فلنعكس الصورة ولنغير المرآة

حجم الخط
0

الدكتورة ريمة حلمي اللحام منذ قرابة المائة عام وبالتحديد سنة 1918 تنبأ الكاتب الالماني الشهير أوسوالد سبغلر في كتابه ‘ تقهقر الغرب’ The Decline of the Westبالانهيار التدريجي للغرب، لان لكل حضارة في رأيه جانبين المادي والمعنوي، والغرب يفتقد الجانب الروحي والديني، والسبب الآخر هو الرأسمالية التي أدت الى تحكم القوي بالضعيف. مظاهر هذا الانهيار تبدو واضحة للجميع. ومن حسن حظ العالم العربي والاسلامي أنه أسدل الستار مع بداية هذا العام على مرحلة بدأت بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 ،ولعب خلالها الغرب الاسطوانة المشروخة التي وصمت الشعوب العربية والاسلامية أوما يقارب مليار واربعمائة مليون مسلم في العالم بالارهاب.. وجاء الربيع العربي مفاجئا حتى لمراكز الابحاث الامريكية المساندة للادارة الامريكية التي أخفقت إخفاقا ذريعا في إستشراف الواقع.. الكثير من باحثيها لم يزوروا العالم العربي ولا يعرفون شيئا عن شعوبه، والقليل جدا منهم يتحدث اللغة العربية والتي هي مفتاح فهم الشعوب ماضيها وحاضرها وتطلعاتها .. والمضحك المبكي أن الاعلام الغربي، سيما الامريكي، ما زال يتحدث عن الاسلام والارهاب والاسلاموفوبيا، محاولا تجاهل ما رأى فيه روبرت فيسك في مقالة له في صحيفة الاندبندنت البريطانية ليس ‘الربيع العربي’ فحسب بل ‘اليقظة العربية وإلاسلامية الكبرى’. إن أمريكا ستظل القوة العظمى نظرا لعدم وجود منافس لها، وذلك رغم هشاشة إقتصادها وشعور شعبها المتزايد بالدونية وإلاخفاق اللذين لم يشعر بهما منذ حرب فيتنام. جدير بالذكر أن الامريكيين بدأوا يدركون حقيقة ما يحدث بفضل وسائل التواصل الاجتماعي من فيسبوك وغيرها، والتي ساهمت في توعية الغرب بمجريات الامور في العالم العربي، فلقد أثار إنتباهي إعتذار كتبه أمريكي مثقف على الفيسبوك يوجهه الى الشعوب العربية والاسلامية عن كل الحروب التي قادتها أمريكا في العراق وأفغانستان والباكستان.. وما أدت اليه من دمار في البلاد والعباد. لقد أثر ربط المسلمين والعرب بالارهاب سلبا على هذه الشعوب، حتى أصبحت في وضع الدفاع عن النفس أو الهروب من الهوية والثقافة وكأنهما عار..وتقبل البعض التعابير دون أن يفكر في مغزاها ومعناها ككلمة ‘الارهاب’ التي لا يوجد لها حتى الآن تعريف واضح حتى في مواثيق الامم المتحدة وكذلك كلمة ‘الاسلامي’ ذات الصفة السلبية التي إبتدعها الغرب، فأخذناها كما هي وأصبحت تتردد على مسامعنا في الاعلام العربي.. ما معنى أن تكون إسلاميا وهل هذا أمر سيء؟ ما هو الفرق بين الاسلامي والمسيحي واليهودي؟ صحيح أن اللغة وحدها لا تكفي لاثبات وجود أمة، الا أنها لا تقتصر على كونها وسيلة للتفاهم والتعبير، فهي لغة الدين والمناخ النفسي والثقافة والجذور أيضا. فلا عجب إذن أن يطرأ إهتزاز شديد وخطير في رؤيتنا لانفسنا. إستوقفي مشهد إمراة في بلد عربي يحدثها إبنها باللغة العربية فترد عليه بامتعاض ‘تكلم اللغة العربية’، كما يتم في بعض البلاد العربية إستبدال تحية ‘السلام عليكم’ ب’هاي’ أو ‘هيلو’، وكأننا نرفض هويتنا.. ولا عجب إذن أن تكون الثورات، سيما في سورية، قد بدأت في الطبقات الاقل تعرفا على الثقافة الغربية.. ومما زاد الامر سوءا إنتشار مذهل وسريع للمدارس الاجنبية في العالم العربي وأصبحت اللغة العربية تدرس كلغة ثانية إن لم تكن ثالثة.. هذا لا يعني بالطبع الدعوة الى الاستغناء عن دراسة اللغات الاجنبية، فكل لغة تفتح أمامنا أبواب معرفة بلد بأكمله.. لكنها دعوة للعودة الى الجذور مع ضرورة العمل على تطوير اللغة العربية بحيث تلبي الحاجات الجديدة، سيما في مجال الصرف والنحو، كي تصبح اللغة أكثر يسرا في التعامل اليومي والصحيح، وفي تدريب أساتذة اللغة العربية على أحدث وسائل التعليم المشتقة من علم اللغويات. من أغرب الغرائب أن تكون الصورة معاكسة تماما في الولايات المتحدة، فوفقا لمؤسسة أميركا سبان العالمية، تضاعف عدد المدارس الامريكية الحكومية والخاصة التي تدرس اللغة العربية بين عامي 2002 و2006، كما أصبحت معظم الجامعات الامريكية إما تدرس أو لديها أقسام للدراسات العربية والاسلامية وقد أفتتحت في العامين السابقين ثلاثة فروع في جامعات أمريكية تدرس الدكتوراه في الشريعة الاسلامية. ومما لا شك فيه أن الثورات العربية قد حركت المظاهرات في جميع أنحاء أوروبا والولايات المتحدة حتى حمل بعض المتظاهرين في نيويورك لافتة تقول ‘هنا ميدان التحرير’.صحيح أن الثورات العربية ما زالت في بداية الطريق، لكن أمورا هامة جدا مرت مرور الكرام دون أن نأبه لمغزاها، ففي حين ظل إتهام الغرب على مدى عشرات السنين للاسلام بأنه يهين المرأة ويذلها، حصلت توكل كرمان على جائزة نوبل، وشارك الحرائر بكثرة في المظاهــرات وفي الثورات الغربية. لا يهم إن كان الغرب ما زال يتشكك ويتخوف من وصول الحكومات التي تعتمد الشريعة الى الحكم.. المهم أن نغير نحن المرآة وننظر الى أنفسنا من خلال حضارتنا وثقافتنا وأوطاننا التي هي مهد الرسالات السماوية، وأن تكون ذاكرتنا الجمعية عاملا هاما للتطلع الى مستقبل أفضل. قد يتطلب ذلك إعادة كتابة التاريخ المزور الذي كتبه الحكام والاقوياء، وإعادة إنتاج التاريخ المغيب للتنصت الى أصوات الذين لم تتح لهم الفرصة لسماع أصواتهم. لكي نعرف الآخر لا بد أن نعرف أنفسنا ونطرح الاسئلة البديهية من نحن وماذا نريد. عندها نرى الآخر من خلال مرآتنا.. فلنبدل إذن المرآة فتتغير الصورة ونرى الشمس تسطع هذه المرة من الشرق.’ كاتبة من سورية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية