‘فل أوتوماتيك’

حجم الخط
16

تشير حادثة اختطاف منظمة ‘بوكو حرام’ للفتيات النيجيريات لأبعاد خطيرة في عمق الأيديولوجية الدينية الفكرية التي نعيشها. لربما كلنا نشترك بشكل أو بآخر وبدرجة أو بأخرى في تلك الجريمة الارهابية. كمجتمعات اسلامية نعيش في معظمنا بنظرية ‘القطيعة المعرفية’ كما يسميها د عبدالكريم سروش في كتابه ‘التراث والعلمانية’، حيث يعرفها على أن أصحاب هذه النظرية ‘يعتقدون بأن ثقافة المسلمين، وبشكل عام ثقافة الشرقيين تقوم على أسس وبديهيات معينة، بينما تقوم الثقافة الغربية على مرتكزات وبديهيات أخرى، فهناك قطيعة كاملة بين الثقافتين. ولا يبقى مجال حينئذ في هذه الرؤية للدفاع عن حقوق الانسان، بمعنى أن كل شخص بامكانه أن يعمل وفقاً لثقافته ويقول بأن عمله هذا حسن وجيد وفقاً لهذه الثقافة حتى لو كان عمله قبيحاً وسيئاً في ثقافة أخرى’. تعتمد المجتمعات الاسلامية بشكل كبير على نظرية ‘القطيعة’ تلك، يتحدث بها ليس الشارع العام فقط ولكن حتى مثقفي تلك المجتمعات الذين يرون في الخروج عن الفكر السائد تحد ليس له داع ولا نتيجة، وأن مجاراة الشارع في فكره وسحبه من حيث لا يدري الى التغيير هو الطريق الأسلم والأكثر فاعلية.
ومخاطرة باطلاقي لأحكام قد لا تبدو عادلة، سأقول أن مثقفي هذه المجتمعات انما يرومون أمنهم ومصلحتهم، يسعوون للحفاظ على مكانتهم الاجتماعية وسلامتهم وموقعهم المقبول بين الناس، ألا يلفظونهم خارج دائرة الرضا، فيصبحون من المغضوب عليهم ومن المعزولين ثقافياً واجتماعياً. ينظر هؤلاء لأمثلة من مثقفين ومفكرين تحدثوا بما خرج عن السائد، بما تحدى العوج المقبول في مجتمعاتنا، بما صدم المجتمع في عقر تخلفه المريح، فنفض عنه غبار السائد، وحرك مياهه الصافنة العفنة، وفتح علبة ‘باندورا’ ليخوض في أسرارها المريبة، ينظرون لمصابهم، لعزلتهم ومعاناتهم، ولربما لأمنهم المفقود، فيفضلون السلامة، ويأخذون ألصق السبل بالحائط، يعبرون باستحياء، يبررون آرائهم ويغيرونها ويحورونها ألف مرة، يمدحون ويبجلون قبل حتى أن يبدأوا بأول وأبسط درجات النقد وكأنهم بكل ذلك يدفعون عن أنفسهم تهمة التفكير والتدبر وتقديم المختلف (وتلك مهمتهم المنوطة بهم أصلاً) لمجتمع لا يعرف سوى أن يعيش على السائد وعلى ‘ما كان عليه آباؤنا’.
لابد لنا من مواجهة مع النفس، من فتح الكتب القديمة ونفض الغبار عنها واعادة قراءتها وتفسيرها، بل وإلغاء البعض مما جاء فيها على اعتبار أن الزمان يغير المفاهيم، بل وحتى المباديء هي عرضة لتأثير الزمن ولسرعة وقوة جريانه. ففي عالم اليوم، المترابط بقوة تتحدى المسافات بل وحتى الزمن، لم تعد نظرية ‘القطيعة’ ممكنة، فالمباديء والمفاهيم الانسانية الحقوقية أصبحت جزءا من ضمير البشرية الجمعي، ولم تعد الخصوصية أو الانفصال المعرفي مبرران للانتهاكات الحقوقية. وهذا يتطلب قراءة تاريخية جريئة للنصوص الدينية، اي أن يتم تدبر هذه النصوص في سياقها الزمني ومع الأخذ بعين الاعتبار أن البشرية هي كينونة متغيرة، تؤثر في ما حولها وتتأثر، وعليه، لا يمكن للمفاهيم التي سادت قبل ألف سنة، أن تسود بشرية ألف سنة لاحقة، فالفكرة والمبدأ والصح والخطأ والأخلاقي واللاأخلاقي كلها عرضة ليس فقط للتغيير ولكن للانقلاب العكسي التام.
ولربما يكون موضوع العبودية في الدين هو التحدي الأكبر للإسلام الحديث. فذكره القرآني لا يمكن أن يمنع قراءة متجددة له تضع تحليله في قالب زمني وتحريمه الحالي القطعي في قالب العصر الحديث. فما فعلته منظمة ‘بوكو حرام’ لم يخرج عن الحلال تكنيكياً، فهم اختطفوا فتيات من الدين المسيحي، وهؤلاء يمكن اعتبارهن سبايا مملوكات، ويحق لملاكهن مقايضتهم بما يرون. ولأن الشيطان في التفاصيل، ولأن النقاط التفصيلية التكنيكية التي يحاول العلماء والمفكرين التلاعب بها لا تفضي لحل نهائي وجذري للمعضلة الحقوقية تلك، يجب أن تكون هناك قراءة جديدة لفكرة العبودية أو ملك اليمين برمتها، يجب أن تكون لدينا أصوات متخصصة قوية تقول بتحريم العبودية حرمة قطعية بما يتناسب والأعراف الانسانية الحالية، حرمة دينية تتجاوب والقوانين الوضعية الحالية ولا تضع المسلمين في مواجهة معها. وفي الواقع مثل هذه المنهجية ليست غريبة تماماً عن المفكر العربي، فهناك عدد من العلماء والمفكرين، والذين دفعوا ثمناً باهظاً، قد تناولوا النص القرآني بقراءة حداثية متجددة دون المساس بقدسية النص ولكن بوضعه في السياق الزمني. مثال على ذلك، قراءة د نصر حامد أبو زيد لفكرة الارث، حيث يقول في كتابه ‘دوائر الخوف’ أنه من قوة النص القرآني أن قاس نصيب الرجل على مقياس نصيب المرأة، فقال ‘للرجل مثل حظ الانثيين’ ولم يقل ‘للمرأة نصف حظ الرجل’، مما يعلي حق المرأة ويثبته بل ويجعله أولوية. يستخدم أبو زيد هذا المفهوم ليأخذ الجدل الى مرحلة متطورة فيؤكد أنه لربما يسعى النص القرآني ها هنا لأن يجعل المرأة التي لم تكن ترث قبل ألف سنة، متساوية، بعد مرور الألف سنة، في حقوقها الارثية مع الرجل، وأن القرآن الذي جاء ليأخذها خطوة شاسعة بجعلها وارثة، لابد أن يتوقع منا أن نأخذها خطوة شاسعة أخرى بعد مرور الزمن بجعلها متساوية في نصيبها من الارث مع الرجل.
ومن ذات المنطلق يناقش أبو زيد فكرة تعدد الزوجات، فيقول أن النص القرآني جاء ليحدد عدد الزوجات، بعد أن كان غير محدود، بأربع فقط، وأن ذات النص لابد أنه يرمي لنظرة أكثر مساواة وتطوراً بعد مرور أكثر من ألف سنة على نزوله. وهكذا، يمكن بوضع النص القرآني في قالبه الزمني، وبقراءة الظروف الحالية وبتحكيم العقل والمنطق، يمكن بمساعدة كل ذلك، أن نأخذ بالفكر الاسلامي الى الأمام ليكون أحد أعمدة المباديء الحقوقية الحديثة، وذلك في كافة مناحي الحياة. ولو أن مثل هذه الخطوات الجريئة قد اتخذت، ولو ان مثل هذه القراءة التجديدية قد نفذت، لما كان هناك مجال كبير لظهور مجموعة متشددة ارهابية مثل ‘بوكو حرام’ تجد في القراءات القديمة والتفسيرات الغابرة تبريرات ومنطقة لعنفها وارهابها، أو على الأقل لما وجدت بعض التعاطف الشعبي معها مثلما يحدث مع ‘القاعدة’ التي تلاقي تعاطفاً وتأييداً كبيرين خصوصاً، وبكل أسف، في منطقة الخليج.
لقد حان الوقت لمفكرينا، سواءاً في المجال الديني او الفلسفي أو العلمي أو غيره، لأن يقفوا وقفة جادة وصلبة، والتي هي وقفة مستوجبة على كل المفكرين والعلماء وليس المشايخ الدينيين فقط، أمام القراءات والتفاسير القديمة التي تفتح منفذاً للمتطرفين أن يستغلوها لصالحهم. لابد لنا من اعادة القراءة واعادة التفكير واعادة التفسير، واحياناً تغييرهم جميعاً، معتمدين حقيقة أن الزمن يمشي للأمام ولا يعود للخلف أبداً، وأن الأحياء والجمادات تتغير ولا يثبت حالها مطلقاً، وأن الأعراف والمفاهيم المتصلبة، اذا لم تكتسب مرونة الزمن المطلوبة، فانها ستصيب الكثيرين بجراح مثخنة قبل أن تنتهي لأن تنكسر هي بحد ذاتها أمام تيار التجديد المتدفق. اليوم وقبل الغد يجب أن ينزع مفكرينا رداء الخوف وما تحته من ألبسة يسمونها ‘عدم الاصطدام’ و ‘المجاراة’ و ‘التأثير الايجابي’ و ‘محايلة الشارع’، لقد حان وقت تغيير هذه الألبسة الداخلية بعد أن فاحت رائحتها، وهي ألبسة لا يمكن أن نضعها في قفة ونحملها للبحر لغسلها على الطريقة الغابرة، هي تحتاج لغسالة على أحدث تكنولوجيا الغسيل لتنظفها من أردان الزمن الطويل.

د. ابتهال الخطيب

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية