لندن- “القدس العربي”: نشرت مجلة “فورين أفيرز” مقالا لأنجيلا ستينت، الزميلة غير المقيمة البارزة في معهد بروكينغز، ومؤلفة كتاب “عالم بوتين: روسيا ضد الغرب والبقية”، قدمت فيه ملامح عقيدة الرئيس الروسي فلاديمير بوتين، والتي ترى أنها قائمة على مبدأ تأمين المجال الأمني لروسيا ومحاولته دفع الغرب التعامل مع بلاده وكأنها لا تزال الاتحاد السوفييتي السابق.
وقالت ستينت، وهي ضابطة سابقة في مجلس الأمن القومي في ملف روسيا ويوريشيا، إن الأزمة الحالية بين روسيا وأوكرانيا هي حساب لم تتم تصفيته منذ 30 عاما. وهي ليست عن أوكرانيا تحديدا وإمكانية انضمامها لحلف الناتو، بل هي عن مستقبل النظام الأوروبي الذي تم رسمه بعد انهيار الاتحاد السوفييتي السابق.
الأزمة الحالية بين روسيا وأوكرانيا هي حساب لم تتم تصفيته منذ 30 عاما. وهي ليست عن أوكرانيا تحديدا وإمكانية انضمامها لحلف الناتو
ففي فترة التسعينات من القرن الماضي، قامت الولايات المتحدة وحلفاؤها بتصميم معمار الأمن الأوروبي- الأطلنطي لم يكن لروسيا فيه أي التزام ولا حصة. ومنذ وصول بوتين إلى السلطة كان همه الأكبر هو تحدي ذلك النظام. ولم يتوقف بوتين عن الشكوى من عدم احترام النظام الدولي لمظاهر قلق روسيا الأمنية. وطالب الغرب باحترام حق روسيا في مجالها من المصالح الخاصة في مجال الاتحاد السوفييتي السابق. وقام بتوغل في الدول الجارة مثل جورجيا لمنع تحركها خارج الفلك الروسي والوقوف أمام أي عملية ميل كامل نحو الغرب.
ونقل بوتين نهجه الآن خطوة أبعد، فهو يهدد بغزو شامل لأوكرانيا وليس مثلما فعل عندما ضم شبه جزيرة القرم والتدخل في دونباس عام 2014. وهو غزو لو حدث فسيضعف النظام الحالي ويعيد تأكيد تفوق روسيا فيما تؤكد أنه “حقها” في القارة الأوروبية والمسرح العالمي.
ويعتقد بوتين أن الفرصة سانحة لعمل هذا، فالولايات المتحدة ضعيفة ومنقسمة وغير قادرة على تبني استراتيجية في السياسة الخارجية متماسكة. ومنحته تجربته الطويلة في الحكم فرصة للتعامل والنظر مع أمريكا بطريقة ساخرة، فهو يتعامل مع خامس رئيس أمريكي وتوصل إلى رؤية أن واشطن محاور لا يمكن الوثوق به. أما المستشار الألماني فهو جديد في منصبه ولا يزال يتلمس خطواته، في وقت تنشغل فيه أوروبا بالتحديات المحلية. كما ويعطي السوق الضيق للطاقة روسيا نفوذا في القارة.
ويعتقد الكرملين أنه يستطيع التعويل على الصين كما عول على دعمها عام 2014 عندما حاول الغرب عزل روسيا. وربما قرر بوتين عدم الغزو، وسواء فعل ام لم يفعل، فإن سلوك الرئيس الروسي تدفعه مبادئ متداخلة في السياسة الخارجية وتقترح أن موسكو ستظل عاملا مخربا أو مثيرا للمشاكل ولسنوات قادمة.
والعنصر الجوهري فيما يمكن تسميتها “عقيدة بوتين” هو دفع الغرب للتعامل مع روسيا كما وأنها لا تزال الاتحاد السوفييتي السابق، قوة يجب احترامها والخوف منها وتتمتع بحقوق خاصة في جوارها ولها رأي في كل مشكلة عالمية جادة.
عقيدة بوتين تقوم على دفع الغرب للتعامل مع روسيا كما وأنها لا تزال الاتحاد السوفييتي السابق، قوة يجب احترامها والخوف منها وتتمتع بحقوق خاصة في جوارها ولها رأي في كل مشكلة عالمية جادة
وتؤكد هذه العقيدة على أن هناك عددا قليلا من الدول لها الحق بهذه السلطة إلى جانب السيادة الكاملة وأن على الآخرين الانصياع لمطالبها. وتقتضي الدفاع عن الأنظمة القائمة وإضعاف الديمقراطيات. وترتبط العقيدة بهدف بوتين الأعلى وهو عكس تداعيات انهيار الاتحاد السوفييتي وتقسم حلف الناتو والتفاوض على تسوية جديدة غير تلك التي أنهت الحرب الباردة.
وبحسب بوتين، فلروسيا الحق بمقعد في كل القرارات الدولية. ويجب على الغرب الاعتراف بأن روسيا تمت إلى مجلس المدراء العالميين. وبعد ما يصوره بوتين الإهانة التي تعرضت لها روسيا في التسعينات من القرن الماضي عندما أجبرت روسيا الضعيفة على القبول بالأجندة التي وضعتها الولايات المتحدة وحلفاؤها الأوروبيون والتي حققت هدفها. وحتى بعد طرد روسيا من مجموعة الدول الثماني بعد ضمها للقرم إلا أن حق الفيتو في مجلس الأمن ودورها في الطاقة والذرة والقوة العظمى الجغرافية يعطي روسيا حق استماع بقية العالم لها وأخذ ما تقوله بعين الاعتبار. وأعادت روسيا بناء قدراتها العسكرية بعد حرب جورجيا عام 2008، وهي الآن قوة إقليمية لا تضاهى.
وقدرة روسيا على تهديد جيرانها يعطيها القدرة لإجبار الغرب إلى طاولة المفاوضات، كما هو واضح في الأسابيع الماضية. وما يهم بوتين أن استخدام القوة مناسب طالما اعتقدت روسيا أن أمنها في خطر: فمصالح روسية مشروعة مثل مصالح الغرب ويؤكد بوتين أن الغرب والولايات المتحدة الأمريكية لا تحترم مصالح بلاده. وقد رفضت أمريكا والغرب المظلومية التي يتمسك بها الكرملين والتي تتركز على انهيار الاتحاد السوفييتي ومحاولة فصل أوكرانيا عن روسيا.
وعندما وصف بوتين ما حدث للمنظومة السوفييتية بأنها “أعظم كارثة جيوسياسية” في القرن العشرين، فقد كان يتحسر على 25 مليون روسي وجدوا أنفسهم خارج الفيدرالية الروسية و 12 مليون روسي في أوكرانيا الجديدة. وكما كتب رسالة صغيرة من 5 آلاف كلمة نشرها الصيف الماضي “عن الوحدة التاريخية للروس والأوكرانيين” قال فيها إنه في عام 1991 “وجد الناس أنفسهم بليلة وضحاها في الخارج، وأخرجوا هذه المرة من أرضهم التاريخية الأم”. ووزعت رسالته هذه على القوات الروسية.
هناك فكرة تظل هوسا لبوتين وهي أن الناتو لا يحاول دعم أو ضم دول الاتحاد السوفييتي فقط ولكنه سيهدد روسيا نفسها
ويرتبط بسرد الخسارة فكرة تظل هوسا لبوتين وهي أن الناتو لا يحاول دعم أو ضم دول الاتحاد السوفييتي فقط ولكنه سيهدد روسيا نفسها. ويؤكد الكرملين أن هذه الانشغالات تقوم على قلق حقيقي. فقد غزا الغرب في الماضي روسيا. ففي أثناء الحرب الأهلية ما بين 1917- 1922 قامت القوات المتحالفة والمعادية للبلشفيك بغزوها، بما فيها قوات أمريكية. وغزتها ألمانيا مرتين مما تسبب بخسارة 26 مليون مواطن سوفييتي في الحرب العالمية الثانية.
وربط بوتين بشكل واضح ما بين هذا التاريخ وبين مظاهر القلق الروسية بشأن اقتراب البنى التحتية للناتو من حدود روسيا ومطالب موسكو بضمانات لأمنها. لكن روسيا اليوم هي قوة عظمى نووية لديها صواريخ عابرة للصوت. ولا توجد دولة – وعلى الأقل جاراتها الصغيرة – تفكر بغزو روسيا. وبالتأكيد فجيران روسيا إلى الغرب لديهم سرد مختلف ويخشون من غزو روسي. كما أن الولايات المتحدة لن تقوم أبدا بالهجوم مع أن بوتين يتهمها بالرغبة في اقتطاع “قطعة من كعكتنا”.
ورغم ذلك ومن ناحية أخرى فالتركيز على المخاطر التي تتعرض لها روسيا واضحة في خطاب الإعلام الموالي للحكومة حيث يناقش هذا أن أوكرانيا ستتحول إلى نقطة انطلاق لهجوم الناتو على الأراضي الروسية. ويؤمن بوتين بحق أن يكون لبلاده مجالها من التأثير. وهذا يعني أن دول ما بعد الاتحاد السوفييتي الجارة لا يحق لها الانضمام إلى أية تحالفات تعتبر معادية لروسيا، تحديدا الناتو والاتحاد الأوروبي. وكان هذا الطلب واضحا من بوتين في المعاهدتين اللتين اقترحهما الكرملين في كانون الأول/ديسمبر، والذي يطلب من أوكرانيا وبقية الدول السابقة في الاتحاد السوفييتي وكذلك السويد وفنلندا الالتزام بالحيادية وتجنب البحث عن العضوية في الناتو. وعلى الحلف التراجع عن الموقف العسكري في عام 1997، قبل أن يقوم بتوسيع العضوية وسحب كل القوات والمعدات العسكرية من وسط وشرق أوروبا، كل هذا سيعيد الوجود العسكري للناتو إلى الوضع الذي كان أثناء الاتحاد السوفييتي.
وتريد موسكو أن يكون لديها قوة فيتو في أمور السياسة الخارجية للدول غير الأعضاء في الناتو، وهو ما يعني قيادة أنظمة موالية لموسكو في الدول المحيطة بروسيا بما فيها أوكرانيا. وحتى هذا الوقت لا توجد حكومة غربية مستعدة لقبول هذه المطالب غير العادية. فالولايات المتحدة وأوروبا لا تزال متمسكة بالفرضية التي تقول إن الدول حرة في تحديد أنظمتها الداخلية وولاءتها الخارجية. وظل الاتحاد السوفييتي يدير السياسة المحلية والخارجية للكتلة الشرقية وحلف وارسو ما بين 1945-1989 عبر الأحزاب الشيوعية المحلية والشرطة السرية والجيش الأحمر. وعندما انحرفت دولة عن هذا المسار، كما في حالة هنغاريا عام 1956 وتشيكوسلوفاكيا عام 1968 تم التخلص من قادتها بالقوة. وكان محور وارسو مجموعة لديها سجل استثنائي بأنه كان يغزو الدول الأعضاء فيه. وعلى ما يبدو فتعريف الكرملين الحديث للسياسة يوازي تعريف الاتحاد السوفييتي السابق لها. وهو يؤمن بفكرة جورج أورويل بمزرعة الحيوانات أن هناك دول لديها سيادة أعلى من دول أخرى. ويرى بوتين أن الدول الأخرى التي تتمتع بسيادة كاملة هي الصين والهند وروسيا والولايات المتحدة، ولها بالتالي الحق في اختيار التحالفات التي تريد الانضمام إليها أو ترفضها. فدول مثل أوكرانيا وجورجيا هي دول منقوصة السيادة وعليها اتباع ما تفرضه روسيا عليها، تماما مثل أمريكا الوسطى واللاتينية التي تتبع كلمة جيرانها في الشمال.
ولا تبحث روسيا عن أحلاف بناء على الرؤية الغربية ولكنها تريد علاقات متبادلة وتشاركية تعاقدية مع الصين مثلا التي لا تقيد حرية روسيا أو تحكم عليها بسبب سياساتها الداخلية. وتعتبر المبادئ الديكتاتورية جزءا مهما في عقيدة بوتين. فالرئيس يقدم روسيا كقوة تصحيحية داعمة للوضع القائم والقيم المحافظة وكلاعب دولي يحترم الزعماء الراسخين وبخاصة المستبدين. وكما أظهرت الأحداث الأخيرة في بيلاروسيا وكازخستان، فإن روسيا هي القوة التي يطلب منها الدعم لحماية الزعماء الديكتاتوريين المحاصرين. فقد دعمت المستبدين في الجوار وبعيدا عنه في ليبيا وسوريا وفنزويلا. أما الغرب فيدعم كما يرى بوتين الفوضى وتغيير الأنظمة كما في العراق عام 2003 والربيع العربي عام 2011. ولكن روسيا في “مجالها من المصالح المميزة” تستطيع التدخل عندما تتعرض مصالحها للخطر أو تريد تعزيزها كما في ضم القرم واجتياح جورجيا وأوكرانيا.
ونجحت محاولات الكرملين في تقديم نفسه كداعم للرجال الأقوياء في السنوات الماضية، وأرسل المرتزقة إلى مناطق في العالم كما في حالة أوكرانيا. ولا يعتبر التدخل التصحيحي منحصرا في مجالها الخاص، فروسيا بوتين ترى أن مصالحها في وضع جيد عندما يكون التحالف الأطلسي ممزقا. فقد دعم بوتين المتشككين من الاتحاد الاوروبي وقوى من اليمين الشعبوي على جانبي الأطلسي، كما وتدخل في الانتخابات.
وواحد من أهم أهداف بوتين هو إجبار الولايات المتحدة على التراجع من أوروبا. وكان دونالد ترامب ينظر باحتقار للناتو ورفض حلفاء أمريكا الغربيين وبخاصة المستشارة الألمانية أنغيلا ميركل وتحدث بشكل مفتوح عن الخروج من الناتو. وحاول جو بايدن إصلاح الضرر الذي أحدثه ترامب ومن هنا قام بوتين بتصنيع أزمة ادت لوحدة الناتو. ولكن هناك شكوك في أوروبا حول ديمومة الدعم الأمريكي بعد عام 2024 وهو ما منح روسيا نجاحا في تقوية الشك وبخاصة عبر منصات التواصل. ولو نجح بوتين في تفكيك حلف الناتو فسيحقق هدفه النهائي بالتخلص من نظام ما بعد الحرب الباردة الليبرالي والقائم على قواعد النظام الدولي والذي دعمته أوروبا واليابان والولايات المتحدة مقابل نظام مطواع لروسيا. وقد يشبه النظام هذا منظومة القوة في القرن التاسع عشر أو معاهدة يالطا التي قسمت فيها الصين وروسيا والولايات المتحدة العالم إلى ثلاثة مجالات للتأثير. وعزز التقارب الروسي مع الصين فكرة البحث عن نظام بديل عن النظام الغربي.
وتطالب روسيا والصين بنظام جديد تمارسان فيه تأثيرا وبعالم متعدد الأقطاب. ودعت أنظمة القرن التاسع عشر والعشرين لمجموعة من القواعد، ففي أثناء الحرب الباردة احترم الاتحاد السوفييتي وأمريكا مجال تأثير كل منهما. وتم نزع فتيل أهم وأخطر أزمتين في ذلك العهد، وهو إنذار برلين النهائي لنيكيتا خرتشوف عام 1958 وأزمة الصواريخ الكوبية 1962 قبل أن تندلع الحرب. ولكن نظام بوتين لما بعد الغرب سيكون بدون قواعد للعبة. وتقوم طريقة بوتين في بحثه عن نظامه على خلخلة ميزان الغرب وتركه في حالة تكهن مستمرة ومفاجأته بأعمال. وبناء على هدف بوتين النهائي، ومحاولته لخلق نظام يحمي فيه مصالح روسيا، فالسؤال عن طريقة ردعه من غزو أوكرانيا. ولا أحد يعرف متى وكيف سيتصرف، في ظل سرده القائم على الشكوى من تجاهل الغرب مجال بلاده الخاص ولأكثر من 3 عقود. وهو مصر على تأكيد حقوق روسيا والحد من سيادة الجيران وتلك التي كانت عضوا في محور وارسو وإجبار الغرب على القبول بهذه القيود- بالدبلوماسية أو الحرب.
على الولايات المتحدة مواصلة الدبلوماسية وتقديم تسوية تحمي فيها سيادة شركائها وحلفائها. وعليها العمل مع أوروبا على فرض ثمن باهظ حالة نفذ بوتين وعيده بالغزو
كل هذا لا يعني أن الغرب عاجز عن الرد، فعلى الولايات المتحدة مواصلة الدبلوماسية وتقديم تسوية تحمي فيها سيادة شركائها وحلفائها. وعليها العمل مع أوروبا على فرض ثمن باهظ حالة نفذ بوتين وعيده بالغزو. ومن الواضح أنه لو تجنبت أوروبا الحرب فلا عودة إلى وضع ما قبل حشد روسيا قواتها في آذار/مارس 2021. والنتيجة النهائية لهذه الأزمة هي عملية تعديل ثالثة للأمن الأوروبي- الأطلسي ومنذ أربعينيات القرن العشرين. وجاءت إعادة التنظيم الأولى بتقوية نظام يالطا إلى كتلتين متنافستين في أوروبا ما بعد الحرب العالمية الثانية. أما التنظيم الثاني فقد ظهر في 1989 و 1991 بانهيار الكتلة الشيوعية والاتحاد السوفييتي نفسه وتبع ذلك محاولات الغرب خلق أوروبا “كاملة وحرة”، وهو ما يتحداه بوتين اليوم بتهديده لأوكرانيا. وفي الوقت الذي تراقب فيه أمريكا وحلفاؤها الحركة القادمة لبوتين ومحاولة ردعه بالعقوبات فعليها ومن معها فهمه وأهدافه النهائية. والأزمة الحالية هي عن محاولات روسيا إعادة رسم خريطة ما بعد الحرب الباردة وتأكيد سلطتها على نصف أوروبا بذريعة أن هذا ضامن لأمنها. ويمكن تجنب الحرب لكن طالما ظل بوتين في الحكم فستبقى عقيدته قائمة.