ما خلقت خلقا أكرم علي منك، بك آخذ وبك أعطي وبك أثيب وبك أعاقب). ولا ريب أن هذا العقل قد مر بمراحل متعدد في إطار تعامله مع الأشياء والذوات والقيم، ففي مرحلة العقل الفطري كان التعرف علي الأشياء والذوات (وعلم آدم الأسماء كلها) ولا فرق بين أن يكون تعلم هذه الاشياء جملة واحدة وعلي التفصيل أو أن يكون تعلمها بطريق البحث. ثم كانت مرحلة العقل الإحيائي الباحث عن العلاقة بين الأشياء من ناحية وبين الذات والقيم من ناحية أخري كما يمكن تصوره من خلال الآية الكريمة (كان الناس أمة واحدة فبعث الله النبيين مبشرين ومنذرين وأنزل معهم الكتاب بالحق ليحكم بين الناس فيما اختلفوا فيه، وما اختلف فيه إلا الذين أوتوه من بعد ما جاءتهم البينات بغيا بينهم، فهدي الله الذين آمنوا لما ختلفوا فيه من الحق بإذنه، والله يهدي من يشاء إلي صراط مستقيم)، اي أن وحدة الأمة كانت فيما هو من مقتضي أصل الفطرة من الأخذ بما يرشد إليه العقل في الاعتقاد والعمل، فكان الناس يهتدون بعقولهم والنظر المحض في الآيات الدالة علي وجود الصانع، ووجوب شكره، ثم كانوا يميزون الحسن من القبيح، والباطل من الصحيح، بالنظر في المنافع والمضار، أو الاتفاق مع ما يليق بالله ـ علي حسب ما يرشد إليه العقل ـ أو ما لا يليق به سبحانه.وفي تقديري أن العقل بمزاولته البحث عن الحسن والقبيح والباطل والصحيح يتجه إلي العقل التقابلي الذي يقوم علي أساس النظر إلي الأشياء من خلال المقابلات بين الأشياء والقيم كما جاء ذلك في آيات كثيرة منها (إنا نحن نحيي ونميت) (أم له البنات ولكم البنون) (فلله الآخرة والأولي)، (وأنه هو أضحك وابكي )، وهذه النقلة ما بين العقل الفطري ثم الإحيائي ثم التقابلي كانت خاضعة لسنن التدرج في الفهم والتعلم وتنوع الشرائع كما أشارت إلي ذلك الآيات (ويعلمكم ما لم تكونوا تعلمون )، (وعلمك ما لم تكن تعلم) (ويعلمه الكتاب والحكمة والتوراة والانجيل).احياء العقلية المقاصديةوأحسب أن ذلك كان تمهيدا لتحول العقل من عقل تقابلي إلي عقل برهاني باحث عن كل شيء بالبرهان والمنطق والاستدلال كما تجلي ذلك في قصة إبراهيم عليه السلام وتعامله مع (القلق المعرفي) حين تعرف علي الله سبحانه من خلال ملكوته (وكذلك نري إبراهيم ملكوت السموات والأرض وليكون من الموقنين … فلما جن عليه الليل رأي كوكبا، قال هذا ربي، فلما أفل قال لا أحب الآفلين، فلما رأي القمر بازغا، قال هذا ربي … فلما رأي الشمس بازغة قال هذا ربي، هذا أكبر…)!! كذلك لما طلب إبراهيم عليه السلام معرفة فلسفة الإحياء والإماتة (وإذا قال إبراهيم رب أرني كيف تحيي الموتي، قال أولم تؤمن، قال بلي ولكن ليطمئن قلبي..)، وأيضا في استخدامه لأساليب المناظرة والدفاع عن حقائق الإيمان والغيب (ألم تر إلي الذي حاج إبراهيم في ربه أن اتاه الله الملك إذ قال إبراهيم ربي الذي يحيي ويميت، قال أنا أحيي وأميت، قال إبراهيم فإن الله يأتي بالشمس من المشرق فأت بها من المغرب).وعلي أرضية العقل البرهاني والمنطقي الاستدلالي ( قل هاتوا برهانكم إن كنتم صادقين) كانت دعوة القرآن الكريم إلي التفكر والتدبر، ومعرفة المعاني ودلالات الألفاظ، تمهــــيدا للمرحلة الأخيرة من مراحل تطور العقل وتدرج الوحي، والتي تعد بحق العمدة في فلسفة تطور العقل وتدرج الشرع، وذلك بتأسيس العقل المقاصدي الذي يدرك ضوابط العلاقات الجدلية بين فهم دلالات النصوص ومقاصد الوحي، وبين متغيرات الواقع ومستجدات التدافع البشري. وحين وصل العقل الي طوره النهائي واكتمل في أحسن تقويم حيث صارعقلا مقاصديا يحسن التعامل مع العلاقة الجدلية بين الثابت (= مقاصد النصوص ) والمتغير (= الواقع المتجدد) بعقل مقاصدي يلتزم دلالات الأحكام ومقاصدها لا حرفيتها، ويتعاطي مع كلياتها ويراعي جزئياتها، ويعتبر حركية الواقع لا سكونيته، وتجدد حاجات الانسان لا تحنطها عند حاجات الماضي!! ولما تمت عملية تشكل العقل المقاصدي وخرج إلي حيز الوجود انقطعت عمليات اصطفاء الرسل وانزال الكتب، فصار عقلا رساليا نيط به التكليف الشرعي، من حيث اقتداره علي استجلاء معاني الخطاب الإلهي واستهدائه إلي مقاصده فهما وتنزيلا، بمعيارية تدور في فلك تركيبية وترتيبية؛ ترتيبية (= معرفة مراتب المصالح والمفاسد، وخير الخيرين وشر الأشرار)، وتركيبية (=المقدرة علي استقراء الجزئي وتشكيل الكلي، ورد الجزئي إلي الكلي، واحسان التعامل مع الكليات). وأحسب أن ذلك قد تجلي في عقلية عمر بن الخطاب ومن صار علي دربه . فهل من سبيل إلي إحياء العقلية المقاصدية، بما يناسب عملية النهوض بالعقل المسلم المعاصر، والإقلاع في سماء التجديد والتطوير والتدافع الحضاري لتحقيق العالمية الجديدة، والاشهاد بالحق (لتكونوا شهداء علي الناس ويكون الرسول عليكم شهيدا )!!ہ أكاديمي مختص في الفكر الإسلامي7