فنانون يتباهون بالوهم

حجم الخط
0

سعيد بوخليط

غالبا، ما يثير السؤال الفني، التباسا وجيها، عندما نتوخى إخضاعه للمساءلة والنقد، لأنه يتشبت حتى آخر رمق بمبرر، اسمه الحرية. لذلك، يعاني المتأمل، مأزقا عويصا حينما يعطي لنفسه حق تقييم عطاء دون غيره. الحل التوافقي، للمفارقة يتمثل في الإلحاح على وضع هذه الحرية وفق إطار أوليات لا غنى عنها، كي يصير التقويم مشروعا.

نعم، الفن حرية، بمعنى لا يجوز للمتلقي الموجود حقا أو افتراضا، أن يمنح نفسه حقا مطلقا بوضع محددات أولية لهذا الفن، بما أنه خلق غير مسبوق، يستمد هويته فقط من حمولة موضعته لفضاءات غير مكتسحة سابقا. لذا، يحظر على الفنان اختزال هاجسه إلى سند من الأسانيد، لأن رهانه الكلي على حريته الباطنية.

يشترط إذن في الفن كفن، شيئان اثنان: الإبداع، بكل ما ينطوي عليه المفهوم من شديد التركيز على الجدّة ولحظة التحقق الأصلية. من ثمة، وهو الأساس الثاني، يشترط في المبدع أن يكون ويبقى كائنا حرا مابقي حيا، وتصير الحرية كوجيطو خالق: أنا حر، إذن أنا موجود. محددان لم يوفيهما حقهما إلا الفنانين العظماء، فاحتفظت لهم الذاكرة الإنسانية بذكر مستفيض.

إذا، أردنا إسقاط مدخل كهذا على المغاربة الذين وضعتهم المؤسسة في خانة الفنانين، مقابل باقي الخلق سيبدو الأمر بعيدا عن كل مجال للتماثل، مادامت أبسط عناصر التبرير غير متوفرة. إبتداء من التعريف، وصولا إلى القصد والشروط التاريخية. إطار، يشرعّ نحت أسئلة نوعية تصب في صالح المجتمع المدني الذي سيبقى النواة المفقودة لمجتمعنا، كي يتمتع حقا بهواء العصر. لقد استكانت المفاهيم لديناإلى كسل مريع جدا، فازداد الإنزواء إلى الجاهز المكرس وتنميط خيالات الناس…. تحضرني هنا مقولة، كنا دائما نسرع إليها، عندما نريد مقارنة منتوجنا الفني بنظيره الأجنبي: إننا لا نملك فنا، يارجل!

حكم قيمة، بقدر ما يغفل أن أجيال الزخم السياسي (سنوات الستينات والسبعينات والثمانينات) ظلت محكومة حقا بهاجس الإبداع وعاشت حد اللانهائي حرية وجودية داخلية، وهي تقاوم وضعا سياسيا ومجتمعيا كليانيا، ومنظومة توتاليتارية لا تترك مجالا للتفكير في آفاق أخرى. فلا أحد بوسعه أن ينكر، آنذاك تواتر أخصب النصوص المسرحية والغنائية، والاشتغال الدؤوب داخل أسوار الجامعة والأحزاب ودور الشباب والمنازل… ، خفية عن أعين الجواسيس، مادام الفنان آمن واقتنع بدوره الطليعي الذي يرسم لبنات المشروع المجتمعي. لقد تبنى نفس منظور السياسي التقدمي، وإن بإشارات مغايرة نظرا لخصوصية حقل كل منهما. هكذا، تجسدت ملامح الفن المتسامي، الذي يستهدف بناء إنسان ومجتمع بديلين، وتقويض قديم، لم يكن له من هدف سوى أكل أبنائه.

صحيح، أن طبيعة المواجهة في تلك الفترة وحدّتها، ودرجات اليقظة التي استلزمت التحلي بها، لم تسمح بخلق هامش معقول كي تتبلور عناصر نقاش معرفي – إيديولوجي، بخصوص مساحات الائتلاف والاختلاف بين الفن والسياسة؟ الفن والمرجع؟ الفن والغاية؟ أسئلة وأخرى تستلهم تعددا واختلافا وانسيابا، تشكل المعول الذي يقض مضجع الأنساق الأحادية سواء كانت سياسية أو غيرها.

كيف إذن بهذا الفنان الذي انحنى فقط للإبداع والحرية من أجل بناء مجتمع إنساني جدير بذاته، فزهد وتعفف وتجلد وتصلب؟ أن يرتد إلى حقارة الإرتزاق والتكسب، ويمدح يمينا وشمالا، وينبطح على بطنه كي يستجمع الهبات والعطايا، ويعيش مثل بعوضة على رقبة شعبه، يمتص دمه، مخادعا نفسه باسم الفن، حتى إشعار أن يسخر منه التاريخ ذات صبيحة، لأن الأخير لا يتحمل الإبقاء على المنافقين المتزلفين، أولئك من اشتروا وباعوا كل شيء بثمن زهيد. هكذا مع بداية شهر رمضان، تفاجأت بتقديم القناة الثانية المغربية لوصلة إشهارية، ضمت شرذمة واسعة، لأسماء صنفت دائما باعتبارها فنية، وهم يؤدون بكل انشراح وحبور أغنية جماعية تعدد ‘مزايا المنجز العقاري’ لشركة الضحى، المعروفة للقاصي قبل الداني بجشعها الذي يأتي على الأخضر واليابس، ويحفزون المواطنين قصد الإسراع إلى اقتناء شققها. ظهر الفنانون المداحون في قمة السعادة والارتياح، يسرعون الخطى بأيادي متشابكة نحو الشارع، فرحين بعملية الإخبار، كأن الأمر يتعلق بمسيرة تحررية من أجل القضاء على الفقر والبطالة والأمية والتفاوت الطبقي الصارخ…. مشهد يثير أكثر من علامة استفهام، أمام مكون من مكونات النخبة، ويضعها على المحك إن كانت لنا حقا نخبة، توفرت فيها شروط ومقومات أن تجسد وسيطا تفاوضيا بين النظام والشعب، وقادرة على التمسك بمنظومة قيمية تضمن مصالح المجتمع العليا.

ففي الوقت الذي ترتفع فيه حرارة الأصوات، من أجل تذويب جليد الفساد الذي ينخر هيكل البلد، ويعمم فلسفة الموت في كل مكان، وقطع دابر المفسدين، نكشف بأن الفنانين لا يعيرون لمطلب الشعب اهتماما ويخونون المسؤوليات الملقاة على عاتقهم بسعيهم إلى مزيد من تعليف العجل الذهبي حيث المال والسلطة صنوان لا يفترقان، الأول تيسيرا والثانية تعضيدا. الاحتكارات الاقتصادية المتواجدة لدينا، عرفت دائما بنهمها الشيطاني ووحشيتها العاتية في سبيل انتزاع المكاسب المادية. تتحايل على كل شيئ وتقيم دولة داخل الدولة من أجل تجذير مصالحا ومأسستها. تمارس على المواطن جميع أنواع الحروب النفسية والجسدية، وشتى أشكال الإبتزاز كي تصل الى أهدافها. فالضحى، التي يشدو لها فنانو الدرجة العاشرة، نموذج جلي لمقاولة تسحق بدون رادع، في سبيل هدف واحد لا غير، اكتناز الأموال. فإن استطاع المواطن أن يظفر منها بعلبة كبريت تحت تسمية ‘منزل سكني’، عليه قبل ذلك المرور جبرا من الصراط المستقيم، وتجميع وثائق الدنيا وغير الدنيا، وتقديم فروض الولاء والطاعة للصغير قبل الكبير، حيث أعضاء المنظمة السرية للوكلاء والوسطاء وأصحاب التوقيع الذهبي، ثم ‘مول الكلمة’ و’الرأس الكبيرة’ وهلم جرا. فامتلاك منزل اليوم في المغرب، بالنسبة لبسطاء القوم يعتبر معجزة بكل المقاييس وقد تسجل لصاحبها في كتاب ‘غينيتس’ للأرقام القياسية، لأنه سيقضي كل عمره، وكذا تابعيه وتابعي التابعين في تأدية التكلفة على حساب ما تبقى من طموحاته. كل ذلك لأن الدولة متملصة من مسؤولياتها الوطنية، تحت يافطة ‘لبيرالية، أترك المفسد يفعل ما بدا له، سنحتاجه في أمور أخرى’ والنتائج، واضحة للعيان كارثيتها. إذن عوض أن يفضح الفنان هذا الوضع المختل وقد تعفن نثانة ويصرخ بأعلى ما لديه ضد بنيات القهر والاستيلاب، نجده على العكس ينحاز بكل أريحية إلى جانب أعداء الحرية والتطور، دون أدنى مراعاة لطبيعة اللحظة التي نعيشها حيث السعي القوي لجل الشعوب العربية كي تعيد كتابة استقلالاتها مما يجعل حدود المنطق الثنائي ‘معي أو ضدي’ غير قابلة بتاتا لأقل تأويل تضليلي، مع العلم أن الالتزام بموقف الدعم يأخذ طبعا درجات ومستويات.

لكن السؤال الذي يبرز فجاة وقد يلغي حتى مشروعية ما أتيت على ذكره: هل حقا هؤلاء فنانون؟ بمعنى أناس نابغون يستهدفون للجمال والحق والخير، مجالا؟ كيف يرسخون بآثارهم القيم الوجودية؟ ما طبيعة الخطاب الذي يرسون دعائمه في علاقتهم بمحيطهم القريب والبعيد؟ هل يتحسسون داخل ذواتهم في الآن ذاته قدرة على الرقي بحواسهم أقصى مدارج التجريد في نفس مستوى شغفهم بإيجاد مسالك مضيئة لواقع مجتمعي ينجذب أساسا نحو التسطيح بل الخواء.

أتمنى، أن لا تكونوا كالأنعام حيث القلوب لا تفقه والأعين لا تبصر والآذان لا تسمع.’ كاتب من المغرب [email protected]

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية