لندن ـ “القدس العربي”:
ناقش طالب الدكتوراة في جامعة جورج ميسون جون هوفمان في مقال نشره موقع مجلة “فورين بوليسي” ضرورة وقف واشنطن “الشيك المفتوح” الذي منحته واشنطن للإمارات. وقال إن سلوك الإمارات سيء ويضر بالمصالح الأمريكية في المنطقة.
وبدأ مقالته بالإشارة للوصف الذي أطلقه وزير الدفاع الأمريكي السابق جيمس ماتيس على الإمارات بأنها “أسبرطة الصغيرة” أي المحاربة، وذلك عندما كان قائدا للقيادة المركزية الأمريكية في الشرق الأوسط. وكان من هذا الوصف يريد أن يظهر قدرات الإمارات العسكرية بالمقارنة إلى حجمها الصغير، وتم الحديث عنها وبشكل متكرر بأنها من أهم شركاء الولايات المتحدة في الشرق الأوسط. وبناء على هذا المنظور فأبو ظبي هي حليف مهم لردع إيران ومكافحة الإرهاب ودعم الاستقرار الإقليمي.
وتحولت الإمارات في الفترة الأخيرة كمكون مهم في رغبة الولايات المتحدة تخفيف أعبائها في الشرق الأوسط والتحول نحو آسيا. ومع أن الإمارات قامت في بعض الأحيان بتدخلات إقليمية وارتكبت انتهاكات حقوق الإنسان إلا أن هذه الرؤية ترى في هذه الممارسات غير ضارة بالمصالح الأمريكية، وظل ينظر إلى الإمارات كرمز للاستقرار والازدهار في منطقة مضطربة. ويبدو أن إدارة الرئيس بايدن تقبلت هذا الرأي وصادقت على صفقة أسلحة بـ 23 مليار دولار وتضم مقاتلات أف-35، وهي الصفقة التي بدأت في عهد إدارة دونالد ترامب وأشادت بالإمارات على أنها “شريك أمني مهم” للولايات المتحدة.
وبعد انتخابها عضوا في مجلس الأمن الدولي مدة عامين بدءا من كانون الثاني/يناير، فمن الواضح أن الإمارات ستساعد الولايات المتحدة في دعم المصالح المشتركة على المسرح العالمي. إلا أن هذه النهج معيب. فرغم التفاؤل الذي تبناه الداعمون لهذا المنظور، فتجاوز السلوك الأبق للإمارات مضر بالمصالح الأمريكية ليس في الشرق الأوسط ولكن في أمريكا نفسها.
السياسات التي تبنتها الإمارات في الشرق الأوسط مضرة بالاستقرار وتفاقم الحروب الأهلية وتخرق القوانين الدولية وتخرب محاولات التحول الديمقراطي
ويضيف أن السياسات التي تبنتها الإمارات في الشرق الأوسط كانت بطبيعتها مضرة بالاستقرار وتفاقم الكثير من الحروب الأهلية المستمرة بالمنطقة وتخرق القوانين الدولية وتخرب وبشكل مستمر محاولات التحول الديمقراطي. وبالترافق مع هذه المغامرات الإقليمية حاولت الإمارات وبشكل متكرر التدخل في السياسة الداخلية الأمريكية وعلى أعلى المستويات ومراقبة الدبلوماسيين والمسؤولين الحكوميين حول العالم.
ويرى الباحث أن الولايات المتحدة بحاجة لإعادة النظر في هؤلاء “الحلفاء” الذين تريد نقل أعباء مصالحها إليهم في الشرق الأوسط وقبل أن تتحرك إلى مسارح أخرى، وعليها في الوقت نفسه محاسبة من يحاولون التدخل بطريقة غير قانونية في السياسة الداخلية الامريكية.
ولتحقيق هذا على واشنطن وقف “الصك المفتوح” للإمارات. ويعلق إن سياسة الولايات المتحدة في الشرق الأوسط طغت عليها ما أطلق عليها “أسطورة الاستقرار الديكتاتوري”. ويشير هذا المصطلح القاصر إلى اعتقاد بأن الديكتاتوريين في الشرق الأوسط “لديهم القدرة على حماية المصالح الأمريكية من خلال فرض نظام سياسي واجتماعي على مواطنيهم المحرومين”. لكن هذا النهج كما يقول نادر هاشمي، مدير مركز دراسات الشرق الأوسط في جامعة دنفر غير صحيح. فهذه الأنظمة الديكتاتورية “هي مصدر رئيسي لعدم الاستقرار، فيما يتعلق بطبيعة حكمهم وسياساتهم التي يتبعونها”. والإمارات العربية المتحدة هي تعبير ومثال واضح عن هذه الأسطورة: غياب المحاسبة في الداخل وصك مفتوح من الولايات المتحدة شجع سياستها التي تضر بالاستقرار ولعنة على للمصالح الأمريكية.
وبرزت الإمارات التي تملك السلاح الأمريكي المتقدم وبكثرة، كواحدة من أكثر دول المنطقة تدخلا في شؤون المنطقة وتبنت سياسات أطالت الحروب بدلا من تقصير أمدها وخلقت كوارث إنسانية وسحقت الآمال الديمقراطية وغذت المظالم الكامنة التي قادت إلى الاضطرابات.
ففي مصر، لعبت الإمارات دورا محوريا في انقلاب عام 2013 الذي اطاح بالرئيس المنتخب محمد مرسي ونصب عبد الفتاح السيسي، ووفرت دعما ماليا له في أعقاب الانقلاب.
وفي سوريا كشفت الإمارات عن دعمها لنظام الأسد عبر دعم التدخل العسكري الروسي عام 2015 وساهمت في “عمليات مكافحة الإرهاب” التي قامت بها موسكو، ثم أعادت فتح سفارتها في دمشق عام 2018 وحثت الجامعة العربية والمجتمع الدولي بشكل عام على قبول الأسد من جديد والذي أشادت أبو ظبي بـ “قيادته الحكيمة”.
وقالت البنتاغون إن الإمارات ربما قدمت دعما لجماعات الظل الروسية والمرتزقة في ليبيا. وفي هذا البلد قدمت الإمارات دعما عسكريا واقتصاديا ضخما لأمير الحرب خليفة حفتر وقواته العسكرية. وقامت بهجمات من خلال الطائرات المسيرة ووفرت له السلاح في خرق واضح لحظر تصدير السلاح الذي فرضته الأمم المتحدة. واستخدمت أبو ظبي المرتزقة السودانيين لتقوية قوات حفتر ومولت مرتزقة شركة “فاغنر” للقتال معه.
وفي اليمن كانت الإمارات طرفا مباشرا في خلق وإطالة أسوأ أزمة إنسانية في العالم أدت لوفاة أكثر من 230.000 شخصا وجعلت ملايين الناس على حافة المجاعة. وتتهم الإمارات بجرائم حرب وتعذيب وتجنيد الأطفال وحملة اغتيالات استخدمت فيها جنودا أمريكيين سابقين كمرتزقة. ويزعم أن الأسلحة الأمريكية التي تملكها الإمارات وصلت إلى مقاتلين مرتبطين بالقاعدة وجماعات سلفية أخرى. ورغم زعم الإمارات أنها سحبت قواتها من اليمن عام 2019 إلا أنها لا تزال تدعم الميليشيات المحلية وتواصل عملياتها الجوية دعما لهذه الميليشيات ولا تزال تحتل أجزاء من اليمن. وعبرت الإمارات قبل فترة عن دعمها لانقلاب تونس وافترض أن الإمارات راضية عن انقلاب السودان، في ضوء علاقاتها القوية مع الجيش.
وتمثل التحركات الإماراتية الإقليمية والدولية تهديدا على سمعة الولايات المتحدة الدولية. ويبدو تعهد الرئيس جوي بايدن بتبني سياسة تقوم على دعم حقوق الإنسان، مجرد نفاق.
لم تقوض الإمارات المصالح الأمريكية في الخارج فقط بل وحاولت التدخل مباشرة في السياسة الداخلية، وهو ما اعتبر هجوما على الديمقراطية الأمريكية
فإلى جانب سجلها الفقير في حقوق الإنسان ومساهمتها في الأزمات الإنسانية بالمنطقة، دعمت الإمارات اضطهاد الصين للمسلمين الإيغور في إقليم شنجيانغ، مع أن إدارة بايدن اعتبرت ما يجري هناك “عمل إبادة”. واستفادت الصين من تعاون الإمارات عبر اعتقال المنفيين المسلمين من الأقلية وترحيلهم إلى الصين بناء على طلب من بيجين. ونشر في آب/أغسطس تقرير زعم أن الإمارات تستضيف منشأة اعتقال سرية صينية في دبي لاستهداف واعتقال وترحيل الإيغور.
ولم تقوض الإمارات المصالح الأمريكية في الخارج فقط بل وحاولت التدخل مباشرة في السياسة الداخلية، وهو ما اعتبر هجوما على الديمقراطية الأمريكية. فقد اعتقل بداية العام الحالي توماس باراك، الرئيس السابق للجنة تنصيب دونالد ترامب بتهمة العمل كوكيل أجنبي غير مسجل للإمارات، وحاول التأثير على سياسات ومواقف ترامب الخارجية بما يخدم أبو ظبي. وزعم المدعون الأمريكيون أن باراك تلقى توجيهات من المسؤولين الإماراتيين، وعلى مستويات عليا، بمن فيهم ولي العهد في أبو ظبي، محمد بن زايد. وحاول باراك الدفع بتعيين مرشحين مفضلين للإمارات في مناصب الخارجية والدفاع وسي آي إيه. وبالإضافة إلى هذا اعترف موظفون سابقون في الاستخبارات الأمريكية بالعمل كجواسيس إلكترونيين لصالح الإمارات واختراقهم عدد من أجهزة الكمبيوتر في الولايات المتحدة. وطالما اعتمدت الإمارات على موظفين غربيين سابقين عملوا في أجهزة الاستخبارات للتنصت على الدبلوماسيين في الأمم المتحدة والفيفا وناشطي حقوق الإنسان والصحافيين والمعارضين السياسيين والمواطنين الأمريكيين.
وناقش تقرير مولر في التدخل الروسي بانتخابات عام 2016 مسؤولين مقربين من الإمارات. وواحد من هؤلاء هو جورج نادر، الذي عمل كمبعوث لكل من ولي العهد السعودية وأبو ظبي. وكانت لديه علاقات وصلات واسعة مع المسؤولين الولايات المتحدة وروسيا والشرق الأوسط. واشار الكاتب هنا لما أوردته صحيفة “نيويورك تايمز” عن جهود نادر ومدى اختراقه الدائرة المقربة من ترامب. فقبل انتخابات 2016 بفترة قصيرة اجتمع ثلاثة أشخاص في برج ترامب مع ابن دونالد ترامب جي أر وهم نادر وجويل زامل الإسرائيلي- الأسترالي المتخصص في أساليب التلاعب بمنصات التواصل الاجتماعي وإريك برينس، مؤسس والمدير السابق لشركة التعهدات الأمنية بلاكووتر.
وبحسب الصحيفة فقد أخبر نادر نجل ترامب الأكبر أن أمراء كل من السعودية والإمارات راغبون بمساعدة والده الفوز في الانتخابات. وعرض زامل خدمات شركته التي تجمع البيانات وتشكل الرأي العام من خلال منصات التواصل. وشملت الخطة على استخدام ألاف الحسابات المزيفة والترويج لترشيح ترامب على فيسبوك. ولا يعرف إن طبقت الخطة أم لا إلا أن الإمارات اتهمت من فيسبوك وتويتر أكثر من مرة بالتورط في حملات تضليل. وبناء على هذا العرض يدعو هوفمان واشنطن لوقف “الصك المفتوح” لـ “أسبرطة الصغيرة” والاعتراف بالدور الذي لعبته في زعزعة استقرار الشرق الأوسط وتقويض فرص التحول الديمقراطي بالمنطقة وجهودها للتدخل بطريقة غير قانونية في السياسة الأمريكية المحلية. والخطوة المباشرة لعمل هذا هي وقف صفقات الأسلحة إلى الإمارات التي أدت لإطالة أمد الحرب بالمنطقة وارتكاب انتهاكات حقوق الإنسان ودعم سياسات ليست متوافقة مع المصالح الأمريكية. ومع أن هذه السياسات قد تؤثر على مستقبل الولايات المتحدة في قاعدة الظفرة الجوية، لكن يجب انتهاز هذه الفرصة وإعادة النظر بالوجود العسكري الأمريكي بالمنطقة والذي يسهم بعدم الاستقرار. ويجب أن تقود عملية إعادة النظر في العلاقات مع الإمارات لعملية فحص رئيسية للإستراتيجية الأمريكية في كل الشرق الأوسط والقائمة على اسطورة ديكتاتورية الاستقرار.