ولي العهد السعودي الأمير محمد بن سلمان
لندن – “القدس العربي”:
تحت عنوان “كل مستشاري الملك: مخاطر نصح الديكتاتوريين” نشر موقع “فورين أفيرز” مقالا لكالفيرت دبليو جونز ناقش فيه دور الشركات الإستشارية العالمية في تقديم النصح للدول المستبدة مثل السعودية وبدأه بتساؤل طرحه رجل أعمال ومتعهد سعودي عام 2016 على الكاتب قائلا: “هل يعرف ولد لبناني من هارفارد أكثر مما أعرفه أنا عن شوارع الرياض” في شكوى واضحة من العدد الضخم للمستشارين الأجانب الذين يهمسون في آذان القيادة السعودية.
ويرى الكاتب أن الظاهرة ليست محصورة في المملكة ولا الشكاوى أيضا. وقال مستشار إماراتي للكاتب “عيونهم على أموالنا” وهناك “عدد كبير من الإستراتيجيين وعمل أقل”. ويرى الكاتب أن الخبراء يلعبون دورا ثمينا وواضحا في تقديم النصح لقادة الدولة الليبرالية والديمقراطية الثرية وللمعاهد الدولية أيضا، ولكن دورهم في نصح الأنطمة الديكتاتورية وزعماء الدول النامية غير معروف. ويعد هذا مشكلة لأن الدولة المستبدة من الصين إلى السعودية باتت تعتمد على شركات العلاقات العامة ومراكز الأبحاث والجامعة للنصح والإستشارة.
ووصل سوق الإستشارات لدول الخليج في عام 2017 إلى 2.8 مليار دولار نصفه دفعته السعودية وذلك حسب “سورس غلوبال ريسيرتش”. ويرى الكاتب أن الخبراء يبدو أنهم لم يكونوا جاهزين للتعامل مع العيوب المحتملة للعمل في سياقات ديكتاتورية.
ففي الأشهر القليلة الماضية أثار الخبراء الذين يساعدون أنظمة متهمة بانتهاك حقوق الإنسان والفساد وغير ذلك من الإنتهاكات في الولايات المتحدة التي جاء منها معظمهم وفي الدول التي يعملون فيها. وكمثال على هذا شركة ماكينزي التي تعد قائدة في مجال الإستشارة والإدارة، فهي إلى جانب عدد آخر في قطاع الإستشارات تتعرض للتدقيق لعملها مع حكومات وشركات مملوكة من الحكومة ذات سمعة غير طيبة. ففي تشرين الأول (أكتوبر) أصدرت بيانا أعربت فيه عن رعبها من استخدام السعودية لتقرير أعدته عن استخدام منابر التواصل الإجتماعي في السعودية لاستهداف المعارضين السياسيين هناك. وقبل ذلك بأشهر تورطت الشركة في فضيحة فساد كبرى بجنوب أفريقيا حيث اعترفت أنها بالغت في أجرها من شركة “إسكوم” المملوكة من الدولة وفشلت في التحقق من نظافة واحدة من الشركات المشاركة لها هناك. ووافقت ماكينزي في النهاية على إعادة حوالي 74 مليون دولار لحكومة جنوب أفريقيا. واعترفت الشركة قائلة “لم نكن حريصين بما فيه الكفاية حول من نرتبط بهم” و “لم نفهم الأجندة التي كان تنفذ” وهذا اعتراف مهم لأن الشركات التي تعمل مع الأنظمة الديكتاتورية أو تلك التي يستشري فيها الفساد تكون أمام مخاطر جمة.
ويرى الكاتب أن الخبراء يحاولون عادة تقديم رؤية عقلانية لطريقة صنع القرار الحكومي وتعزيز شرعيته، وتشير الأدلة أنهم ينجحون في تحقيق هذه الأهداف. وهذا صحيح في سياق نظام سياسي مفتوح، فهل يستطيعون عمل نفس الشيء في سياق أنظمة مستبدة وهل عليهم المحاولة أصلا؟
خبراء الإستشارات يساعدون أحيانا الأنظمة على الحكم بطريقة جيدة. ولكن تأثيرهم وفعاليتهم تتلاشى مع مرور الوقت خاصة عندما يترددون في الحديث بصراحة عن المعوقات التي تقف أمام التقدم.
ولكي يجيب على هذا التساؤل قضى الكاتب 19 شهرا ما بين 2009 – 2017 للعمل على دراسة ميدانية في الشرق الأوسط وركز فيها على الإمارات العربية المتحدة وملكيات الخليج الأخرى التي يعمل فيها الخبراء بشكل قريب مع حكامها وفي مجالات الحكم. وقابل أثناء ذلك عدد من المستشارين وشركات استشارات كبرى وجامعات وعدد من النخب الحاكمة بمن فيهم حاكم دولة. وخلال المقابلات راقب كيف يعمل المستشارون. وجمع بيانات نوعية حول رؤية المواطنين لشركات الإستشارات. ووجد أن خبراء الإستشارات يساعدون أحيانا الأنظمة على الحكم بطريقة جيدة. ولكن تأثيرهم وفعاليتهم تتلاشى مع مرور الوقت خاصة عندما يترددون في الحديث بصراحة عن المعوقات التي تقف أمام التقدم. كما أن عمل المستشارين لا يؤدي إلى تعزيز شرعية النظام المستبد بل على العكس. ويرى الكاتب أن نتائجه مهمة لصناع السياسة الامريكية والغربية الذين يواجهون صعودا في تيار الإستبداد والديكتاتورية في العالم. وربما ناقش الواحد أن مساعدة الأنظمة الديكتاتورية في مناطق مثل السعودية والصين يؤثر على المصالح الأمريكية، خاصة عندما تؤدي المساعدة بالأنظمة الديكتاتورية لقمع المعارضة وخرق حقو الإنسان. ولكن هذه الأنظمة ظلت مستمرة وباقية رغم التكهنات المستمرة حول انهيارها القريب وهذا بسبب الثروة والنمو الإقتصادي الذي انتجته العولمة. وعليه فالنصح الذي تقدمه شركات الإستشارات لا يتعدى هذه العوامل، فلو قررت الشركات الخروج من الصين والسعودية فلن ينهار النظامان فيهما. ولكن عدم تأثير عمل هذه الشركات على بقاء النظام كما يدعي نقادها لا يعني أن عملها لا يترك تداعيات استراتيجية.
ويقول الكاتب إن المتوقع من الخبراء أن يكونوا من “البصيمة” ويقولون للأنظمة الأشياء التي يحبون سماعها، لكن الحقيقة أكثر تعقيدا، فهناك مستشارون أقل التزاما بالمبادئ من غيرهم. ففي مناطق الخليج يحاول المستشارون تسويق وتقديم خطط تقدم كل الحلول. وهناك المتخصصين في قطاعات مثل الأمن والرقابة والتي عادة ما تثير ردة فعل داخل الدول التي ينصحونها ودوليا. ويعبر معظم الخبراء عن رغبة في تحقيق تقدم في قطاعات مثل التعليم والبنى التحتية والإدارة ولا يشعرون أنهم متورطين في أخطاء الأنظمة المستبدة. بل على العكس يشعرون أنهم يضيئون شعلة من الداخل. وعادة ما يقومون- في البداية وعندما يدرسون التحديات بجمع المعلومات وتحديد الحلول الممكنة. وفي البداية يكون الخبراء في وضع جيد للتأثير المنطقي على الديكتاتوريين الذين يندهشون من حجم المشاكل التي أخفتها عنهم حاشيتهم. ففي القطاع التعليمي يقوم الخبراء بجمع البيانات على المستوى المحلي ويقدمون تقارير صريحة للنخبة الحاكمة كما في تقرير لشركة ماكينزي عن التعليم في البحرين والذي وصف “بالعميق وكشف عن أشياء محرجة” للنخبة. وفي البداية يكون الخبراء مستعدين لقول الحقيقة إلى السلطة ولكنهم يواجهون مشاكل مع تطور المصاعب ويطلب منهم إعادة النظر في تقاريرهم واقتراح طرق عمل أخرى. ومع مضي الوقت يتعلم الخبراء التكيف مع المحفزات المتجذرة في السياق الديكتاتوري السياسي وتعديل أو تحديد نصائحهم. ويكتشفون أن الإستغناء عن خدماتهم سهل رغم التأكيدات التي حصلوا عليها بدون أي إصلاح للوضع. ويمكن بسهولة ترحيل المستشار الأجنبي أو الطلب منه بأدب المغادرة ووقف عمل العمال المحليين معه بدون تفسير. ويكتشف الخبراء التناحرات والتنافس داخل المؤسسة الحاكمة ويجدون أنفسهم وسط المؤامرات داخل القصر.
المستشارون كبش فداء عندما لا تسير عملية الإصلاح بالطريق الصحيح.
ووصف مستشار في البحرين الأمر بأنه مثل لعبة الكراسي الموسيقية: ” كان رئيس الوزراء أولا ثم ولي العهد وبعد ذلك وزير التعليم” وكل واحد يتنافس مع الأخر وبفريق استشاريين حول كيفية الإصلاح. وفي النهاية يكون المستشارون كبش فداء عندما لا تسير عملية الإصلاح بالطريق الصحيح، حيث اعتبرت مقترحات قدمتها مؤسسة راند لقطر بأنها “خطة راند” مع أن الأمير هو الذي اختارها. ومع مرور الوقت تقل جاهزية الخبراء للحديث بصراحة ويقل حديثهم من أجل البقاء في أعمالهم. وكما قال المتعهد السعودي “يقولون (الخبراء) رأيهم في اليوم الأول وعندما يقال لهم لا، نريد عمل هذا بطريقتنا، وبعدها يصمتون ويفعلون ما يطلب منهم”. ومع مرور الوقت تصبح نوعية النصيحة أقل بل ويسهمون أحيانا في تدهور الوضع. وعندما يصبح المستشارون للأمير أو الحاكم واثقين بأنفسهم وقدرتهم على إحداث تغييرات سريعة وبكلفة قليلة، ويؤمنون بالطرق المختصرة للدولة، يجدون أنفسهم وسط مقايضات مع الدولة حول المدة الزمنية. وقال مستشار تعليمي في الإمارات: “الخطة التي قدمتها كانت تقضي بإصلاح كل المدارس في سبعة اعوام. وعندما رجعت من عطلتي خفضها وزير التعليم إلى خمس سنوات وقرر الشيخ محمد بن راشد المكتوم أخيرا أنها ثلاثة أعوام”. وفي النهاية قبل المستشار ما فرض عليه. وعندما يخيب أمل النخبة الحاكمة بعمل فريق الإستشارة يستبدله بآخر أو تتحول نحو مشروع جديد لمعالجة نفس الإصلاحات وبخيبة جديدة. وعادة ما لا يتم التعلم من أخطاء الماضي بسبب ضعف المؤسسات. ورغم النكسات يظل الديكتاتوريون يتعاملون من المستشارين كأمر ضروري يقدمون لهم تفكيرا جديدا.
ويرى الكثير منهم المؤسسة البيروقراطية قديمة ومسيسة، وقد يكون هذا صحيحا رغم أن أس المشكلة نابع من تعيين النظام المقربين له في مناصب الحكومة الهامة بدون اعتبار للكفاءة. وعادة ما تتعامل الأنظمة المستبدة مع إحضار خبراء من الخارج إزعاجا لكن قادتها يرون فيهم طريقة لإظهار تعاملهم مع المشاكل الحاصلة بجدية. وكما قال أحد أعضاء العائلة الحاكمة في الإمارات يجب أن يثبت حكام الخليج أنهم ليسوا مثل حسني مبارك الذي لم يستجب لمطالب التغيير وأدى إلى انتفاضة ضده عام 2011.
ومن أجل فهم رد فعل الرأي العام في دولة تحكمها انظمة شمولية من تدخل المستشارين في الإصلاحات والمشاريع، أجرى الباحث تجربة قرأ فيها أولا موقف الرأي العام من شرعية الإصلاحات التي يقترحها المستشارون ووجد أن المشاركين لم يرو في مشاريع الإصلاح طريقة لتعزيز الشرعية خاصة عندما تلعب الإستشارة الأجنبية دورا فيها. وفي المستوى الثاني سأل الباحث المشاركين عن موقفهم من جنسية المستشارين، أمريكيين، صينين وكويتيين. ووجد أن الدعم للمشاريع تقل عندما يكون المشاركون فيها أمريكيون مقارنة مع دعم الصينيين وبدرجة أقل الكويتيين. وهذا مهم خاصة الدور الأمريكي في تحرير الكويت من قوات صدام حسين. وتقترح نتائج التجربة أن مشاركة الخبراء لا تضفي شرعية أو تمنح عقلنة للإصلاح بل على العكس. وهذا لا يعني غياب الأثر الإيجابي للمستشار ولكن النتيجة تمثل تحد خاصة للمستشارين الذين يعملون قريبا من العائلات الحاكمة. طبعا لا يمكنهم عمل شيء نظرا لطبيعة الأنظمة الشمولية. ويمكنهم تجنب العيوب من خلال التركيز على الحقائق والبحث عن الحلول والتأكيد على استعدادهم لترك عملهم عند تجاهل نصائحهم. وعليهم أن يتعاملوا مع السكان المحليين وفهمهم بطريقة لا تغضب حكامهم. وربما تجنب المستشارون التعامل مع الأنظمة غير الديمقراطية من خلال الإبتعاد عنها جملة وتفصيلا، وبخاصة المتورطة في انتهاكات حقوق الإنسان. ويرى الكاتب أن المستبدين قد يستخدمون نصائح المستشارين لتحسين حيوات مواطنيهم وربما استخدموها لقمعهم كما في حالة دراسة ماكينزي. ومن أجل العمل وبحذر مع الحكومات الشمولية على المستشارين وضع قواعد للتعامل مع هذه الحكومات. وأوصى مايكل بوسنر، من كلية الإقتصاد وحقوق الإنسان في جامعة نيويورك تمنحهم القدرة على رفض التعامل مع الحكومة أو الرد عندما تطلب منهم الحكومة الزبون التعاون في موضوع يؤدي لانتهاكات حريات أساسية وعندما يستطيعون التخلص من العقود مع هذه الحكومات. وهذه نقطة بداية جيدة إلا أنه في العالم السياسي الغامض لا يعرف الخبراء الكيفية التي سيتم فيها استخدام نصائحهم.