فن «تصميم» المخطوط العربي

حجم الخط
7

إذا كان المحققون قد اهتموا بالمخطوط من الزاوية الفيلولوجية بهدف تقديم النص بالصورة «الأصلية» القريبة من الطريقة التي صاغه بها صاحبه، لم ينشغل دارسو الأدب بقراءة المخطوطات قراءة نصية لانعدام تطورها، من جهة، وغياب تصور لتحليل النص المخطوط عبر تطوره، وإن كانت جهود المحققين ترمي إلى البحث في العلاقات بين نسخ المخطوط المراد تحقيقه، فإنها لم ترق إلى مستوى الدراسة النصية التي تدرس المخطوط من حيث جمالياته الكتابية. لكننا نجد الغربيين أولوا عناية خاصة، في فرنسا وألمانيا، منذ القرن التاسع عشر لحفظ ليس فقط المخطوطات القديمة بل ومسودات الكتاب والروائيين المحدثين (فيكتور هوغو، بلزاك، فلوبير، بروست، سارتر) الذين كانوا هم أيضا يولونها قيمة خاصة، ويشددون على حفظها ووقفها على المكتبة الوطنية بعد وفاتهم. ولقد أدى هذا إلى بروز التكوينية الثقافية التي تهتم بتكون النص وتطوره قبل الصيغة النهائية، وكان للنقد التكويني دوره في الاهتمام بما قبل النص، أو النص وهو قيد التكون والتطور.
إن هذا التقليد في قراءة المخطوطات القديمة والحديثة خلال فترة تكونها في مرحلة الإعداد والبحث، أو من خلال التشطيبات، والتحويلات التي تطرأ عليها، إلى جانب الوقوف على بعدها الجمالي والفني لم يتشكل في ثقافتنا العربية لأسباب عديدة تكمن أساسا في غياب المكتبات الوطنية بالمعنى الحقيقي للكلمة التي يمكن العثور فيها على الأرشيف الكتابي من خلال مختلف أشكال حفظه وعرضه (النسخ الورقية، المصورة….). كما أن من الصعوبة بمكان أن نجد الكتّاب، روائيين أو شعراء، يحتفظون بمخطوطات نصوصهم الإبداعية بقصد الاطلاع عليها في حياتهم أو بعد وفاتهم في المكتبات الوطنية العربية.
لقد أتاح لنا العصر الرقمي ضرورة إعادة التفكير في ما قبل النص، وفي تكون النصوص وتطورها، من لحظة «الإنتاج» إلى اللحظة التي يأخذ فيها «العمل» صيغته النهائية. ولعل إعادة النظر في المخطوطات العربية القديمة من زاوية جمالية كتابتها وتزيينها لتصبح من اهتمامات دارسي الأدب، وليس المختصين بالفنون الجميلة فقط، كفيل بجعلنا نربط الصلة بين المخطوط والمرقوم الذي علينا أن نؤصله في ضوء القيم الفنية والجمالية العربية، ونوليه ما يستحق من العناية سواء من لدن المبدعين الذين يتوجهون إلى إنتاج النص الجديد، أو النقاد ودارسي الأدب الرقمي الذين يفكرون في التعامل معه تنظيرا وممارسة.
كما يمكننا استعمال الاستعارة للحديث عن «برمجية» كتابية في المدونة العربية الكبرى، يمكننا الحديث عن «التصميم» في تقديم مادة الذخيرة المعلومياتية العربية. وكما شاع مصطلح البرمجة والبرمجيات مع الوسيط الرقمي، انتشر مصطلح التصميم في القرن العشرين ليعني حسب معجم لاروس: «الاختصاص الذي يهدف إلى تنسيق البيئة البشرية من تصور الحياة اليومية إلى تخطيط المدن». أما ط. مالدونادو (1961) فيعرفه بكونه: «فعالية إبداعية تتعلق بتحديد الخصائص الشكلية للأشياء التي نريد إنتاجها صناعيا». والمراد بالخصائص الشكلية ليس فقط المظاهر الخارجية، ولكن بصفة خاصة العلاقات البنيوية التي تجعل من موضوع ما أو نسق من الموضوعات قائما على وحدة منسجمة سواء من وجهة نظر المنتج أو المستهلك.
إن التنسيق أو تحديد الخصائص الشكلية للأشياء وفق وحدة منسجمة تراعي البعد الإبداعي والجمالي تجعلنا نرى في الطريقة التي يقدم بها المبدع مادته طريقة معينة في «تصميمـ»ها بهدف جعلها مبنية على أسس مضبوطة تحقق المراد منها. وبصدد جمالية المخطوط العربي نجد جزءا أساسيا منها متصلا بصناعة الوراق أو الناسخ. لكن تصميم الكتاب من حيث بناؤه أو معماريته التي نجدها تكمن في خصائصه الشكلية التي تضمن تماسك وحدته نراها تتعلق برؤية الكاتب في تحقيق ما يكسب كتابه خصوصية ما على مستوى «التصميم». إذا كان الكتاب بصفة عامة، سواء قديما أو حديثا «يصممون» أعمالهم وفق تصور يقوم على الطبع أم التصنع، نجد التصميم الرقمي لأنه ينشد درجة عليا من التفاعلية يقضي بأن يرتهن عمل المبدع على «الصناعة»، وليس فقط على السليقة. وكذلك يمكن لدراسي الأدب الرقمي أن تتوفر لديهم معرفة بتقنيات التصميم ومعرفة بخصوصيته الجمالية والدلالية.
إذا انطلقنا من هذه المعطيات وحاولنا إعادة قراءة المدونة العربية الكبرى سنجد أن الكتاب كانوا يمتلكون رؤية خاصة في «تصميم» كتبهم بما يتلاءم مع المادة النصية التي يعرضونها، وأنهم كانوا يستعيرونها من الصناعات التي كانت سائدة في عصورهم. فهذا ابن عبد ربه الأندلسي «يصمم» كتابه «العقد الفريد» على نمط عمل الصائغ، فيقدم لنا مادة «موسوعية» متعددة المكونات من نصوص متنوعة الأجناس والأنواع والأنماط، ويعمل على «صياغتها» على شكل «عقد».
إن خيط العقد، إذا أردنا توظيف مصطلحية النص المترابط، بمثابة «الرابط»، وكل حجرة من الأحجار الكريمة التي تنتظم في سلكه بمثابة «عقدة»، والذي يجمع بينهما معا هو «كتاب» العقد الفريد بهندسته، وتقنية تصميمه، وخصوصية أداته التي جمعت عيون النصوص من التراث العربي. إن عمل ابن عبد ربه، هو مثل عمل المهندس المبرمج. فالمادة كلها مستقاة من التراث المشرقي ولكنه صممها وبرمجها كتابيا بصورة لم يسبق إليها. ولذلك فابن عبد ربه لم يُعد البضاعة إلى أصحابها، على حد قول الصاحب بن عباد. فالمصنف «برمج» المادة التي جمعها، وهي الموجودة والمتداولة بين الناس، و»صمم»ـها وفق نظام خاصة، فجعلت كتابه فريدا في بنائه ومعماره.
يمكننا قول الشيء نفسه عن كل ما أسميتها بالمصنفات الجامعة من خلال أنواعها الثلاثة الاعتباطية والتنظيمية والتزيينية. فالمصنف مبرمج ومصمم في آن. وإذا كان بعضهم مثل العاملي مثلا في الكشكول والمخلاة يقدم المادة التراثية بدون ترتيب أو تبويب، أي بطريقة اعتباطية، فإنه ينطلق في ذلك من قصد التنويع، وكسر الخطية، وكل هدفه جعل القارئ وكأنه يتنقل في حقل متنوع من الورود والزهور. وإذا كان بإمكاننا اعتبار هذا القصد يخفي بذل جهد خاص في التصميم والتنسيق، نجد من تفنن في تقديم المادة التراثية متخذا صورا مختلفة. فإلى جانب العقد الفريد، نجد ابن الخطيب يبني فصول وأبواب كتابه «روضة التعريف بالحب الشريف»، على شكل شجرة. يقول في تصدير الكتاب: «وقد ذهبت في ترتيبه أغرب المذاهب، وجعلته شجرة وأرضا. فالشجرة المحبة مناسبة وتشبيها. والأرض النفوس التي تغرس فيها، والأغصان أقسامه التي تستوفيها، والأوراق حكاياتها التي نحكيها، وأشعاره أزهارها التي نجنيها، والوصول إلى الله ثمرتها التي ندخرها ونقتنيها».
فمن عمل الصائغ إلى عمل البستاني نجد ابن حجلة المغربي التلمساني يتبنى صنعة النجار، فيسمي كتابه «سكردان السلطان» الذي يعني الخوان الذي يوضع عليه الطعام، أو الخزانة التي يرتب فيها الشراب. وبما أنه أهداه إلى الملك المصري أبي المحاسن حسن يكتب في مقدمته: «فلما كانت السبعة أشرف الأعداد، وكان وجودها بمصر المحروسة أكثر من سائر البلاد، ألفت منها في هذا الكتاب سنة سبع وخمسين وسبعمائة ما لم أسبق إليه ولا عثر أحد في الأقاليم السبعة عليه». لقد جمع بين الحساب والخوان، فجاء كتابه مبنيا على سبعة أبواب، والنتيجة على سبعة أبواب، والخاتمة على سبع حكايات.
أما كتاب «عنوان الشرف الوافي» لإسماعيل المقرئ فيكشف عن فرادة تصميم المخطوط التي تدفعنا إلى جعله ركيزة للتصميم الجمالي العربي في العمل المرقوم.
* كاتب مغربي

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية