ستة لقاءات تمت حتي الآن بين الرئيس الفلسطيني محمود عباس ورئيس الوزراء الاسرائيلي ايهود اولمرت، تضمنت لقاءات مغلقة وفردية اقتصرت علي الرجلين فقط، ولقاءات اخري شاركت فيها وفود رسمية، علاوة علي مفاوضات سرية اقتصرت علي الخبراء بين الجانبين، ورغم ذلك جاءت النتائج مخيبة للآمال، آمال الطرف الفلسطيني علي وجه التحديد.
المقربون من الرئيس عباس باتوا يسربون انباء عن عزمه التوقف عن هذه اللقاءات لعدم جدواها، بسبب تملص الطرف الاسرائيلي من التزاماته، وعدم الاقدام علي اي خطوة يمكن ان تلبي الحد الادني من المطالب الفلسطينية والخوض في قضايا الحل النهائي مثل اللاجئين والمستوطنات والقدس المحتلة.
عندما بدأت هذه اللقاءات بضغط من السيدة كوندوليزا رايس وزيرة الخارجية الامريكية في الاشهر الاولي من العام الحالي، توقع الكثيرون ان يظهر الطرف الاسرائيلي الكثير من المرونة لتعزيز موقع الرئيس عباس والجناح المعتدل الذي يمثله، خاصة بعد فوز حركة حماس في الانتخابات التشريعية، وتشكيلها حكومة فلسطينية، وحسمها للامور عسكريا لصالحها في قطاع غزة قبل بضعة اشهر.
ايهود اولمرت لم يقدم علي اي خطوة مهمة في هذا الخصوص، ونكث بكل وعوده المتعلقة بازالة اكثر من خمسمئة حاجز في الضفة الغربية، دمرت ما تبقي من الاقتصاد الفلسطيني، وحولت حياة الفلسطينيين الي معاناة يومية اقرب الي الجحيم، علاوة علي الافراج عن اعداد كبيرة من الاسري الفلسطينيين في سجون الاحتلال.
وهذه الصلابة غير المبررة من قبل رئيس الوزراء الاسرائيلي وحكومته وضعت السيد عباس في موقف حرج امام انصاره وخصومه في الوقت نفسه، واضعفت موقفه السياسي، وعرضته لانتقادات عنيفة، مما صب في النهاية في مصلحة الجناح الفلسطيني المتطرف، سواء داخل حركة فتح التي يتزعمها او في اوساط المعارضة التي تمثلها فصائل المقاومة الاسلامية، مثل حركتي حماس و الجهاد الاسلامي ولجان المقاومة الشعبية.
الاشارات التي يطلقها الرئيس عباس، وتعكس مراراته من تسويفات الطرف الاسرائيلي، تبدو مفهومة لان طموحات الرجل في الاتفاق علي اطار عمل يكون اساس المفاوضات، وبمثابة جدول اعمال لمؤتمر السلام الذي دعا اليه الرئيس جورج دبليو بوش في تشرين الثاني (نوفمبر) المقبل تراجعت الي مشروع اعلان مباديء ثم بعد ذلك تقزمت الي بيان مشترك يوضح مواقف الطرفين تجاه قضايا عامة، اي اعلان مبطن لفشل اللقاءات الثنائية.
الرئيس عباس يجب ان ينسحب فورا من هذه اللقاءات الدورية مع اولمرت، بعد ان تحولت الي قضية عبثية، وان يعلن علي الملأ كل التفاصيل المتعلقة بافشالها من قبل الجانب الاسرائيلي، حتي يعرف العالم بأسره حقيقة ما جري والطرف المسؤول عن عرقلة عملية السلام. فالتلويح بوقف المفاوضات علي استحياء، ودون اطلاع العالم علي التفاصيل سيصب في مصلحة الطرف الاسرائيلي فقط، من حيث اعفائه من اي لوم.
واذا فعل الرئيس عباس ذلك، وسمي الاشياء باسمائها، فانه سيجد دعما عربيا وعالميا غير محدود. فالمملكة العربية السعودية راعية اتفاق مكة، والحليف الاوثق للادارة الامريكية في المنطقة، قالت علي لسان وزير خارجيتها الامير سعود الفيصل انها لن تشارك في مؤتمر سلام لا يبحث القضايا الاساسية، مثل اللاجئين والمستوطنات والقدس المحتلة والحدود، ولا يضع آلية واضحة لتنفيذ ما يمكن التوصل اليه من اتفاقات في هذا الصدد، اما الرئيس المصري حسني مبارك الحليف الثاني لواشنطن فقد عكس موقفا مماثلا وشكك في امكانية نجاح اي مؤتمر سلام لا تشارك فيه سورية، ولا يبحث قضايا الحل النهائي.
السيدة رايس ستزور المنطقة الاسبوع المقبل، ومن الافضل ان يعلن الطرف الفلسطيني انسحابه من اللقاءات مرفقا بالاسباب والدوافع، حتي لا يكون هو ضحية الضغوط الامريكية المتوقعة، وان كنا نعتقد ان الرئيس عباس لن يقدم علي خطوة كهذه، لانه لا يقل ضعفا عن شريكه اولمرت في هذه اللقاءات.