قبل دخول الألفية الثالثة بعام واحد، تحديدا في 2 شباط/فبراير 1999 نجح الرئيس الاشتراكي هوغو شافيز في تسنم كرسي الرئاسة في فنزويلا، البلد الذي ينام على أكبر احتياطي نفطي في العالم والذي ينام نصف سكانه تحت خط الفقر. البلد النفطي الأهم في أمريكا اللاتينية لم يشهد استقرارا منذ خمسينيات القرن الماضي، فقد تحول بتروله إلى نقمة حقيقية وفتح باب الصراع بين جناحين رئيسين في فنزويلا: الجناح الأول هو التحالف اليساري وعلى رأسه الحزب الاشتراكي الموحد الحاكم الذي تدعمه التيارات الماركسية مثل الحزب الشيوعي الفنزويلي والقوى السياسية والاجتماعية التي تدعم الثورة البوليفارية، أما الجناح المعادي فهو اليميني الذي ضم طيفا متنوعا من الليبراليين واليمينيين أبرزهم حزب الإرادة الشعبية وحزب “العدالة أولا” وهم من المتماهين مع نفوذ الشركات الاحتكارية الأمريكية والغربية في البلد. ولطالما عاشت فنزويلا استقرارا هشا اختتم بانقلاب عسكري يعد بالتغيير بدون أن ينفذ شيئا.
سياسة شافيز الاقتصادية
حاول الرئيس السابق هوغو شافيز أن يسلك مسار الانقلابات العسكرية أولا، إذ نفذ انقلابه عام 1992 على حكومة كارلوس أندريس بيريز وتوجهاتها الليبرالية الحديثة، لكن الانقلاب فشل في السيطرة على العاصمة كراكاس وأودع شافيز السجن لمدة عامين، وعندما أفرج عنه عام 1994 شكل حزبه اليساري حركة الجمهورية الخامسة “MVR” وهي حركة يسارية تعلن أنها الناطق السياسي باسم فقراء فنزويلا، وخاض انتخابات 1998 ليفوز بأغلبية بسيطة رشحته لرئاسة الجمهورية، سرعان ما استثمرها في تحشيد المسحوقين في فنزويلا عبر تثوير خطط إصلاح قامت على إنشاء البنى التحتية والوحدات السكنية قليلة الكلفة لمن يعيشون في أحزمة الفقر ونشر مؤسسات الصحة والتعليم، ما جعل هوغو شافيز ذو الشخصية الكارزمية ينال شعبية كبيرة وسط المسحوقين والمهمشين في البلد النفطي الغني. وفي الوقت نفسه قام بإصلاح النظام الاقتصادي عبر تأميم ثروات فنزويلا وتأميم الشركات الأجنبية العاملة في البلد، كما سعى لفتح أسواق جديدة للبترول الفنزويلي عبر تفعيل دور منظمة الأوبك وتنشيط الأسواق الجديدة في الصين وروسيا.
لكن العديد من المراقبين والخبراء الاقتصاديين يرون في ما حققه شافيز، فقاعة سرعان ما انفجرت وقادت البلد إلى الكارثة، إذ إن بلدا يعتمد اقتصاديا بنسبة 95 في المئة من دخله القومي على البترول سيكون عرضة للهزات الاقتصادية نتيجة عدم ثبات سعر البترول العالمي إذا لم يعمل على إقامة تنمية حقيقية مستدامة أو السعي لإنشاء صناديق ائتمانية توفيرية لحفظ جزء من الوفرة المالية إبان الرخاء الاقتصادي لمعالجة أزمات تراجع أسعار البترول.
لكن ما قام به شافيز، وبطريقة شعبوية، هو إغداق أموال البترول على مشاريع البنى التحتية التي وفرت له قاعدة اجتماعية وسياسية، وجعلته يتفاخر بسلوك طريق الاشتراكية البوليفارية التي اعتبرها النهج الجديد للإنسانية للوقوف في وجه توحش الليبرالية الجديدة التي تقودها الامبريالية الأمريكية. لكن ومع أول أزمة عالمية عام 2008 تعرض الاقتصاد الفنزويلي إلى هزة عميقة انعكست على شكل تضخم اقتصادي كبير استطاعت حكومة شافيز استيعابه نتيجة الوفرة النفطية السابقة، لكنه دق ناقوس الخطر في وجه سياساته الاقتصادية المتعثرة.
بعد رحيل شافيز، متأثرا بمرض السرطان عام 2013 ورث نائبه الشاب والرجل الثاني في حزبه نيكولاس مادورو تركة ثقيلة تمثلت في وعود كبيرة قدمها شافيز للطبقات الفقيرة واقتصاد يسير نحو الانهيار بخطى متسارعة، وابتدأ الشارع يستشعر بما وصفه اقتصاديو العالم بتفجر فقاعة الاقتصاد الريعي التي انتهجها شافيز عبر التضخم المالي الذي بلغ أعلى معدل شهده العالم منذ الحرب العالمية الثانية وهو مليون في المئة.
حاولت حكومة مادورو تنفيذ بعض التعديلات الاقتصادية لامتصاص أزمة انهيار الاقتصاد، لكن ونتيجة الحصار الأمريكي وتصاعد موجة المعارضة الداخلية، أصبح البلد مكبلا أكثر وأكثر، ومن المعالجات التي رآها الاقتصاديون نوعا من الالتفاف على المشكلة كان تطبيق حذف خمس أصفار من عملة البوليفار المنهارة ليصدر نظام مادورو عملة جديدة بأسم “البوليفار السيادي” الذي يساوي كل بوليفار جديد منه 100 ألف بوليفار قديم، لكن هذا لايعني بأي حال من الأحوال أن العملة الجديدة أصبحت أقوى في وجه الدولار.
الحكومة والمعارضة
عندما فاز الرئيس مادورو بدورة ثانية في أيار/مايو الماضي، هاجت مظاهرات المعارضة في شوارع كاراكاس والعديد من مدن فنزويلا صارخة بأن الانتخابات قد شابها التزوير، وبدأ حزب “الإرادة الشعبية” المعارض الذي يسيطر على الجمعية الوطنية الفنزويلية (البرلمان) منذ 2015 حربا شعواء ضد حكومة مادورو مع صعود المهندس الشاب خوان غوايدو لرئاسة البرلمان في 5 يناير/ كانون الثاني 2019 وبات غوايدو المحرض الأكبر ضد سياسات الرئيس مادورو الذي يصفه بالديكتاتور ومغتصب الرئاسة، بينما يصف مادورو خصمه خوان غوايدو، بـ”العميل الأمريكي”.
عند هذه النقطة الحرجة، في نهاية كانون الثاني/يناير الماضي قرر رئيس البرلمان خوان غوايدو، الانقلاب على شرعية رئيس الجمهورية بإعلانه في خطوة غير دستورية إقالة رئيس الجمهورية وإعلان نفسه رئيسا انتقاليا للبلاد حتى يتم إجراء انتخابات رئاسة جديدة، أيد أنصار المعارضة الخطوة وشهدت كاراكاس مظاهرات تأييد حاشدة، وحظيت الخطوة بدعم دول تقف في مقدمتها الولايات المتحدة الأمريكية وفرنسا وبريطانيا ومجموعة من دول أمريكا اللاتينية.
وجمع الرئيس مادورو أنصاره الذين خرجوا في مظاهرات حاشدة تعلن رفضها لخطوة غوايدو غير الدستورية، وقد طالبت المظاهرات الحكومية بانتخابات برلمانية مبكرة للإطاحة بالبرلمان الذي تسيطر عليه المعارضة. النقطة المهمة في حراك مادورو، هي حصوله على دعم دولي من العيار الثقيل من دول دائمة العضوية في مجلس الأمن هي روسيا والصين التي ارتبط جزء مهم من اقتصاد فنزويلا بتصدير البترول لها، وقد سربت روسيا والصين تحذيرا بامكانية استخدام حق النقض (الفيتو) إذا ما طرحت الدول الداعمة للتدخل في الأزمة الفنزويلية الملف لمجلس الأمن، وصرح المندوب الروسي في مجلس الأمن إن هذا الأمر يعد خرقا لسيادة دولة مستقلة وتدخلا في شؤونها الداخلية.
وأعلنت إدارة ترامب بالتعاون مع منظمة دول أمريكا اللاتينية فكرة إدخال المعونات إلى فنزويلا عبر الأراضي الكولومبية، ليصبح الأمر بعد ذلك ورقة ضغط بيد غوايدو يستعملها لتحريك الشارع لإطاحة خصمه مادورو في معركة عض الأصابع، لكن الورقة الأهم والتي يعلم كل المراقبين أهميتها هي ورقة الجيش الفنزويلي الذي لعب دور بيضة القبان في كل أزمات البلاد في تاريخها المعاصر، إذ طالما كان هو المقرر في عمليات التغيير. وفي الأزمة الحالية ما زال مادورو ممسكا بعنان الجيش، وما زال الجيش مواليا للرئيس مادورو، وهذا الأمر يمثل التحدي الأكبر المعيق لنجاح خطوة خوان غوايدو في الانقلاب على الشرعية، إذ طالما بقي الجيش مدافعا عن شرعية مادورو فان خطوة المعارضة لازاحته ستبوء بالفشل حتما، وهذا الأمر هو الذي دفع بداعمي غوايدو الخارجيين للبحث عن ضباط فنزوليين حاليين أو سابقين ليقوموا بحركة انشقاق في الجيش ليتوزع الولاء بين الخصمين المتصارعيين، لكن حتى الآن لا أحد يعلم من سيتنصر أخيرا في معركة عض الأصابع في كاركاس.