فنجانا قهوة

حجم الخط
0

فنجانا قهوة

رشاد أبوشاورفنجانا قهوةتتّجه كما في صبيحة كّل يوم أحد إلي المقبرة. تغادر شقّتها مبكّرة، تنزل من سيّارة التاكسي في شارع قريب، ثمّ تمشي متمهّلة في شارع قصير محاط بأشجار السرو الباسقة الخضراء.عرفت أنها فقـــدته بحادث سير، فهـــو لقي مصــــــرعه فوراً، وهي أصيــبت بعرج طفيف غير ملحوظ في ساقها اليمني.لفتا انتباهي منذ سنتين، هي كانت تجلس في المقهي، تختار طاولة علي الرصيف صيفاً، تكوّم أمامها صحفاً ومجلاّت، تقرأها وتتصفحها مع فنجان قهوة ترتشف منه قطرةً قطرةً، ثمّ تدفع حسابها ـ يبدو أنها كانت تبغشش النادل، لأنه كان يبالغ في احترامها، ويحرص علي حجز الطاولة نفسها لها ـ وتمضي بخطوات قصيرة، متمهلة.فجأةً ظهر معها، هكذا في أحـــد الأصبحة رأيتهمــا معاً، وهما يتهامسان ويضحكان بصمت، وكأن العلاقة بينهما قديمة جدّاً.يوم الأحد لم يعد يومها وحدها، بل صار يومهما معاً، ويومي أنا الذي تقريباً أصل المكان مع حضور النادل وصاحب المقهي.لمّا ظهر معها غرت منه، بل لعلّي بلغت ما هو أبعد من الغيرة، أقصد: الغيظ والنفور!لكنه مات، فحزنت عليه، وقد أعلمني بالحادث النادل (وصفي)، فندمت لأنني غرت واغتظت منه. لعلّي كنت أتعلّل به لأبرر عدم اهتمامي بالفتاة ـ عرفت أن اسمها (رباب) ـ قبل ظهوره في حياتها…أعترف أنني بت فضوليّاً، وأنني سبقتها إلي المقبرة، ولبدت بين أشجار الصنوبر، وتمكنت من رؤيتها وهي تنحني علي القبر، وتتمتم بكلمات حب كما قدّرت، ثمّ تنصب قامتها، وتمدد الوردة البيضاء ذات الساق النحيلة علي رخامته، وتمسّد علي الرخامة كما كانت تمسّد علي عنقه وهما يهيمان ببعضهما تحت ناظري، حول طاولة صغيرة علي الرصيف بين الصباح والظهيرة كل يوم أحد…كان وصفي يأتيهما بفنجاني قهوة، دون أن يطلبا، فهو يعرف ما يريدان.بعد موته واظب علي وضع فنجاني القهوة علي طرفي الطاولة ـ بحسب رغبتها، كما أخبرني وصفي ـ هي تشرب فنجانها، وترمق الفنجان الآخر، كأنما تنتظر مجيء صاحبه.بت أتحرّق شوقاً ليوم الأحد، لأراها، وأتأملها وهي تتصفّح الجرائد والمجلاّت، أو وهي تصفن طويلاً شاردة النظرات، كأنها لا تري من حولها، ولا تسمع أبواق السيّارات التي تمرق علي مبعدة حوالي المتر فقط من حيث نجلس علي الرصيف.أسبوعي كلّه، بكّل أيامه، صار ينقضي بطيئاً، بانتظار يوم الأحد. أنا وقعت في الحب، أنا الوحيد، الموظّف في البنك منذ أربعة أعوام، القادم من (الضيعة)، الذي انتظرت الوظيفة والاستقرار، و.. انتظار اللقاء مع من سأختارها شريكة.لا أعرف عنها الكثير، ومع ذلــك أتحرّق شــــــوقاً لرؤيتها، لتأملها وهي تقـــــرأ، لمتابعــــــتها أحياناً وهي تزور المقبرة، وهي تمدّد وردةً بيضاء ذات ساق نحيلة طويلة علي رخامة القبر…التفاتةً عابرة، جعلتها تنتبه لنظرتي المركزّة عليها، ومضة، شرارة بين أعيننا، كهرباء..جعلتنا ننظر واحدنا إلي وجه الآخر في صباحات الأحد، ثمّ طيف ابتسامة، وإيماءة طفيفة بالرأس تشبه أن تكون : صباح الخير، أنا ألحظ اهتمامك، كيف تقضي أيّامك؟فنجانا القهوة علي طرفي الطاولة الصغيرة، ترتشف واحداً، ويبقي الآخر ينتظر من مضي ولن يؤوب…أهو غموضها ما يجذبني، أم حزنها، أم..؟!تغص المقهي بالزبائن، ولكننا نصل قبلهم، فنختلس النظرات، أنا أقلّب صفحات الجريدة ، وهي تقرأ وتخربش، أهي ترسم، تكتب، ماذا تكتب ؟شعرها الكستنائي مسرّح من منتصف الرأس، تسريحة بسيطة عمليّة…غالباً ما ترتدي بنطلون جينز، وأحياناً ترتدي تنوّرةً رماديّةً، وقميصةً بيضاء، وفي الصيف يبدو القميص الزهري مضيئاً لوجهها، يجعله بلون زهرة ناعمة شفّافة…اتخذت قراري، فالتردد بات معذّباً، وأنا لست مراهقاً لأتلذذ بصبابتي…قلت لنفسي: هذا الأحد سيكون غير الأحدات السابقة…صبّحت علي (وصفي)، وتمشيّت قليلاً علي الرصيف الخالي من المارة، وكأنما أنا رياضي أستعد لمباراة حاسمة…أخذت مكاني علي طاولتي المعتادة، وركّزت نظراتي علي الجهة التي اعتادت المجيء منها…بالضبط وصلت في الموعد المعتاد، التقت نظراتنا، فرأيت علي وجهها طيف ابتسامة ـ أأنا واهم ؟ـ فابتسمت وتمتمت: صباح الخير يا حبيبتي (هذه أوّل مرّة أهمس بكلمة حبيبتي).وضع وصفي فنجاني القهوة علي طاولتها كالمعتاد، فمدّت يدها إلي فنجانها ورفعته إلي فمها.انشغلت في تقليب صفحة الجريدة، فنهضت بهدوء، واتجهت إليها، وجلست دون استئذان، ومددت يدي إلي الفنجان و..التقت نظراتنا، ورغم الدهشة التي بدت علي وجهها، فقد سمعتها تقول لي:ـ ما زال ساخناً، يمكنك أن تشربه…ـ لن يبرد بعد اليوم، أليس كذلك؟ـ ممكن، لم لا ؟ 0

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية