فهمي جدعان في «طائر التم»: أشباح النّكبة والتّخييل الذّاتيّ

هيثم سرحان
حجم الخط
3

يحفلُ كتاب فهمي جدعان «طائر التّمّ: حكايات جنى الخُطا والأيام» بالعوالم والوقائع والعلامات العابرة للأزمنة والأمكنة والكائنات الإنسانية. إنّه نصٌّ جامعٌ شذراتِ الذّات وتشظياتها وأوهامها وآمالها ومكامن نبوغها. ولعلّ الوقوف على عتبات النص يُسْلم القارئ إلى بلوغ محطّة القراءة ومقاصد التأويل الـمُسْتَبطَنة نصّيًّا.
اتَّخذ الكاتب من طائر التمّ قناعًا سرديًّا لتنصيص سيرته وسير الآخرين عبر علاقات تفاعلية ممتدة مع الكاتب الـمُجسّد شخصيّة البطل المتأرجح بين الهزيمة والانتصار والمقيم بين الفقد والامتلاك؛ إنه البطلُ الدّراميُّ السّامي بأهوائه، والمواجهُ الظروفَ المعقَّدةَ الحادَّةَ من بلوغه أهدافه، والـمُعاندُ الأقدارَ الماكرةَ الـمُعْتَرِضةَ سبيله.
يكشف احتماء جدعان برمز ميثولوجيّ عن حنين الذّات المسكونة بالتّجاوز والإفلات من ادّعاءات العقل الموضوعيّ والعقلانيّة المحضة؛ فطائر التمّ يقابلُ طائر Simurgh الذي جعله فريد الدين العطّار (ت 540 هـ) قناعًا سرديًّا في كتابه «منطق الطير» تعبيرًا عن المُجاهدة والتّخطي والعبور والتّجاوز والوصول؛ إنه طائرٌ خرافيٌّ تقصده مجموعةٌ من الطيور يقودها الهُدهد إلى عبور المفاوز والجبال والأودية والسّهول بعد عرض موجّهاتِ الرّحلة عليها واطلاعها على عوالمها ومكابداتها؛ فعلى الطيور احتمالُ الأنواء والرّياح والعواصف ومواصلة التّحليق. وهذا يعني أنّ «طائر التمّ» سيرةٌ استطلاعيّةٌ لذات مُفردة بصيغة الجمع، وسابرةٌ للكينونة في مراحل انكساراتها ومجاهداتها وتوهّجها.
العتبة الثانية نصٌّ موازٍ خلا من عنوان الإهداء الدّالِّ على فداحة الفقد؛ فليس هناك ما يُمكنُ إهداؤه. الغيابُ تعبيرٌ عن الذُّهول الذي يجتاح عالم الكائن ويستبدُّ بكينونته التي تعرّضت منذ النشأة إلى اختلال مروّع في «البرمجة الوجدانيّة».

يُجسّد «اللا إهداء» عالمًا غائبًا وعالمًا حاضرًا. يكمنُ عالم الغياب في رمز الأمّ والأخت (عزيزة وجميلة)، ويتمثّلُ عالم الحضور في رموز الزوجة والابنين (هانية وفرح وإياس). ودلالات هذه الأسماء أيقوناتٌ في عالم الكاتب النفسيّ والماديّ المُتأرجح بينها بوصفها مكوّنات الذّاكرة السيميائيّة. بمعنى آخر فإنّ الكاتب يُقيم بين العزّة والجمال والهناء والفرح والفقد واليأس والقنوط وانقطاع الأمل والرّجاء إقامةً ميتافيزيقيّةً تتأرجح فيها الذّات بين مُطلق اليقين ورُهاب الارتياب.

تجنيس النصّ

تتقاطع في «طائر التّم» أشكالُ متنوعة من الكتابة خُرِقت فيها قواعد الميثاق السّردي التي تؤسس السّيرة الذاتية حسب الفرنسي فيليب لوجون. إنّ الكاتبَ يتجاوز حكايات الماضي إلى حكايات الحاضر، كما أنّ النصّ تجاوزَ السّرد عن الذّات إلى السّرد عن ذوات الآخرين مما يمنحُ «طائر التمّ» عبور عوالم التخييل الذّاتيّ، الذي حدد الناقد سيرج دوبروفسكي ملامحه في كونه نصًّا تخيليًّا يحفل بحياة الناس العاديين خلافًا للسّيرة الذاتية المُتمركزة على حياة العظماء. التّخييل الذّاتي كتابةٌ تفاعليةٌ تتقاطع فيها شتّى صنوف الكتابة عن الذّات؛ فهو يسردُ حقيقة الذّات وينزاحُ عن السّرد المرجعيّ في الوقت نفسه، فضلاً عن أنّه يحفل باستعمال اللغة استعمالاً باذخًا مقصودًا.
بذخ اللغة حاضرٌ بوفرة في «طائر التّمّ»، ولعلّ وصف مشهد الاقتلاع من عين الغزال يُجسّدُ شعريّة اللغة الواصفة وذَرابة اللسان السّارد. يقول جدعان: «وتابعنا سيرنا في بهيم الليل، وكانت جلبةُ الناس وغوغاؤهم تُسْمَعُ من بعيد، وكنّا سائرين على غير هُدىً وعلى تيسير القضاء والقدر، وبقينا سائرين كأننا وحوشٌ ضالّةٌ في جبال تتخلّلها الحجارةُ والشّوك والأشجار التي ما برحت تؤذينا رغم تفادينا الاصطدام بها».
يشتمل «طائر التّم» على ضربٍ آخر من ضروب الكتابة عن الذّات هو: ترجمة النفس، ذات الأصول الرّاسخة في التراث العربيّ الـمُتضمِّنَة اعتراف العَالِم بِنِعَم الله من تربية حسنة والنهوض برسالة العلم ولقاء شيوخه والنّهل من علومهم، وتَعْرِضُ أَثَرَ العَالِم العلميّ وإسهامه في تطوّر المعارف ومؤلفاته. ومن ذلك: «المُنقذ من الضّلال والموصل إلى ذي العزّة والجلال» للغزاليّ (ت 505 هـ)، و»التّحدّث بنعمة الله» للسيوطيّ (ت 911 هـ).
تضمّن «طائر التمّ» معطيات مهمّة في حياة جدعان كشفت عن تعليمه في سوريا في مراحل التعليم المختلفة بُعيد نكبة العرب سنة 1948، وقد أحاط الكشفُ بأسماء المعلمين والمدرسين ومديري المدارس الدّمشقيّة في منتصف القرن العشرين ومنهم: غسّان كنفاني، وزوجة نزار قباني (زهراء آقبيق) وآخرون. علاوة على أعلام الفكر والفلسفة في جامعتي دمشق، والسوربون الذين لقيهم جدعان وتتلمذ لهم، وصوّر مناقبهم العلميّة الجليلة.

طائرُ التّمّ مُحلّقًا

يُمثّلُ «طائر التّم» في أحد وجوهه سيرةً فكريّة فلسفيّة، ذلك أنّ إدراك حالة الاختلال في «البرمجة الوجدانيّة الذّاتية» دفع جدعان إلى استبطان كينونته والبحث في أركانها المترامية عن مكامن الاختلال في البرمجة الوجدانيّة الجمعيّة. وبعبارة أُخرى يسعى جدعان، في طيرانه الاستبطانيّ، إلى الخروج من ضلال العقلانيّة المُدّعاة والتّحليق في عوالم الذّات القلقة المُنفتحة على أسئلة وجودها في عالم «قسريّ، قاسٍ، ثقيل، مُحبط، مُقيّد، نسبيّ، مربك».
ثمة مطارحاتٌ ومقابساتٌ في الفن والفلسفة والحقيقة تضمنتها فاتحةُ النصّ الدراميّة في عنوان «برولوغوس» الـمُشْتَملةُ على ميثاقٍ فريدٍ من نوعه في بناء العوالم السّرديّة استمدّه جدعان من تقنية الــ»prólogos» في المسرح اليونانيّ لتحقيق المكاشفة و»المباوحة، والعقل الوجدانيّ الذي يمتح من العاطفة ومن القلب ومن الرّوح».
الذّات الجدعانيّة تُقيمُ بين عالمي الفقد والامتلاك. ويشمل عالم الفقد: النكبة، وفلسطين، وعين الغزال، والأم عزيزة، والأخت جميلة، والعمّة مسعدة، والإخوة الذكور الذين انصرفوا بعد النّكبة إلى شؤونهم الخاصّة بحثًا عن الخلاص النهائيّ الذاتيّ بعد شتاتهم في المنافي المحيطة بعين الغزال. كما يتصلُ عالمُ الفقد بالنّكبة وأشباحها التي لاحقت جدعان في سائر محطّات حياته لتجعل منه نهبًا للخوف والقلق والتوجّس والجُبن والانفعال. على أنّ عالم الفقد نفسه خلق في الذّات الجدعانيّة قدرة خارقة على الجَلد والصّبر والصّرامة والاحتمال، وولّد في كينونته رغبةً عارمةً في تحقيق الذات وانتشالها من أشباح النكبة وعقابيلها.
يتضمّنُ «طائر التّم» تفسيرًا موضوعيًّا للنّكبة وتشخيصَ المجتمع العربيّ في فلسطين آناء النّكبة والاحتلال وما بعدهما. ويشتمل على نقد ذاتيّ للمورّثات الأبويّة الذكورية التي جسّدتها العمّة «مسعدة» التي كانت نموذجًا يُجسّدُ بؤسَ بلاغة السَّيطرة الاجتماعيّة. أمّا العزيزة فرمزُ الصّبر والكفاح من جهة والذُّلِّ والهوان المُلازمين للمرأة العربية في فلسطين قبل النكبة وبعدها من جهة أُخرى.
استدعاءُ جدعان وقائعَ اللجوء السّوري في مخيم الزّعتريّ في الأردن جعله يستحضرُ أُخته جميلة التي كادت تكون عُرضة الزواج من أَرْمل يكبرها بعقود بإكراه المورّثات الأبويّة الذكورية. وبعبارة أُخرى، فإنّ «طائر التّم» يتجاوز الذّات الجدعانيّة ليغدو نصًّا للجماعة العربيّة التي انفرط عقد اجتماعها الإنسانيّ المؤسس وغدت أطيافًا ومسوخًا.
«طائرُ التّمّ» يُترجم الوعي بشعريّة الذاكرة التي تصهر مكونات الذاكرة وتذيب موضوعاتها لتلتحم بالذّات وتتماهى مع الهويّة لتكوّنا بنية واحدة، وهو مستوىً فلسفيٌّ يختلفُ عن سياسات الذاكرة الـمُتَعاملة مع الذّاكرة بوصفها عناصر ومكوّنات تاريخية وسياسية واجتماعيّة مُنفصلة ومتمايزة موضوعيًّا تُقيم خارج الوعي يُمكن استثمارها وتوظيفها لتكوين هوية مُفتعلة.
الانتقال من أشباح النّكبة وعتمة الفقدان إلى أنوار باريس وجلاء الامتلاك كبّد جدعان آلامًا في مداواة الوعي وشفاء الوجدان؛ فمن فجيعة النكبة وفقدان الأب والإقامة في مخيم الأليانس المحاذي لحارة اليهود في دمشق تجرّع الفتى الذي كانه جدعان صنوفًا من المرارات جسّدها بقوله: «كنت في غياب (الأب)، وبإزاء مخاطر «الوضع»، أتقلّب بين ذكورية بائسة مسحوقة تريدُ أنْ تحميَ نفسها وذويها وأنْ تردّ الاعتبار إلى ذاتها، وبين «نرجسية» تتطلّب تحقيق «الأنا الوجوديّ». أي أنّ ضربًا من النرجسيّة راح يتشكّلُ منذ ذلك الحين».
الرغبة في الامتلاك تكشف عن الذّات الجدعانيّة المتأرجحة بين رواقيّة مُدّعاة وأبيقوريّة مُشتهاة. يتصل الامتلاك بتحقيق الذات علميًّا واجتماعيًّا وتقديرًا فكريًّا. تعيّن على جدعان شقّ دربه لتحقيق الذات العلمية باتجاه جامعة السوربون وباريس حاضرة العالم في مطلع ستينات القرن العشرين بعد أنْ هيأت له الأقدارُ الالتحاقَ بالجامعة الأردنية النّاشئة بتوصية من أستاذه عادل العوا، ثُمَ دفعه إلى التّخلي عن هويته الفلسطينيّة ليغدو أُردنيًّا، ولاكتمال الذّات الاجتماعية سيقترن جدعان بهانية أبو ناعمة إحدى طالباته سليلة إحدى العائلات الأرستقراطية ذات النّفوذ الاقتصاديّ والتطلعات السّلطويّة في مجتمع عمّان في منتصف القرن العشرين الثاني.
حلّق طائر التّمّ في فضاءات ومدنٍ وقرى كثيرة: عين الغزال، وحيفا، وخبيزة، وعرّابة، وإربد، ودمشق، وعفرين، وبيروت، وباريس، وليون، وعمّان، والسّلط، ودرعا، والقاهرة، والكويت، وروما، ومسقط، والصّويرة، والدار البيضاء، وأبو ظبي، ومونتريال، والدّوحة مُسْتَحْضِرًا أحوال المدن العربية وأهوالها. أمّا زياراته المدن الأوربية فاشتملت على انطباعات كان رّحالة القرن التاسع عشر قد أثبتوا بعضَ وجوهها.
ثمة توسّعٌ في استحضار بعض العلاقات الشخصيّة وتقشّفٌ في إيراد بعضها الآخر؛ فلعبد الغفّار مكاوي وعبد الرحمن بدويّ حضورٌ بارزٌ في النص في حين أنّ آخرين حضروا حضورًا عابرًا.
من نصيّات «طائر التمّ» الـمُدهشة توثيقُ أسماء المطاعم والمقاهي والشوارع والكنائس والكاتدرائيات الأنبذة والأطعمة والملابس والعطور والشاي والقهوة والأعلام. كما اشتمل النصّ على تفصيلات للصّراعات في الجامعات العربية، وتضمّن شهادةً رصينة على أحوال العصبيات والنظام الرسميّ العربيّ وقواه الحزبية ونقدًا مُهمًّا لأحوال العرب في سبعة عقود عجاف.
لسان حال طائر التمّ الجدعانيّ يصدحُ: طَلَبتُ المُستَقَرَّ بِكُلِّ أَرضٍ / فَلَم أَرَ لي بِأَرضٍ مُستَقَرّا.

فهمي جدعان: «طائر التمّ: حكايات جنى الخطا والأيام»
الأهلية، عمّان 2021
469 صفحة.

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية