فنان يحب المغامرة فيخرج من فضاء التعبيرية الواسع ويتمرد
معرض جديد لستار كاووش يستفيد من غرائبية المخيلة الشرقية واجتراحات الفن الحديث:فنان يحب المغامرة فيخرج من فضاء التعبيرية الواسع ويتمردأمستردام ـ القدس العربي ـ من عدنان حسين أحمد: نظّم غاليري Die Rooiperd في مدينة إنكهاوزن الهولندية معرضاً شخصياً جديداً للفنان التشكيلي ستار كاووش، من 30 نيسان (ابريل) ولغاية 21 أيار (مايو) 2006. وقد ضم المعرض الذي انضوي تحت عنوان أصابع كاووش 22 لوحة فنية ومن بينها أربع لوحات تنتمي إلي أسلوب اليوغندستيل، وهذه اللوحات هي علي التوالي، احتضان، المساء الهادئ، وداع الشتاء، إمرأة من الكريستال . وطالما أن أسلوب اليوغند ستيل Jugendstil هو الوجه الآخر لحركة الفن الجديد الفرنسية Art Nouveau فيجب أن نسلّط بعض الضوء علي هذه الحركة أولاً كي نلامس تجلياتها في اليوغندستيل أو الفن الشبابي ، فهو في النهاية جزء من تيار الفن الجديد الذي انضوي تحت أسماء معينة في بلدان أوروبية أخري. بدأت حركة الفن الجديد منذ أواخر القرن التاسع عشر حتي بداية القرن العشرين، وتحديداً منذ عام 1880 حتي عام 1915. وتميزت هذه الحركة بأسلوب فني زخرفي أنيق تمتد جذوره إلي حركة الفنون والحرف البريطانية. أصبح الفن الجديد معروفاً ورائجاً في البلدان الأوروبية وأمريكا.ومن أشهر فناني هذه الحركة أوبري بيردسلي، غوستاف كليميت، ألفونس موشا، والفنان الأمريكي (صانع الأقداح الزجاجية) لويس كومفورت تيفاني. بقي الفن الجديد شعبياً حتي بدء الحرب العالمية الأولي ثم استبدل أخيراً بأسلوب فن الديكور. يحيل الفن الجديد الحركة الفنية الطليعية Avant- garde التي بدأت في غرب أوروبا في الربع الأخير من القرن التاسع عشر، وبهذا الأسلوب تمرّد الفنانون علي طريقة الفن الكلاسيكي. إن الفن الجديد هو أسلوب في المعمار، والنحت، والرسم، والفنون التطبيقية والزخرفية. وجدير ذكره أن الفنانين والمعماريين الأوروبيين كانوا فخورين عندما يُنعَتون بصفة الصُنّاع المَهرَة أو الحرَفيين البارعين في فنهم، هذا إضافة إلي أن الفنان الطليعي غالباً ما يُتقن مهارات فنية مختلفة، فضلاً عن اجتراحه لأفكار وأساليب جديدة لم تُطرَق من قبل. تأثر الفن الجديد بأكثر من مدرسة فنية مثل ما قبل الرافائيلية وبالأزياء اليابانية، وبالباروك وما إلي ذلك. كما أنه ينطوي علي مضامين حلمية وأكزوتيكية تتضمن رموزاً جنسية، وتتعاطي مع فكرة الموت والإنبعاث. النوفو آرت بأسماء متعددةوعوداً علي بدء، فإن الفن الجديد هو حركة فنية عالمية حديثة لها أسماء مختلفة في عدد من الدول الأوروبية ففي ألمانيا تسمّي بـ اليوغند ستيل ، Jugendstil، وفي إيطاليا ستيلا ليبرتي Stile Liberty، وفي النمسا سسيشن Sezeion، وفي إسبانيا موديرنستا، أو موديرنزمو Modernista Modernismo، وقد حققت هذه الحركة بتسمياتها المتعددة نجاحاً منقطع النظير في الزخرفة والفنون التطبيقية. وكان معرض الكتاب العالمي في باريس هو التظاهرة الحقيقية التي كشفت عن قبول الذائقة الجماهيرية العامة بهذه الحركة الفنية. ويميل النقاد والمؤرخون الفنيون إلي الاعتقاد بأن هذه الحركة قد جاءت كرد فعل طبيعي للثورة الصناعية التي أحدثت عامل الوفرة والغزارة في الإنتاج، لذلك جاء التركيز علي هذا الأسلوب الذي يتطلب مهارة عالية، وحرفية متقنة، وتمكّن من الصنعة لكي تقف إزاء ما تقدمه المكائن والآلات الحديثة التي غزت بمنتجاتها الأسواق العالمية. غير أن منتجات هذه الحركة كانت غالية الثمن، لذلك لم يكن بإمكان الطبقات الفقيرة من اقتنائها، الأمر الذي جعلها حكراً علي الأثرياء والموسرين.قبل عشرين عاماً من بدء حركة الفن الجديد، أي في عام 1860 بدأت التجارة مع اليابان تتطور، وتأخذ طابعاً شمولياً، فقبل هذا التاريخ كانت اليابان تعيش في عزلة تامة ولقرون زمنية عدة. وعندما شاهد الفنانون الأوروبيون الكليشهات المطبوعة سواء علي الخشب أو القماش أو المواد الأخري سمّرتهم الدهشة، ووقفوا منبهرين أمام الأزياء اليابانية، وما تنطوي عليه من زخارف جمــيلة لافتة للانتباه. وقد تأثر بها في الحال عدد كبير من الفنانين الأوروبيين لعل أبرزهم فان كوخ وغوغان وتولوز لوتريك، ورهط كبير من فناني الآرت نوفو، بما فيهم جماعة اليوغند ستيل التي تمركزت في المناطق الناطقة باللغة الالمانية. ومن بين المؤثرات الواضحة للعيان استعمالهم مساحات مسطحة وملونة وبتصاميم بدت غريبة أول الأمر لأن مبدعيها لم يستعملوا المنظور الذي يبين تأثرهم الصارخ بالفن الغرافيكي الياباني. لا شك في أن ستار كاووش هو فنان تعبيري بامتياز، وقد كرّس قرابة ثلاثة عقود من حياته لهذه المدرسة الفنية. ومن المصادفات الغريبة أن ينقطع هذا الفنان للمدارس الفنية التي نشأت وتطورت في ألمانيا. مدرسة اليوغند ستيل، تمثيلاً لا حصراً، انبثقت في مدينتين ألمانيتين هما ميونخ وبرلين، بالإضافة إلي انبثاقها في دول أوروبية أخري مثل بريطانيا واسبانيا وإيطاليا، والنمسا، وفرنسا، وبلجيكا. ويبدو أن كاووشاً نفسه لم ينتبه إلي وجود اللمسات اليوغندستيلية في أعماله الفنية، بل إن هناك ثيمات يوغندستيلية تهيمن علي عدد غير قليل من منجزه الفني. وقد نبّهه بعض من الفنانين الهولنديين الذين زاوا معارضه الأخيرة، وأشرّوا علي السمات والخصائص اليوغند ستيلية في تجربته الفنية. ورغم ثقتي الكاملة بأن كاووشاً قارئ من الطراز الرفيع لتاريخ الفن التشكيلي، وتحديداً للتيارات والمدارس التي يرسم ضمنها، ويطوّر بحوثه الفنية فيها، كالانطباعية، والتشخيصية، والتعبيرية، والتعبيرية التجريدية، والتكعيبية، والسريالية، والبنائية، والنوفو آرت، والبوب آرت وما إلي ذلك من تيارات وأساليب يمحضها حباً من نوع خاص.ولأن كاووش الذي يحب التجديد، والتنويع، والمغايرة دؤوب ولكي لا يقع في فخ الرتابة والركود، فلا بد له بين آن وآخر أن يخرج ولو جزئياً من إطار التيار الفني الواحد، ويتمرد عليه. وعلي الرغم من أن فضاء التعبيرية هو فضاء واسع ويتيح للفنان القدرة علي المغايرة والتنويع إلا أن كاووشاً وجد ضالته في الفن الجديد، بنكهته الألمانية التي أشرنا إليها سلفاً وهي اليوغندستيل أو الفن الشبابي، فلقد نجح هذا التيار الفني في أن ينتشر ويتوسع خارج إطار الفنون الجميلة، ويمتد إلي المطبوعات، والبوسترات، والمجوهرات، والأزياء، والعمارة، والفنون الزخرفية، والتطبيقية، والتجارية أيضاً. وهناك فنانون عالميون أغرتهم هذه التجربة أمثال ألفونس موشا وغوستاف كليمت وأوبري بيردسلي وغيرهم من الذين أنجبتهم حركة الفنون والحرف في بريطانيا علي وجه التحديد. ولا بد من الإشارة هنا إلي حركة Vienna Seceion وهي حركة فنية انفصالية تمردت علي قواعد الفن الصارمة، وخرجت من قبضتها، وانفتحت علي الفنون الأخري، وربما يكون غوستاف كليمت هو أفضل نموذج في هذا الإطار لأن كاووشاً يحب تجربته الفنية، ويتمثلها علي الدوام، بل إن هناك عدداً غير قليل من التعالقات الإبداعية بين كليمت وكاووش، وهي لا تخرج عن التأثر والتأثير والإبداعيين، فلكل منهما بالنتيجة عالمه الداخلي الخاص.نماذج تطبيقيةسأتناول في هذه الدراسة النقدية أربعة أعمال فنية لكاووش من بين 22 لوحة فنية احتضنتها صالة Die Rooiperd لسبب واحد وهو محاولة تكريس هذا البحث للأعمال التي يتجلي فيها أسلوب اليوغند ستيل، مُمنياً النفس بتناول بقية الأعمال الفنية في دراسة لاحقة. وهذه الأعمال هي احتضان ، المساء الهادئ، وداع الشتاء، وامرأة من الكريستال ، وفي هذه الأعمال الأربعة ثمة معمار، وديكور، وزخرفة، وأزياء، وشبكة من العلاقات الخفية التي تؤسس لبنية كل لوحة تشكيلية علي حدة. فليست هناك أية لوحة من هذه اللوحات الأربع من دون موضوع، غير أن أهمية الثيمة بالنسبة لكاووش تأتي دائماً في المرتبة الثانية بعد الشكل. وربما يقودنا هذا الأمر إلي التذكير بأن الفنان كاووش معجب بالعوالم الفنية لفنانين من طراز النمساوي غوستاف كليمت، والهولندي يان توروب، و النحات الإسباني أنتونيو غاودي، وفي أعمال هؤلاء الثلاثة ثمة حب وعشق ووله يذكرنا بعوالم ألف ليلة وليلة وكاووش هو إبن بغداد البار، ووريث هذه العوالم السحرية والعجائبية التي تجترحها المخيلة الشرقية. في لوحة احتضان ثمة لقاء عاطفي، فيه عناق، وقُبَل محمومة، وتوحّد، وحرارة إنسانية تشع بدفئها الرومانسي علي المتلقين، وتخدّرهم، وتقدح في أذهانهم شرارة الذكريات، وتقود كل مشاهد منهم إلي ماضيه، أو تجعله معلقاً بين هوة الماضي السحيق وحافة الحاضر الراهن. ليس ما يقترحه كاووش هنا هو الثيمة فحسب، وإنما الاستمتاع البصري بالشكل، وبالعلاقات الداخلية المبنية فوق السطح التصويري، والمُعتمِدة علي التوازن بين ثنائية الداخل والخارج كما هو حال الشخص الذي يتواري في الزاوية العليا من أفق اللوحة، وبين العاشقين اللذين يستمتعان بهدوء المساء خارج إطار اللوحة، وكذا الحال بالنسبة للكلب الذي يتلاشي في أفق اللوحة الداخلي، والقط الذي يشرئب برأسه خارج إطار اللوحة المفترضة. وهذه الثنائية الجذابة تتكرر في لوحة وداع الشتاء ، فالنافذة هي اللوحة المفترضة، بينما تقف المرأة خارج إطارها حتي لتبدو وكأنها أحد المشاهدين الذين جاؤوا لزيارة هذا المعرض، وليست فيكراً من فيكراته الاساسية. وقد اعتمد كاووش علي هذه الخدعة البصرية في عدد غير قليل من أعماله الفنية. إذن يمكن القول إن كاووشاً قد أفاد في هذه اللوحات الأربع من العمارة، والديكور، والزخرفة، كما أفاد علي وجه التحديد من الأزياء اليابانية التي توشحت بها أغلب شخصياته النسائية التي كانت تتمترس خلف أبعاد رمزية، وتعبيرية، ويوغند ستيلية بالدرجة الأساس. وإذا كان كليمت فناناً يوغند ستيلياً خالصاً، فإن إيغون شيلله هو نصف تعبيري، ونصف يوغندستيلي، وتولوز لوتريك هو نصف انطباعي، ونصف يوغندستيلي، أما كاووش فهو تعبيري دائماً، ومرشح لأن يكون يوغند ستيلياً لمدة من الزمن، ثم يغادر هذا الأسلوب إلي أسلوب آخر أكثر دهشة وإبهاراً كما توقعت له في كتابي النقدي أطياف التعبيرية والذي كرّسته لتجربته الفنية التي جاوزت ربع قرن من الزمان. يعيش كاووش دائماً في بيئتين، ومناخين، وعالمين، يلتقيان ويفترقان من دون أن يدري، ولكنه يدرك تماماً أن لوحته اليوغند ستيلية لا بد أن تأخذ من بغداد شيئاً وتتضمخ به كما تضمخت إمرأة من الكريستال بعطر ألف ليلة الباذخ حتي وإن جاءت محشورة في بنية عين تكعيبية تأخذ فيها صورة المرأة موضع الحدقة من العين. إن تحطيم إطار اللوحة كما في السماء الهادئ ، أو الخروج منه كما في وداع الشتاء ، أو التحرر منه نهائياً كما في احتضان هو تذكير متعمد للمشاهد بأعمال نحتية ومعمارية كانت تخرج علي الإطار أو تتمرد عليه، كما تتمرد الأسود أو النصب النحتية الأخري، وتشرئب ليس برؤوسها فحسب، وإنما تطل بأجسادها كاملة من الهيكل المعماري العام للبناية. وربما يكون من المفيد الإشارة إلي التقنيات المتعددة التي استعملها كاووش في إنجاز لوحات هذا المعرض، ولعل أبرزها التعويل علي ثنائية التراكم والتعرية اللونية أولاً، ثم اتباع أسلوب الحك والشطب، والترقيش بعدد كبير من الفراشي والسكاكين والأدوات الحادة.0