بغداد ـ ‘القدس العربي’ من : يسعى أغلب الفنانين العراقيين لبناء أسلوب خاص بلوحاتهم والألوان التي يستخدمونها، ومن خلال متابعة أعمال هؤلاء الفنانين، يتبادر إلى ذهن المتلقي والمتابع للتشكيل العراقي سؤال مهم فيما إذا كانت أعمال الفنانين بمجملها تشكل هوية عراقية خاصة يتبلور من خلالها لون عراقي فيما إذا قرأت هذه الأعمال مجتمعة. من جانبهم، يرى فنانون في اللون خصوصية فردية، لا يمكن أن تسمى مدرسة متكاملة يتخرج فيها عدد كبير من الفنانين يشكلون هوية خاصة، في حين يشير النقاد إلى أن استخدام عدد كبير من الفنانين الألوان الترابية والحارة، التي تعد ميزة من ميزات بيئة العراق، منهجا يمكن أن يتفرد فيه جيل أو أجيال تشكيلية عراقية.
‘القدس العربي’ حاولت الوقوف على أهم مميزات اللون في التشكيل العراقي المعاصر والحديث.
اللون في التاريخ العراقي
الفنان فيصل لعيبي صاحي يحاول أن يكشف تاريخ اللون العراقي، فيذكر في حديث لملحقنا أننا لا نعلم عن استعمالات اللون في العراق القديم الكثير، بسبب تلف معظم وثائق تلك الحقب، خاصة في مجال الرسم. لكننا نعرف أن العراقيين القدماء استخدموا معظم الألوان المعروفة حالياً، منذ أيام سومر وأكد وبابل وآشور. فالآثار التي عثرنا عليها تشير إلى وجود اللون الأسود والبني والأحمر على الفخاريات، ووجد الأبيض، الأصفر، الأخضر، الأحمر والأزرق على الفسيفساء والطابوق المزجج كما هو الحال في بوابة عشتار وشارع الموكب في بابل، وكذلك في جداريات تل ماري المرسومة على الجص الرطب (الفريسكو). وكانت هذه الألوان ترمز إلى العديد من معتقدات تلك المجتمعات. كما وجدنا الذهب والفضة واستخدام الصدف والعاج والأحجار الثمينة أيضاً في الأعمال الفنية، وقد يكون الفنان العراقي أول من استعمل اسلوب التلصيق (الكولاج) في تاريخ الفن، وذلك لسبب فني بحت. في الفترة الإسلامية، كانت الألوان قد تنوعت واغتنت وكثرت تفرعاتها، وحتى معانيها.
ويكمل لعيبي سرده عن تاريخ اللون في العراق مستشهداً بالقرآن والتاريخ الإسلامي قائلاً: ‘وقد ذكرت كلمة (لون) تسع مرات في القرآن، وجاء اللون الأبيض احدى عشرة مرة ليدل على النقاء والعفة، واللون الأسود سبع مرات وهو نقيض معنى البياض، أما الأخضر فقد تكرر ثماني مرات وهو مقترن بالجنة وملابس أهلها وجماليته، ولا ننسى قداسته التي نراها في المساجد والمواقع الدينية المختلفة كما ذكر اللون الأزرق مرة واحدة مشيراً إلى أهل النار. ويقال إن النبي محمد كان يرتدي الملابس الحمراء في أيام الجمع والأعياد، وهي دليل على الجمال والحسن ، فـ’الحسن أحمر’ كما يقال. لكن الأزرق عند الصوفيين العراقيين كان دليلاً على الزهد وطلاق الدنيا وترك الملذّات، وأحياناً على الجنون والشرود أو الغياب عن الوعي. ولا ننسى جهود العالم الحسن بن الهيثم في البصريات والألوان وكذلك إخوان الصفا، الذين درسوا الألوان وفسروها، على قدر المعلومات المتوفرة لديهم آنذاك’.
ويصيف لعيبي: وبعد تطور الحياة واغتنائها، خاصة في نهاية الحقبة العباسية، أصبح التمتع بالدنيا من خصائص مثقفي بغداد ومترفيها عموماً. و يمكن أن تكون أعمال الفنان الرائد يحيى بن محمود الواسطي، مثالاً عظيماً لذلك، ولفهم اللون عند العراقيين في القرن الثالث عشر الميلادي. حيث نرى السلّم اللوني لهذا المبدع الخلاّق، يمتد على مساحة واسعة ويأخذ أبعاداً مترامية، تبرز قدرته على التلوين وتدرجاته وتناقضاته وتناغمه (الهارموني) ولدينا (المقامة الثانية والثلاثون) التي تقدم لنا مشهداً أخاذاً من الإبل التي تقودهم امرأة راعية، والصورة تعكس قدرة هذا الفنان على التلاعب بالألوان المتقاربة وبحيوية مذهلة ونادرة المثال في تلك الحقبة من تاريخ الفن في العالم.
الفنان فيصل لعيبي يؤكد على تباين التفرد في اللون العراقي بين فنان وآخر، ‘في عصرنا الحالي، نجد الفنان الرائد عبد القادر رسام بألوانه النظيفة وحساسيته المرهفة وصفاء أجوائه الشاعرية يعد أول من انتبه للون كلون. وبعده يأتي سيد اللون في الرسم العراقي فائق حسن المبرّز بين الفنانين العراقيين في هذا المجال، إذ خلط لنا عصور الفن العراقي منذ سومر وحتى وقتنا الحاضر في بوتقة ألوانه العجيبة، فترى التراب السومري والسماء البابلية والسحنة العراقية في مجمل أعماله، خاصة تلك التي كان قريباً فيها من تطلعات جماعة بغداد للفن الحديث، في مقاهيه ونسائه وصبيانه الرائعين ووجوههم المتوردة والطافحة بالأمل’.
وعن الفنانين المعاصرين يقول لعيبي: ‘ثم يأتي جواد سليم الخالد وألوانه البسيطة والمشعة وبمواضيعه البغدادية، التي تذكرني بالبستات العراقية المحببة إلى قلوبنا، إذ يقدم لنا هذا الرائد تاريخ العراق ويمزجه بما جاءت به الحضارة الحديثة برشاقة وخفة وذوق رفيع. وسنواجه الرائد حافظ الدروبي بألوانه التي تعكس الظل والنور في بغداد وتكسرات الألوان في شبكية عينيه الذكيتين والتي لا تترك لحظة زمنية دون تسجيل، فيتشظى المشهد وتتبرعم الألوان والبقع الضوئية وتنتشر في فضاء المكان المحيط ، كأنها موشور كرستالي عجيب’.
ويعتقد لعيبي أن أعمال الفنان شاكر حسن آل سعيد في فترة نضوجه وتألقه الحقيقي، عندما كان يستمد مواضيعه من السجاد العراقي والبيئة الاجتماعية المحتدمة في الخمسينات (1950 1960)، كانت من أهم الأعمال الفنية الملونة بروح الأجواء العراقية الأصيلة. ثم يأتي الفنان إبراهيم الكمالي الملون العجيب ولوحاته الزيتية الدسمة عن مناظر البصرة الغنية والمليئة بالخضرة والماء والشناشيل إلى جانب الفنانين القديرين ضياء العزاوي وصلاح جياد، ليضيفوا على اللوحة العراقية سحراً غامضاً مستمداً من تلك الأجواء التي كانت تهيمن على ناس بلاد ما بين النهرين ولا تزال، فتخطو اللوحة مسافة أخرى للأمام.
اللون خصوصية فردية
يشير الفنان صدام الجميلي إلى أنه لا توجد خصوصية لونية كهوية في مشهد حضاري كامل. اللون، برأيه، ليس اكتشافا وليس نتاج حضارة دون اخرى. اللون عنصر بصري حاضر بحضور الوجود. ويضيف قائلا ‘لان هناك بيئات لونية مختلفة في الحياة بين منطقة واخرى، فأن الرسم احيانا في محاولته لتصوير الواقع كما كان يكون محكوما بتسجيل الالوان، كما فعل فائق حسن في تسجيل ترابية الصحراء، حتى تصور البعض ان الرسم العراقي محكوم بتلك الهوية. بينما كان الاوربي يرى في الشرق قوة لونية بسبب الالوان الحارة للثياب والاسواق والشمس.
ألا ترى أن تميزنا بالألوان الترابية والحارة يمــكـــن أن يشكل هوية خاصة باللون العراق؟’.
ويؤكد الجميلي أن الأوربيين كانوا يمتازون بالالوان الدافئة، فيما جاءت مدراس مثل الانطباعية الوحوشية والتعبيرية لتنتصر للون الحار والغنائي.
الجميلي يرى أن اللون ليس مدرسة، ولا مشهد اللون مزاج فردي محكوم بفلسفة فردية، إلا إذا كانت هناك فلسفة شمولية تترك ضلالها على ثقافة محدده. وفي معرض حديث الجميلي عن أن اللون لا يمكن أن يعد هوية، خصوصا اللون الترابي الذي عرف من خلاله الرسم العراقي، كما لم نجد الترابية في معظم أعمال ضياء العزاوي الذي يرى أنه واحدا من أهم الفنانين العراقيين. مؤكدا أن اللون خيار فردي يتبع اللوحة وعناصرها وفلسفتها، لاسيما وأننا نتحرك بحرية دون مؤثرات شمولية، ‘يمكن للون ان يكون هوية اذا كانت هناك فسفة شمولية تحكم العمل الفني، كالفن الاسلامي، مع ذلك اعتقد ان ذلك فيه شيء مجاف للحقيقة. فالفنان غالبا ما يتعامل مع الجماليات التي تفرضها لوحته. فاذا كانت اللوحة تتطلب لونا احمر، هذا لا يعني ان الاحمر هويته’.
خصوصية الموروث
الفنان والناقد التشكيلي كريم النجار يقول إن هناك ملونين عراقيين كثر، ولا يعني هذا أن هناك خصوصية حتما. الفنون تستمد جذرها من الموروثات، وبما اننا نملك حضارة طينية وحجرية ليس اللون أحد مكوناتها، لذا نرى هذا الأثر واضحا في العديد من أعمال الفنانين العراقيين المعاصرين. ‘وهنا أردت أن أضع خلاصة ليست مكتملة بشكلها النهائي، لكنها تضع مقدمات لسؤالك، هل هناك خصوصية لونية في الرسم التشكيلي العراقي؟سؤال جوهري، إذا فهمنا أهمية الفنون وطابعها المحلي الذي يستمد من أرث نابت في القدم، لكن ما يعنينا هنا هو الفن التشكيلي المعاصر، الذي نشأ قبل بداية القرن العشرين حتى اللحظة الراهنة. وكما نعرف أن رواد الرسم العراقي الذين بنوا اللبنات الأولى، وأعني بهم نيازي مولوي بغدادي الذي زاوج في أعماله الزيتية المصغرة ‘أواسط القرن التاسع عشر’ بين الصورة والخط والزخرفة، كونه بارعا في الخط الفارسي، كذلك الفنان الواقعي عبد القادر رسام الذي أول من أنفتح على رسم الطبيعة العراقية ومناظرها الريفية متأثرا بواقعية فن الرسم التركي وامتدادها الالماني، كذلك فن الرسم الايراني والتأثيرات الفرنسية عليه، والفنانين عاصم عبد الحافظ ومحمد سليم الموصلي ومحمد صالح زكي.. امتدادا إلى الفنانين الأوائل المبتعثين إلى أوروبا لدراسة الفنون الحديثة والذين تشربوا بنظريات ومذاهب واتجاهات الفن الغربي وطبقوا الجزء الأعظم منها في رسوماتهم، مع محاولات لتأسيس خصوصية فنية عراقية مستمدة من أثر الفنون السومرية والآشورية القديمة، ومن مدرسة بغداد ورائدها الفنان يحيى الواسطي، وتجلى ذلك في أعمال وتنظيرات الفنان جواد سليم وجماعة بغداد’.
النجار يقول إن ‘هذا يدلنا، أولا: على أن فن الرسم المعاصر في العراق، هو بالأساس ناشئ ومتأثر بالفن الغربي، مع تحديد الخصوصية في بعض الأعمال التي استمدت موضوعاتها من الواقع العراقي وفنونه القديمة.ثانيا: إذا رجعنا إلى الرسوم الجدارية الطينية العراقية القديمة سنرى غلبة اللون الاحادي عليها، عكس الجداريات الفرعونية التي يكون اللون عنصرا اساسيا فيها، وهذا ما ترك أثرا واضحا في أعمال الفنانين العراقيين المعاصرين، أمثال سعدي الكعبي وراكان دبدوب وتركي عبد الأمير.. وغيرهم’
ويضيف: لكن هذا يحتم علينا أيضا النظر إلى نتاجات الكثير من الفنانين البارعين في التلوين، وأولهم المعلم والمبدع فائق حسن، الذي جرب كل أشكال الرسم، من التجريد والكولاج والتعبيرية، وانتهاء بالواقعية، وكما يقول ‘كنت أريد التعبير عن إحساسي وإحساس مجتمعي بأشكال مختلفة، أحتاج الى التعبير بالأسلوب التجريدي وأحياناً الى التعبير عن شيء بالواقعية لا أشبع من الأسلوبين أو الطريقتين في فترة واحدة أو متقاربة بكلا الأتجاهين’.
وكذلك اشتغالات الفنان التعبيري حافظ الدروبي اللونية، وانتهاء بما حاوله الفنان الرائد محمود صبري بتحليله اللوحة وارجاعها إلى عناصرها اللونية الفيزيائية والذرية. لكن هذا لا يعني خصوصية عراقية حتما.
الألوان الحارة خصوصية عراقية
يؤكد الفنان الدكتور كاظم نوير على خصوصية في اللون العراقية من خلال استلهامها للالوان الحارة والترابية التي تشكل طبيعة المجتمع العراقي، ويضيف: ‘تطغى الالوان الترابية والبنية والرصايات والقريبة من الالوان المظلمة كالاسود والازرق الليلكي في كثير من اعمال الفنانين العراقيين، فضلا عن هذا طريقة معالجتها وعلاقاتها في اساليب وتقنيات توضح الجو العام او المناخ للشكل او التكوين، وهذا يرتبط بالشخصية العراقية التي يسيطر عليها جو من الحزن والقلق والاغتراب وربما الخوف خذ مثلا رسوم فائق حسن وعلي طالب ومحمد مهر الدين وجبر علوان ورسمي الخفاجي… فالخصوصية اللونية تأتي من خصوصية الرسم العراقي والتي تأتي من خصوصية الذات او الشخصية العراقية والتي هي تجليات لتأريخ طويل من القهر والظلم والحروب والمآسي والاغترابات.. لنتمعن في تأريخ العراق الحديث والمعاصر، ماذا نجد فيه؟ سنوات قليلة ليست فيها كوارث، فضلا عن هذا فالشخصية الفنية الابداعية هي اصلا مشحونة بالقلق والخوف والاغتراب وهذا ما يدفع الشخصية الفنية العراقية ان تظهرها بشكل واعٍ او لا واعي، واللون جزء من معالجات الاظهار المادي او الادراكي للعمل الفني.. ويشير نوير أنه في معرضه الاخير في المغرب اشار البعض الى هذه الملاحظة، فاللون وطريقة معالجاته خاصة ترتبط بظروف العراق الخاصة وهي بالتأكيد تشبه الغناء العراقي بشكل عام وايضا تشير الى الطبيعة الخاصة في معالجات الاشكال في تأريخ الفن في وادي الرافدين.
حداثة الرسم العراقي
الفنان وائل المرعب يتحدث عن صعوبة تحديد خصوصية لونية للرسم العراقي بصورة عامة بسبب تنوّع المدارس والمذاهب الفنية التي اعتمدها الفنانون العراقيون في أساليبهم، إضافة الى أن تأريخ بداية الرسم العراقي لم يكن موغلاً بالقدم، إذ بدأ أوائل القرن العشرين على يد عبد القادر الرسام ومجايليه، وقبله كانت هناك قطيعة فنية تمتد الى رسوم الواسطي، مضيفا ‘أننا لم نرث سمات لونية تطبع الفن العراقي كما هي مثلا في الرسم الصيني أو الهندي أو اللاتيني، لكن من الممكن القول أن اللون الترابي المطبوع في ذاكرة الفنان بسبب أجواء العراق المتربة على مدار السنة فرض نفسه على اعمال الكثير من الفنانين ولعلّ أعمال الخالد فائق حسن في المقدمة منهم وكذلك أعمال عبد الجبار سلمان وتركي عبد الامير وسعدي الكعبي وغيرهم، الذين غلب اللون الصحراوي على اعمالهم، وحتى العديد من أعمال فناني الحداثة أو ما بعدها كأعمال شاكر حسن آل سعيد وكريم رسن وهناء مال الله وغسان غائب وغيرهم، إذ لم تنج أعمالهم من تأثيرات اللون الترابي ومشتقاته.
الرسم انعكاس لذات الفنان
في حين يشير الفنان والناقد التشكيلي صلاح عباس إلى أنه على الرغم من التباين الواضح في اساليب الرسم العراقي، فأن ثمة دعوات كثيرة مقدمة من لدن الفنانين منذ بدأت ريادة الابداع مطلع العقد الخامس من القرن الماضي و’نقصد منذ تأسيس الجماعات الفنية، فكانت جماعة بغداد للفن الحديث اولى الجماعات التي دعت لتأصيل الفن واكتساب الهوية، وذلك من خلال تملك الوعي بالمكان والزمان وفهم خصائص البيئة العراقية بكل ما تنطوي عليه من تاريخ وثقافات’. غير ان الفنانين عملوا على ترسيخ المفاهيم الجديدة وذلك باستخدام الوحدات الصورية والاشارية والمفردات وتنظيمها على أسس تصميمية تدعم تلك المفاهيم والرؤى، ولكنهم تناولوا مفردات علاماتية لها اواصر بما تكتنز به الحياة العراقية. مؤكدا أن اللون يمثل مشكلة حقيقية ذلك ان استخدامه يشبه استخدام الاصوات او النغمات الموسيقية، وبالنتيجة يمثل حروفاً من ابجدية منفتحة. و’لو اننا استقصينا تاريخ الرسم في العراق فسنجدها حتما تمثل انعكاسا موضوعيا لما يعتمل في جسد الحياة العراقية نرى في لوحات فائق حسن اجواء عراقية بدفئها وحرها ونكاد ان نشم عطر الجو العام قال الفنان فائق حسن لطلبة اكاديمية الفنون الجميلة اذا اردتم ان ترسموا اصطبلا فينبغي عليكم ان تجعلوا المتلقي يشم رائحة الروث’.
ويضيف ‘الفنان جواد سليم كان مهتما بالالوان وتحولاتها بحيث ان اغلب لوحاته ومهما اختلفت فانها تؤلف نسيجا من الالوان العراقية والبغدادية حصريا فانه يسبغها بنفحات من روحه.
والفنان حافظ الدروبي اشتغل بالالوان الانطباعية المستوحاة من البيئة والمحيط العراقي وقدم خلاصاته الرائعة، وكذلك استطاع الفنان سعد الكعبي ان يهب الالوان الصحراوية طاقة متجددة حتى كانه يرسم برمل النجف’. وفي الحقيقة ان الالوان تمثل عنصرا متداخلا في بنى اللوحات وهو بالضرورة ان يكون انعكاسا لما يفاعل ذات الفنان وذات المتلقي وذات الحقبة التاريخية ومثلما يتداخل الشعر العراقي والنغم العراقي مع الخصائص المتفردة للحياة العراقية فالالوان بسبل معالجتها الفنية والتقنية تخضع لنفس المؤثرات والضغوط، بحسب رأيه.
الفن الشرقي بتقنيات أوروبية
من جانبه يرى الفنان منير العبيدي أن تصنيع الالوان وأدوات الرسم في اوربا قلص من الخصوصية اللونية للفنان الشرقي قياسا برسوم الواسطي مثلا وبالرسوم المحلية التي سبقت ثورة الاتصالات والتصنيع.. الالوان الزيتية والوان الاكريليك والالوان المائية وفرش الرسم تصنع في اوروبا ويستعملها فنانون شرقيون.
ويضيف ‘يوجد تمرد محدود يسعى الى استخدام تقنيات خاصة ومحاولات للتملص من املاءات التصنيع الاوربي تجلى في امور عديدة منها استخدام مجاميع تقنيات لالوان ازدهرت في العصور الاسلامية مثلا، كذلك محاكاة مجموعة الالوان الطاغية. مع ذلك فإن اللون اضافة للشكل هو هوية الفنان و بما ان هوية الفنان العراقي مميزة تعكس شكلا من اشكال الفردية ومحاولة التفرد فإن المجموعة اللونية للفنانين العراقيين مميزة.
في هذا السياق اتذكر ان خالد الجادر قدم لي النصيحة الاولى : حاول ان تجد الوانك الخاصة وأن تكتشف الوانا جديدة’.
ماذا بعد؟
تبقى خيارات الرسم واللون وحركة الفرشاة خيارات فردية، التأثر بهذه المدرسة أو تلك سمة كل فنان، عراقي أو عربي أو أوربي، لذا من الصعب الوقوف على خصائص فنية يمكن أن يتسم بها بلد معين. لكن، تبقى تأثيرات البيئة والطبيعة والمجتمع وثقافة الفرد ما يحدد سمات كل فنان اللونية، فمن فائق حسن إلى جواد سليم إلى سعدي الكعبي وشاكر حسن آل سعيد، وصولا الى هاشم تايه وكريم الوالي وياسين وامي وغيرهم من الجيل الحديث، تختلف البنيات اللونية وتتشعب لدى كل فنان.. ويبقى هناك تساؤل ربما لا ينتهي: ما خصوصية اللون في اللوحة التشكيلية العراقية؟