فوانيس عمار بلحسن: أنوار خافتة في وجه الظلام

حجم الخط
0

بشيــر خليفي

تعتبر فوانيس الراحل عمار بلحسن فتحا أصيلا في مجال القصة القصيرة في الجزائر، عند الكتاب الذين عرفوا تجاوزا – وعلي الصعيد الزمني – بجيل ما بعد التأسيس، فالمؤلف كان قد دخل باحة القصة من فضاء علم الاجتماع علي اعتباره باحثا اجتماعيا وأستاذا جامعيا لهذا التخصص.

وهذه مزية تعطي فنان الكلمات الفرادة والتميز حينما يطل علي الأدب من تخصص آخر، لتكون الكتابة الأدبية في عمومها والقصصية بشكل خاص متنفسا منعشا يجد فيه الكاتب المنتجع من عياء البحوث الأكاديمية التي كثيراً ما تتسم بالصرامة والفجاجة.

وكانت الفوانيس، متتالية قصصية تفنن صاحب يوميات الوجع بتأثيثها وذلك بعرض تمثلاته علي المتلقي من خلال الحكي طورا والبوح تارة أخري، و بالتالي فالقصص برمتها تتأسس علي معطيات تحدد شكل ونوعية المعمار، فحضور الأنا الحاكي وارد بحدة، وهي إشارة إلي شدة الهواجس والالتياعات الداخلية التي تستجدي الظهور في بحث عن الاتزان.

كما أن إشراك القارئ أثناء إلقاء الضوء علي الحدث، يعد محمدة، من خلال إغوائه واستدراجه لإنهاء التفاصيل، إما بشكل مبطن من زاوية فتنة اللغة ونضارة الأحداث، أو لفت انتباهه بوصفه عنصرا أساسيا مشاركا في دفع التفاصيل إلي لحظة الذروة كما يتضح في قصة المتبتـّلة.

والواقع أن عمار بلحسن في مجموعته القصصية هذه، قد خرج من الخطاب الذي غرقت فيه كثير من الروايات والقصص الجزائرية التي كتبت حينذاك، والتي بالغت في تبنيها لأطروحات إيديولوجية، كانت تلوّن الواقع، مستجيبة في ذلك لمغريات تيار إيديولوجي محدَّد المعالم.

بل يمكن القول بأن كتابته للمجموعة القصصية في فصول محددة تمثلت في أخاريف و شتاءات السنوات الأربع من بداية الثمانينيات، تدل علي زمنية الكتابة عند صاحب الانتلجنسيا، لما يعتور هذين الفصلين من مظاهر الشحوب والكآبة وأصداء حبيبات البرد الغزير.

ومن ثمة فإن إيحاءات الفوانيس متعددة، فتارة تحيل إلي الأمل الشديد، مع تلك النجمة التي يناجيها عمار من خلال لغة مرصّعة باشراقات صوفية ترنو للبحث عن لحظات طهر مفقود، وطورا إنها تتوشح بسواد حزن مسائي يؤجج حرائق الواقع ولا يبتهج للآتي، حين يعتب علي وجع دائم يذكيه جسد ثقيل وروح ثملة، يتضح الأمر من خلال قصة التنين التي يتفنّن مُحا لارتيست في رسمه برؤوس متعددة في جدارية قرب مصفاة قاعدة بترولية، في إحالة استشرافية إلي تلك الشركات العابرة للقارات.

كما تجدر الإشارة إلي أن الواقع في فوانيس عمار حزين علي الدوام، لذلك فإن معايشته للفرح المفقود لا يرتبط بالحاضر، بل يجد امتداده في الماضي علي شكل حنين متوهج، حينما يذكر لقاء ريجينيا البولونية اليافعة ذات الجمال المتعالي بسحنتها العسلية المحمّرة كأنها قليت في زيت الزيتون وأطفئت في عسل حر، و بإغواء حبيبات النمش المنثورة علي الأرنبة والوجنتين، وكذا باشتياقه العميق لأيام طفولته المفعمة بالبراءة والاندفاع من خلال قصة المنوّر.

وهي إحالة لهروب آخر من حرائق زمن لاهب، إلي ماض مزدان بالنضارة والبهاء، فرغم أن كاتب القصة قد أعلن ذات أمسية طفوليّة الخصام مع المنـــــــــور حينما تقاطع الخنصران وزُف البصاق بصــــــــفته علامة علي وقف الكلام. ورغم أن سرد الخصومة تم بفرح طفولي عارم، إلا أن سبب التذكار حارق برمته، فجديد الصديق القديم كان الموت في ريعان الشباب قالوا مات المنور، انقلبت شاحنته في نواحي عين الصفراء وهو في خرجة من خرجات القيام بالواجب. أوه… المنوّر… يا صديقي أنت لا تموت، أنت تنام فقط… سأكون ظلا علي قبرك في عز الصيف، وستضحك وتهتف جذلا كعادتك، سعيدا بجرينا ولعبنا وعومنا… فضاء التفاؤل في مسلكه الاشتياقي أو المتجه شطر القادم، لن يكون له أي ذائقة بعيدا عن المرأة والطبيعة.

لقد شكّلت المرأة في قصة واريس الملاذ الآمن الذي يعوض خواء المدينة وغياب الإنسان بالمعني المتعالي، مع واريس كانت وهران تختفي لتصبح المرأة مدينة. واريس، هذه المرأة التي تجيد ممارسة الفرح، وكذا صياغة الجمل القصيرة المدهشة، هي في نظر الحاكي ضحية لأعراف بائدة لأنها في نظر المجتمع فاسدة علي الرغم من نبل خصالها وصفاء معدنها.

و يتأجج مسار القصة في الصراع الشديد الذي يقع للكاتب بين رغبة فردية في مواصلة العشق المتبادل وبين نظرة اجتماعية تنظر بعين الازدراء لكل من يرتبط جهرا وبشكل مقدس بامرأة ساقطة في ضوء معايير المجتمع.

وللطبيعة حضور في الفلسفة الأدبية لصاحب الانتلجنسيا بإحالتها للخصب والنماء، فأي حياة هذه بدون أشجار ونباتات، بدون لون أخضر يعطي للوجود معني، ويمتص أشباح الكآبة والشرور.

في قصة الفوانيس يعلن الحاكي بأنه محب لحد الهيام للنباتات أنا أحد عشاق هذه المخلوقات الغريبة، نبتة الغجر (الجيتانة) والتي علي الرغم من ابتعادها علي مكانها الطبيعي بتواجدها في أصيص من الفلين، إلا أنها أعلنت الانتصار، كامرأة ترقص لشمس صباحية. وهو الانتصار الذي وقّعه عمار بكتابة الفوانيس، وكأني به يستجيب لحكمة كونفوشيوس التي تدعونا إلي إشعال شموع بدل لعن الظلام.

كاتب جزائريQMk

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية