“فورين بوليسي”: أمريكا ليست متفرجاً بريئاً على اليمن وتركت السعوديين يفعلون ما يريدون

حجم الخط
0

لندن – “القدس العربي” – إبراهيم درويش: يرى المحلل ستيفن كوك في مجلس العلاقات الخارجية الأمريكي، أن الفراغ الذي خلفته الولايات المتحدة في الشرق فتح المجال أمام حلفائها لعمل ما يريدون مهما كان عدد الضحايا.
وجاء مقاله بمجلة “فورين بوليسي” في معرض تحليله للموقف الأمريكي من الحرب الجارية في اليمن، حيث كتب تحت عنوان “أمريكا ليست متفرجاً بريئاً في اليمن“.
وبدأ بالحديث أن صناع السياسة الأمريكية حتى ضرب البارجة “يو أس أس كول” في تشرين الأول (أكتوبر) 2000 ظلوا ينظرون لليمن كمكان لتخزين القات واختطافات مزيفة للسياح وذكريات دافئة للفصول الصيفية التي قضوها لدراسة اللغة العربية في صنعاء أو عدن.
وقد ظللت القصص الغريبة والممتعة التي عادة ما ذكرها المسؤولون والطلاب عن أيامهم في اليمن على سياسة البلد الغريبة المثيرة للدوار، الخطيرة والتي لا يمكن فهمها، وشبه حاكم اليمن المديد علي عبدالله صالح إدارة اليمن مثل من يرقص فوق رؤوس الثعابين.
وقد عرف حقيقة هذا لأنه قتل في كانون الأول (ديسمبر)، بعدما أغضب حلفاءه والذين كانوا أعداءه سابقاً.
ومع أن صالح كان شخصية كريهة إلا أن إدارة جورج دبليو بوش وباراك أوباما اعتبرته حليفاً مهماً فيما أطلق عليها “الحرب على الإرهاب”.
ولكن الوضع اليوم في اليمن مروع حتى بمعايير فترة صالح التي اتسمت بسوء الحكم، فقد قتل وجرح في الحرب المندلعة منذ عام 2014 حوالي 15.000 مدني وشردت الحرب 3 ملايين وأصبح أكثر من 190.000 يمني لاجئين في دول الجوار مثل جيبوتي والصومال، وهناك حوالي 8.4 مليون نسمة يواجهون خطر المجاعة. ويعتبر الأطفال هم الأكثر تضرراً في الحرب حيث يموت كل يوم 130 طفلاً بسبب فقر التغذية والأمراض مثل الكوليرا.
تراجيديا
ويعلق الكاتب أن الولايات المتحدة تجد نفسها وسط تراجيديا لكنها ليست متفرجاً بريئاً عليها، فاليمن هو هدف للطائرات الأمريكية بدون طيار منذ 16 عاماً، ومن الصحيح أن هذه الغارات قتلت عدداً لا يحصى من الإرهابيين إلا أن الكثير من الأخطاء ارتكبت وأدت لمحو عائلات وتشويه أناس كانوا يحضرون الأعراس وفجرت ركاباً في سيارات “بيك آب” بسبب وجودهم في المكان والزمان الخطأ.
وكما هي العادة كان المسؤولون الأمريكيون يعبرون عن أسفهم ثم يتحركون للهدف التالي، لكن الولايات المتحدة وبعد دخول السعودية في الحرب في اليمن في 15 آذار (مارس) 2015 أصبحت جزءاً من هذا الوجه من النزاع الذي جلب البلاد إلى حافة الإنهيار، ويشير إلى أن حجم المعاناة اليمنية أدى إلى جدل بشأن الدعم الأمريكي لشركائها فيها خاصة السعوديين والإماراتيين.
وأشار الكاتب لمحاولات الحزبين في الكونغرس لوقف الدعم الأمريكي وبيع السلاح للسعودية، ولكنها فشلت في حزيران (يونيو) 2017 ومرة أخرى في ربيع 2018 ثم قام وزير الخارجية مايك بومبيو بتوقيع شهادة على خلاف نصيحة طاقمه شهد فيها أن السعودية ومن معها في التحالف يتخذون الإجراءات الكافية للحد من سقوط المدنيين مع أنهم لا يزالون يموتون من القصف والجوع والمرض، وتساءل الكاتب عما جر الولايات المتحدة إلى هذه الساحة؟.
ويعود لجذور الأزمة عام 2004 عندما تعاونت الحكومة اليمنية بدعم سعودي على مواجهة تمرد في مناطق الزيدية شمال البلاد، وهو تمرد كان يدور حول حسين بدر الحوثي الذي دعا لتقوية الزيدية ومحاربة الفساد والديكتاتورية.
ويشير كوك إلى أن الحوثي كان يؤمن بنظرية المؤامرة في نسب هجمات 9/11 إلى مؤامرة أمريكية – صهيونية واتخذ شعاراً ثورياً إيرانياً “الله أكبر، الموت لأمريكا، الموت لإسرائيل، اللعنة على اليهود والنصر للإسلام”.
وقتل حسين الحوثي عام 2004 إلا أن جيشاً نشأ باسمه، وفي عام 2011 سقط صالح بعد ثورة شعبية وأجبر على تسليم السلطة لنائبه عبد ربه منصور هادي الذي لم يعمر طويلاً في السلطة حيث زحف الحوثيون بعد عامين من تسلمه السلطة إلى صنعاء، وسيطروا على الشارع وسمحوا للحكومة بالعمل لكنهم أجبروا هادي بعد خمسة أشهر على الفرار وبدأوا حملة توسع من العاصمة.
وهنا تدخل السعوديون، حيث يرى الكاتب أن تدخلهم يحمل منطقاً وقام على مبرر إعادة الشرعية التي يمثلها هادي ومواجهة الحوثيين الزيديين الذين قاتلت معهم السعودية عدداً من المرات في الفترة ما بين 1962- 1967 ضد الجمهوريين.
وفي هذه المرة شعرت السعودية بخطرهم لأنهم يتلقون دعماً من إيران وحزب الله. وخاف السعوديون والحالة هذه من نشوء “حزب الله” جديد في اليمن كما هو الحال في لبنان، ومؤامرة إيرانية لزرع الفوضى في شبه الجزيرة العربية.

الكفة تميل للحوثي
ويعلق الكاتب أن شهية الرياض للحرب التي زادت بعد سيطرة الحوثيين على صنعاء، وأقاموا علاقات مع طهران تفوقت على قدراتها العسكرية وسرعت من انهيار اليمن وبطرق ما، فقد حصل للسعوديين ما كانوا يخشونه، فهم متورطون في اليمن ولا يستطيعون النصر أو الانسحاب.
وكرد على الغارات الجوية قام الحوثيون وبدعم من إيران بإطلاق الصواريخ على المدن السعودية بما فيها اليمن. ويقول كوك إن الحرب بين السعوديين والحوثيين ليست القتال الوحيد الدائر في اليمن، فهناك الإمارات، فقد استفاد الإماراتيون من مشاركتهم في أفغانستان وعمليات محاربة الإرهاب إلى جانب الأمريكيين وهم أقوى عسكرياً من السعوديين لكن ليست لديهم القدرات لنشر المقاتلات والمروحيات والجنود والضباط.
وتشارك الإمارات السعودية مخاوفها من التدخل الإيراني في اليمن وعملوا مع القوات التي يطلق عليها “بالقوات الحكومية”، لكنها شاركت الولايات المتحدة بعمليات لمحاربة القاعدة وبنجاحات لم يتم التركيز عليها، ورغم أن الإماراتيين والأمريكيين والحوثيين يشتركون في هدف واحد وهو تنظيم القاعدة لكن دخول الحوثيين في حملة ضد القاعدة ليس خياراً مطروحاً في ظل المعركة الحالية.
ويقول كوك: إنه لا يمكن التكهن في ظل الوضع الحالي بن سيربح المعركة إلا أن الكفة تميل للمحور الحوثي- الإيراني- حزب الله، فالحوثيون يحملون فكراً غريباً لتقوية الحوثيين، ويذكر بطموحات القاعدة وتنظيم الدولة والحرس الثوري الإيراني. ويقول: إن طموح الحوثيين في الإطاحة بالحكم السعودي يظل خارج ما يمكنهم تحقيقه مع أنهم قد يجبرون الحكومة السعودية على الإنفاق على الحرب التي كلفت الخزينة السعودية ما بين 100- 200 مليار دولار، بالإضافة لإثارة الرعب في قلوب السعوديين بشكل يزيد من المعارضة للملك سلمان وولي عهده الأمير محمد بن سلمان والمساهمة أيضاً بكارثة العلاقات العامة التي تواجهها السعودية بسبب الحرب في اليمن، كل هذا يعد فوزا للحوثيين وأصدقائهم حزب الله وإيران.
ويناقش الكاتب أن السعوديين والإماراتيين يريدون إخراج الإيرانيين من الجزيرة العربية وإعادة الحكومة المعترف بها دولياً، لكن اليمن محطم ولا حكومة مركزية فيه إلا بالاسم وحتى هادي لا يحظى بشعبية بين اليمنيين، ولا يريد الإماراتيون أن يخسر السعوديون ولكنهم يريدون هزيمة القاعدة وهذا يعني التزاماً مفتوحاً في اليمن. وبالنسبة للولايات المتحدة فهي تريد تدمير القاعدة ولكن طول أمد الحرب يزيد من حرج السعودية.

ربح لصناع السلاح
ويعلق كوك بأن الحرب تعتبر مصدر ربح لصناع السلاح لكن حالة الفوضى في الجزيرة العربية النابعة من خسارة السعودية للحرب في اليمن ستكون خسارة استراتيجية لأمريكا خاصة في وقت لمحت فيه الإدارة الأمريكية لدونالد ترامب الى أنها ستتخذ خطاً متشدداً مع إيران.
ويرى أن قرار بومبيو السماح ببيع السلاح للسعودية قام على افتراض ان زيادة الدعم العسكري سيؤدي لهزيمة الحوثيين أو دفعهم للاستسلام. والمشكلة في هذا هي أن الحوثيين سيظلون يخوضون حرباً فاعلة تجبر السعوديين على التعادل.
ويعتقد أن تاريخ اليمن القريب يمنح تداعيات تذكر بالقوة التي أطاحت بنظام صالح، وهذا لا يعني ان القوة التي أطاحت صالح كانت سيئة، ولكن المدى الذي تصبح فيه الأمور أسوأ ودور عوامل الهوية والثقافة والسياسة عادة ما لا يتم الالتفات إليها كديناميات في المرحلة الانتقالية لما بعد الثورة، فالخلافات نشأت حول اليمن ومن هو اليمني ومن بيده القرار ليؤكد هذا دخلت في الساحة السياسة المليئة بالسموم وهي ديناميات تشبه المرحلة الانتقالية التي مرت بها دول شهدت انتفاضات.
كل هذا يؤكد لصناع السياسة والمحللين أن النظام الذي قادته الولايات المتحدة في المنطقة يموت. فلم يعد حلفاء الولايات المتحدة يخبرون الولايات المتحدة قبل اتخاذ تحركاتهم، فقد شن السعوديون حربهم في اليمن دون اهتمام بموقف أمريكا وفي الوقت نفسه طالبوا البنتاغون الدعم اللوجيستي وتدفق للذخيرة.
وسواء كانوا مصيبين أم مخطئين لا يثق المسؤولون السعوديون بالأمريكيين لمعرفة مدى التهديد الذي يواجهونه أو دعمهم، والأمريكيون في خنادقهم العميقة للحرب الثقافية منشغلون بما يكتبه ترامب من تغريدات على التويتر ولا رغبة لديهم بمشاهدة الحروب الحقيقية الجارية في الشرق الأوسط تاركين المنطقة لمن يريدها، ومن المحزن أن هناك الكثير من الأشخاص الذين سيموتون بسبب هذا.

كلمات مفتاحية

Leave a Reply

Your email address will not be published. Required fields are marked *

اشترك في قائمتنا البريدية